في سجلات النفوس ولد جوزاف خليل عون يوم العاشر من كانون الثاني 1964 في سن الفيل – قضاء المتن. لكنّ واقع الحال أنّ والده خليل يوسف عون هو من بلدة العيشية – قضاء جزين. وهو مثل كثيرين سواه من أبناء القرى النائية البعيدة عن العاصمة وفرص العمل والعلم، انتقل إلى بيروت حيث انتسب إلى سلك الأمن الداخلي وسكن في سن الفيل. لا يقع ذكر هذه المعلومة في سياق إثبات الأصول الجغرافية لأول رئيس جمهورية للبنان يتحدّر من الجنوب. وإنما أبعد من ذلك، يتصل الأمر بارتباط الرجل بأرض أهله وأجداده، تلك الأرض التي كانت العائلة تعود إليها في أيام العطلة، حيث تقيم في بيتها المبني من صخر وهمّة رجال، وهو يقع على الطريق العام للضيعة ما يجعله مكانًا طبيعيًا لاجتماع الأهل والأصحاب. أما الفتى جوزاف فكانت أيام الضيعة بالنسبة إليه أيام فرح وحرية، يمضيها مستكشفًا كل ناحية من نواحيها وأحراجها برفقة شباب الضيعة الذين يستهويهم الصيد. كان يعرف الضيعة «حكر وحكر» منذ كان في الثانية عشرة من عمره، وعلى الأرجح كان يعرفها أكثر من كثيرين عاشوا فيها طوال الوقت. في تلك النواحي مارس هواية الصيد واستكشاف الطبيعة بشغفٍ واحترام. يتحدث بعض من رافقوه في مشاوير الصيد عن حرصه على عدم أذية البيئة، «كان أكثرنا وعيًا» يقول واحد من هؤلاء الرفاق.
حبه لتلك الأرض وترابها وشجرها وناسها كما نشأته في بيت يقدّر العسكر، كان لهما دور في اختياره البزة المرقطة بألوان الأرض عنوانًا لمسيرته في الحياة. خيار لم يلقَ تشجيع الوالد الذي أراد لابنه حياة أسهل من تلك التي عاشها هو، لكنه احترم قرار الشاب المصرّ على المضي في طريقه.
التحق بالكلية الحربية اعتبارًا من 19/5/1983 وتخرّج منها برتبة ملازم اعتبارًا من 6/5/198٥. توالت ترقياته اعتبارًا من العام 1985 وصولًا إلى توليه قيادة الجيش في 8/3/2017. بين تخرّجه برتبة ملازم وترقيته إلى رتبة عماد أكثر من ثلاثة عقود أمضى جل أيامها في الخدمة الميدانية على الأرض شاغلًا وظائف قيادية متنقلًا من فوج إلى لواء، فلواء آخر، حتى بلغ عدد الوحدات التي خدم فيها 9 كان آخرها لواء المشاة التاسع.
مسيرة الخدمة تخللها متابعته التعليم الجامعي، فحاز إجازة في العلوم السياسية وماجستير في الدراسات الاستراتيجية والأمنية بالإضافة إلى إجازة جامعية في العلوم العسكرية، كما تابع عدة دورات دراسية في لبنان والخارج. كذلك تخلل هذه المسيرة زواجه من السيدة نعمت نعمه وإنجابهما ولدين: خليل ونور. شاب وشابة لم يعرف عنهما اللبنانيون الكثير. فعندما عُيّن والدهما قائدًا للجيش كان حريصًا على تذكيرهما بأنّ الإنسان مهما بلغ من مراتب يجب أن يحافظ على تواضعه.
احتفت به بلدته قائدًا للجيش فاعتمرت الفرح والفخر، وحين زارها لأول مرّة بصفته العماد جوزاف عون تحولت إلى ساحة عرس. بعد ذلك زارها مرات عديدة، وكان حين يلتقي أيًا من أبنائها المقيمين في بيروت يسأل: «عم تطلعوا عالعيشية؟» وكم كان يستغرب حين يأتي الجواب نفيًا. ويسأل: ليش؟ ثم يقول: «أنا مش مصدق أخلص تا أطلع أقعد فوق».
اليوم تحتفي العيشية بابنها المغوار، الشجاع، المتواضع، المُحب، رئيسًا للجمهورية. رئيس يحتفي به اللبنانيون في كل منطقة وبلدة وبيت، يعرفه الناس ويعرفهم. يعرف همومهم وأحلامهم. رئيس يفيض مع مطلع عهده أمل عزيز. أمل باستعادة الوطن من قارعة البؤس إلى رحابة الإشراق والازدهار. وطن نستحقه ويستحقه أولادنا وأحفادنا.




