د. تراز منصور
في عصر اقتصاد المعرفة، بات الإعلام مكوّنًا أساسيًا في المنظومة الاقتصادية حيث تتشابك المؤسسات الإعلامية والاقتصادية وتتداخل مصالحها على نحو وثيق. فالإعلام لم يعد مجرّد وسيلة لنقل المعلومات، بل تحوّل إلى صناعةٍ قائمة بذاتها، لها استثماراتها وعوائدها ودورها في تحريك الأسواق.
مع التطوّر التكنولوجي المتسارع، لا سيّما في مجال الذكاء الاصطناعي، برزت أدوات وتقنيات إعلامية جديدة، مثل البودكاست (Podcast) ومنصّة «تيك توك» (TikTok) وغيرها من المنصّات الرقمية التي أوجدت أشكالًا مختلفة من الإعلام البديل. وقد أسهمت هذه الوسائط في دعم مسارات التنمية وفتح آفاقٍ لموارد مالية جديدة، كما سرّعت في الوقت نفسه وتيرة انتشار المحتوى، سواء كان رصينًا أم سطحيًا. كذلك، أدّت هذه الوسائط إلى تحوّلٍ ملحوظ في طريقة التفكير والتعاطي مع الإعلام، من خلال تعزيز التفاعلية وتوسيع دائرة المشاركة، إذ أتاحت المجال أمام الإعلاميين والمعلنين والأفراد العاديين للتعبير عن آرائهم بحرية مطلقة عبر منصّات إلكترونية مختلفة.
مفهوم البودكاست
نشأ البودكاست الصوتي انطلاقًا من فلسفة تقوم على «المحتوى عند الطلب» (On-Demand Content)، بما يوفّر مرونة في الاستماع ويمنح الجمهور حرية اختيار الوقت المناسب لمتابعة الحلقات. وغالبًا ما يتّسم هذا النمط بقدرٍ أكبر من التلقائية، فهو أقلّ التزامًا بالمعايير الرسمية مقارنة بالإنتاج الإعلامي التقليدي.
ويُعدّ البودكاست وسيطًا إعلاميًا رقميًا يقوم على إنتاج سلسلة من الملفات الصوتية أو المرئية (الحلقات) عبر الإنترنت ونشرها، ويتمّ توزيعها عبر خلاصات (Rich Site Summary RSS) وقنوات البودكاست التقليدية مثل (Spotify, Apple Podcasts, Google Podcasts)، بالإضافة إلى منصات الفيديو مثل يوتيوب. ويُتيح هذا النمط للمستمعين الاشتراك في البرامج وتنزيل الحلقات أو الاستماع إليها في الوقت الذي يناسبهم عبر أجهزة مختلفة، مثل الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر.
تتناول برامج البودكاست مجموعة متنوعة من الموضوعات، بما في ذلك الأخبار، والتعليم، والترفيه، والنقاشات المتخصّصة. وتشير بيانات مؤشر Listen Notes إلى أنّ عدد حلقات البودكاست المنشورة بلغ نحو 31 مليون حلقة جديدة سنويًا خلال الفترة الممتدة بين العامَين 2021 و2024.
الاختلاف عن الراديو
يختلف البودكاست عن الراديو التقليدي في عدة نقاط رئيسية، أبرزها المرونة في الاستماع، إذ إنّه يتيح للمستمع اختيار الوقت المناسب للاستماع إلى الحلقات، بخلاف البرامج الإذاعية التي تُبث في مواعيد محددة. كما يتميّز البودكاست بقدرٍ أكبر من التحرّر في اختيار الموضوعات، مع قيود رقابية أقل نسبيًا، ما يمنح المبدعين مساحةً أكبر لإنتاج محتوى متخصص ومعمّق.
الاختلاف عن التلفزيون
يتضمّن البودكاست المرئي (Video Podcast / Videocast) عناصر بصرية مثل مقاطع الفيديو أو الصور أو الرسومات، إلى جانب المحتوى الصوتي، ما يوفّر تجربة مشاهدة أكثر تفاعلية. ويتيح هذا النمط للجمهور رؤية مقدّمي البودكاست وضيوفهم، الأمر الذي يعزّز التواصل المباشر ويزيد من مستوى التفاعل، كما يسهم في استقطاب جمهور أوسع.
يمكن اعتبار البودكاست المرئي تطوّرًا طبيعيًا للبودكاست الصوتي، إذ يضيف عنصر الصورة إلى المحتوى الصوتي، مع احتفاظه بخصائص البودكاست الأساسية.
