ندين البلعة خيرالله
في ظل التحولات السريعة التي يشهدها العالم اليوم، تعاني الأنظمة التعليمية صعوبات وتحديات في مواكبة التطورات التكنولوجية والاجتماعية، كما تحظى من جهة أخرى بفرصٍ غير مسبوقة للابتكار والتطوير. ومع استمرار التطورات في هذا القطاع، من المهم جدًا أن تتّسم أنظمة التعليم العالمية بالمرونة والقدرة على التكيّف مع هذه التحولات، والاستفادة من الابتكارات لتحقيق التعليم الشامل والمستدام لجميع الطلاب في كل أنحاء العالم.
وفق تقرير «مؤشر التعليم العالمي 2024» The Ipsos Education Monitor الصادر عن شركة إبسوس العالمية الرائدة في مجال أبحاث السوق، هناك فجوة واضحة بين تصورات الناس حول جودة التعليم والواقع الفعلي. التقرير الذي يستند إلى استطلاع رأي شمل أكثر من 23 ألف شخص من 30 دولة، يُظهر أنّ الأنظمة التعليمية العالمية بحاجةٍ إلى إعادة تقييم عاجلة لتلبية احتياجات الطلاب في عصرنا الرقمي.
لمحة عامة عن التقرير
شمل الاستطلاع أكثر من 23 ألف شخص راشد ما دون 75 عامًا من 30 دولة، وأُجري بين 21 حزيران و5 تموز 2024. وتتوزّع هذه الدول على مجموعة متنوعة من المناطق، مثل الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، وألمانيا، واليابان، والهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، وغيرها. وقد تضمنت منهجية الدراسة إجراء مقابلات عبر الإنترنت مع عينة من السكان في كل بلد، ما يعني أنّ النتائج تعكس مجموعة واسعة من وجهات النظر حول جودة الأنظمة التعليمية والتحديات التي تواجهها في مختلف أنحاء العالم.
وتستكشف الدراسة جوانب مختلفة من التعليم، بما في ذلك التصورات العامة لجودة التعليم، وتأثير التكنولوجيا، ودور المعلمين، والتحديات الكبيرة التي تواجه أنظمة التعليم اليوم. وتوفّر البيانات التي تم جمعها أفكارًا قيّمة يمكن أن تساعد صنّاع السياسات والمعلمين والجمهور على فهم مستوى التعليم الحالي والمجالات التي تحتاج إلى تحسينات.
التصورات العامة مقابل الواقع في قطاع التعليم
إحدى النتائج الرئيسية التي توصلت إليها دراسة إبسوس هي الفجوة الكبيرة بين التصورات العامة والواقع في ما يتعلق بجودة التعليم. وتكشف الدراسة أن 33% فقط من المشاركين في البلدان الثلاثين التي شملها الاستطلاع يعتقدون أن جودة التعليم في بلدهم جيدة بشكل عام. ولكن على أرض الواقع، لا يتماشى هذا التصوّر في كثير من الأحيان مع مقاييس الأداء الفعلية، مثل نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة (PISA – Programme for International Student Assessment)، التي تقيس تحصيل الطلاب في الرياضيات والقراءة والعلوم.
يشير هذا التناقض إلى أنّ عوامل أخرى غير الأداء الأكاديمي، مثل رفاهية الطلاب، والانضباط، والتنمية الشاملة للطلاب، تشكّل عاملًا أساسيًا في صياغة الرأي العام حول التعليم. كما أنّه يسلط الضوء على حاجة أنظمة التعليم إلى معالجة هذه القضايا الشاملة لتعزيز ثقة الجمهور بجودة التعليم.
دور التكنولوجيا في التعليم الحديث
مع تطور التكنولوجيا واستخدامها بشكلٍ متزايد في الحياة اليومية، يزداد تأثيرها في قطاع التعليم. وفي حين يدرك عديد من المشاركين في الاستطلاع الفوائد المحتملة للتكنولوجيا، مثل تعزيز الوصول إلى الموارد وتجارب التعلّم المخصّص، نجد في المقابل من يشعرون بالقلق بشأن تأثيرها السلبي المحتمل.
ومن القضايا المثيرة للجدل بشكلٍ خاص استخدام الذكاء الاصطناعي (AI) في التعليم. فقد أظهرت الدراسة أنّ 36% من المستجوبين يعتقدون أنّه يجب حظر أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT في المدارس، وهي نسبة أعلى من العام السابق. وتعكس هذه النسبة مخاوف أكبر بشأن خصوصية البيانات، والنزاهة الأكاديمية، وخطر تفاقم أوجه عدم المساواة القائمة في نظام