الإعلام الجديد والرأي العام
للإضاءة على تأثيرات الإعلام الجديد وتقنياته على الرأي العام، والتنمية الاقتصادية، بالإضافة إلى دوره في نشر المعلومة بسرعة قياسية وتعزيز التفاعلية، يروي إعلاميون وأكاديميون ومتخصصون في المجال التكنولوجي تجاربهم الشخصية في هذا المجال، مبدين آراءهم حول التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي مع صعود المنصّات الرقمية وتنامي حضور البودكاست.
شُرّعت الأبواب
نشطت في الآونة الأخيرة عدة تجارب لإعلاميين في مجال البودكاست، ومن أبرزهم ريكاردو كرم (الإعلامي والمُحاور اللبناني الذي عُرف بقدرته على الغوص في عمق التجارب الإنسانية من خلال حواراته مع شخصيات بارزة من العالم، وهو مؤسس Foundation TAKREEM التي تسعى إلى تغيير السردية المرتبطة بالعرب وبناء جسور التفاهم بين الثقافات).
تحدّث كرم عن تجربته في إنتاج البودكاست، واصفًا إياه بلقاءٍ عفوي وتلقائي يجمع بين شخصين أو أكثر، وقد يأتي أحيانًا في شكل مونولوج، من دون جمهور مباشر أو كاميرات عالية الجودة أو استديوهات ضخمة مجهّزة بإضاءة متخصصة.
ويشير إلى أنّ هذا النمط يختلف عن مفهوم الحوار بمختلف أشكاله المرئية، المسموعة أو المكتوبة، إذ إنّه صُمّم في البداية ليكون سمعي متوجهًا نحو أولئك الذين يقودون لساعات ويمارسون رياضة الركض والمشي، أو لروّاد القطارات والطائرات الذين تستغرق رحلاتهم ساعات طويلة. وقد لاقت هذه التقنية الإعلامية الجديدة إقبالًا كبيرًا لدى فئة المسافرين، الذين وجدوا فيها رفيقًا أنيسًا يخفّف عنهم ثقل الطريق.
ويرى كرم أنّ أهم ما في البودكاست أنّه يعزّز مبدأ الديموقراطية والحرية والاستقلالية عن المؤسسات الإعلامية التقليدية، إذ يتيح لأيٍّ فردٍ التعبير عن رأيه ومعالجة أي قضية مع أي شخصية يراها مناسبة، ما يفتح المجال أمام إنتاج محتوى نوعي يسهم في تنمية المعرفة المجتمعية والثقافية.
وفي سياقٍ متصل، يلفت إلى أنّ البودكاست قد شرّع الأبواب أمام الجميع، وأتاح فرصًا جديدة للعمل في المجال الإعلامي، سواء من خلال اللقاءات العفوية، أو نقاشات الطاولات المستديرة، وذلك وفق عدد المتابعين (followers) والمشتركين (Subscribers). وفي المقابل، ينتقد بعض محطات التلفزة التي تقدّم برامج حوارية بحضور جمهورٍ وأسئلة مُعدّة سلفًا، وتُطلق عليها تسمية «بودكاست».
ويضيف كرم أنّه أطلق البودكاست الخاص به في العام 2019 بصيغة سمعيّة في البداية، إذ أعدّ سلسلة من اللقاءات التي بُثّت عبر قناته الخاصة على YouTube، غير أنّه سرعان ما لمس صعوبة الترويج لهذا النمط من المحتوى في العالم العربي، نظرًا إلى ميل الجمهور لمتابعة المحتوى الذي يجمع بين الصورة والصوت في آنٍ واحد.
محتوى راقٍ
وعن أهمية عرض البودكاست الخاص به عبر شاشة المؤسـسة اللبنانية للإرسال (LBCI) وقريبًا عبر منصة Shahid، يوضح كرم أنّ التلفزيون يسهم في الترويج للمحتوى على نطاقٍ واسع، ويتيح الوصول إلى شريحةٍ كبيرة من جيلٍ لم يتمكن بعد، أو لا يرغب، في الدخول إلى المنصات الإلكترونية والتعايش مع التقنيات الحديثة. ويشير إلى أنّ هذه الفئة ما زالت تفضّل متابعة البرامج عبر الشاشة التقليدية، بخلاف شريحة الشباب التي تميل أكثر إلى المنصّات الرقمية مثل YouTube وInstagram و.Shahid
ويؤكد كرم أنّ هدفه من إنتاج البودكاست هو استضافة شخصيات قد لا تكون معروفة على نطاقٍ واسع، لكنها تمتلك تجارب غنية وأفكارًا قيّمة تستحق أن تُعرض على الجمهور. ويضيف أنّ هذه المقاربة أسهمت في استقطاب ملايين المتابعين، من دون الاعتماد على أساليب ترويج تقليدية.
ويلفت إلى النمو المتسارع للبودكاست في الخليج العربي، وتحديدًا في المملكة العربية السعودية والإمارات، حيث يبلغ تمويل الحلقة الواحدة والتي تتخطى مدتها الأربع ساعات 200 ألف دولار. ويشير إلى إقبال عدد متزايد من الرعاة (Sponsors) على دعم هذه البرامج تبعًا لطبيعة الشخصيات المستضافة.
ويحذّر كرم من مرحلة الخطر (Risk Zone) التي يمرّ بها الإعلام التقليدي اليوم، ولا سيّما التلفزيون، نتيجة الانخفاض الحاد في نسبة الإعلانات، وهو واقعٌ يطال أيضًا الإذاعات والصحف. ويدعو زملاءه الإعلاميين إلى اليقظة لمواكبة التحوّل المتسارع في المشهد الإعلامي، والدخول في المعترك الجديد، بجرأة الإبداع المتميّز بكل ثقةٍ واحترام، معتبرًا أنّ الصحافة ليست مجرّد مهنة فحسب، بل أسلوب حياة يكرّس فيه الإعلامي خبرته ومعرفته بما يضيف قيمة إلى المجتمع.
المتاهة وتقنيات الإعلام الجديد
توضح الدكتورة مي العبدالله (أستاذة في كلية الإعلام – الجامعة اللبنانية وجامعة القديس يوسف في بيروت) تأثير التطور التكنولوجي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التقنيات الإعلامية وفي مجالات الحياة كافةً، مشيرةً إلى تسارع هذا التحوّل مع انتشار الإنترنت وظهور تطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي.
وتشدّد العبدالله على أنّ الثورة التكنولوجية أسهمت في إحداث تحوّل عميق في السلوك الاجتماعي وفي تفاصيل الحياة اليومية، كما امتدّ تأثيرها إلى المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية. وتلفت إلى أنّ المعلومة تحوّلت إلى سلعة تُباع وتُشترى، وبات الرأسمال البشري يُقاس إلى حدّ كبير بالرأسمال المعلوماتي، ما أدّى إلى ارتفاع قيمة المعلومة وارتباطها الوثيق باقتصادات الدول، في إطار ما يُعرف باقتصاد المعرفة.
وتضيف أنّ الشركات والتكتلات الرأسمالية الكبرى ظهرت بقوةٍ في هذا السياق، محوّلة الإنتاج الثقافي إلى تجارة دولية، وارتبطت قطاعات المعرفة والثقافة ارتباطًا وثيقًا بالسياسات المالية والاقتصادية للجماعات والدول، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول الإنسان ودوره في الإبداع، وهويته الثقافية في المجتمعات الرقمية.
وتقول العبدالله إنّه مع ظهور شبكة الويب والتقنيات الحديثة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بات العالم أمام متاهة رقمية تصفها بـ «متاهة التواصل» في الفضاء العام، حيث يتزايد عدد الفاعلين وتتنامى المهن المرتبطة بالإعلام الجديد، ويتّسع نطاق التفاعل، ما يمنح التواصل الإنساني أبعادًا جديدة تتجاوز المستويين الفردي والجماعي لتبلغ نطاقًا عالميًا. وفي هذه المتاهة الرقمية تتعدّد الخيارات أمام الأفراد، حتى أولئك الذين لا يرغبون في الانخراط فيها أو يرفضونها، وهو ما تفسّره بما يُعرف بالحتمية التكنولوجية.
التنمية في البحث العلمي
بدوره، يوضح المدير السابق لكلية الإعلام في الجامعة اللبنانية الدكتور عماد بشير، أنّ البودكاست يقوم أساسًا على حوارٍ بين شخصين في أجواءٍ خالية من المؤثرات التقنية، ولا يرتبط بالضرورة بالكاميرات أو حضور الجمهور، إذ يُبث محتواه عبر منصات إلكترونية. ويؤكد أنّ الإسهام في تحقيق التنمية المستدامة لا يقتصر على ما يُعرف بالإعلام البديل، بل يتجلى أيضًا في الأبحاث العلمية المحكّمة والدوريات العلمية، التي تصنّف لناحية ارتباطها بالتنمية وأثرها، مشيرًا إلى أدوات التصنيف الأكاديمي (metrik tools)، ومنها قاعدة البيانات .Scopus
اقتصاد الانتباه
من جهته، يقدم الدكتور غسان مراد (أستاذ في كلية الإعلام) قراءة نقدية لتقنيات الإعلام الجديد، ومنها البودكاست، موضحًا الفرق بين صناعة المحتوى والمؤثّرين Influencers. فصناعة المحتوى، برأيه، تكمن في معالجة قضية معيّنة وتطويرها ضمن أهدافٍ تنموية أو معرفية، مثل تناول موضوعات تتعلّق بالطب أو الصيدلة أو غيرها من المجالات المتخصّصة. وقد يتحوّل بعض صانعي هذا المحتوى إلى مؤثّرين نتيجة الجودة التي يقدّمونها وقدرتهم على جذب الجمهور، في ظل سعيهم إلى توسيع قاعدة المتابعين (Followers).
في المقابل، يرى مراد أنّ المؤثّرين يسعون أساسًا إلى التأثير في الرأي العام بدوافع شخصية، إذ يهدف غالبيتهم إلى تغذية روح الأنا والاستفادة المادية وزيادة عدد متابعيهم، أكثر من اهتمامهم بتقديم محتوى مفيد للمجتمع. ويشير في هذا السياق إلى ما يصفه بـ«صناعة اللامعنى» على الإنترنت، حيث يُنتَج محتوى تافه يتلاشى بسرعة من أذهان الجمهور ولا يترك أثرًا حقيقيًا لدى المتلقين.
ويضيف أنّ البودكاست يتنوّع من حيث الشكل والمضمون، وتختلف أهميته تبعًا لطبيعة الموضوع المطروح، كما تتفاوت مدّة حلقاته. ويلفت إلى أنّ عددًا من القنوات التلفزيونية بات ينتج برامج بودكاست، مثل الجزيرة والعربية والـ mbc ، إلى جانب المنصات الإلكترونية المختلفة.
وفي ما يتعلّق بدور التقنيات الإعلامية الجديدة في التنمية، يشير الدكتور مراد إلى ظهور ما يُعرف بـ «اقتصاد الانتباه» (Attention Economy)، حيث لم يعد الهدف بيع الإعلانات للجمهور، بل بيع انتباه الجمهور نفسه للمعلنين.
تطور تكنولوجي وتغيير في المشهد
يوضح الخبير التكنولوجي عامر الطبش أنّ التقنيات الإعلامية تتطوّر بشكلٍ متسارعٍ وتنمو بطريقةٍ مُذهلة تغيّر المشهد الإعلامي، وتحفّز الكثيرين حول العالم. ويلفت إلى أنّ هذه التقنيات لا تقتصر على كونها منتجات إعلامية تقليدية، بل باتت تشكّل جزءًا من منظومة رقمية واسعة ذات تأثير اقتصادي واستثماري متنامٍ.
ويشير في هذا الإطار إلى الدور الذي تلعبه منصّة TikTok في هذا التحوّل، إذ شهدت انتشارًا واسعًا على مستوى العالم وأسهمت في تغيير قواعد الاستثمار في المحتوى الرقمي. ويوضح أنّ المنصّة حدّدت سقف السحب اليومي للأرباح بمئة دولار أميركي، أي ما يقارب ثلاثة آلاف دولار شهريًا، بعدما كانت المبالغ المسحوبة سابقًا تصل إلى آلاف الدولارات يوميًا ومن دون ضوابط واضحة ولا رقابة.
ويعتبر الطبش أنّ معظم الإنتاج المنشور عبر المنصّة، العالمي منه واللبناني بشكلٍ خاص، هو غير ذي قيمة، باستثناء القليل منه، مشيرًا إلى إسهام التكنولوجيا بظهور تقنيات إعلامية جديدة، من أبرزها البودكاست الذي يشهد انتشارًا متزايدًا في السنوات الأخيرة.
ويلفت إلى أنّ البودكاست بدأ في الأصل كمحتوى صوتي يُبث عبر الإنترنت، قبل أن يتطوّر لاحقًا ليشمل البث بالصوت والصورة (Streaming)، مستفيدًا من التقنيات الذكية وانخفاض كلفة الإنتاج التي لا تتعدى الألف دولار شهريًا. ويشير إلى أنّ التصوير يتم بكاميرات ذات جودة ومضمون قيّم في معظمه.
وفي الختام، بين سرعة انتشار المحتوى الجيد من جهة، والمحتوى الفارغ أو المضلّل من جهة أخرى، وبين فرص التحرّر من سياسات المؤسسات الإعلامية التقليدية، تتسارع تقنيات الإعلام الجديد وتتنامى عائداتها عالميًا، في ظل فضاء رقمي مفتوح أعاد تشكيل أنماط التواصل والتفاعل بين الأفراد والمجتمعات.






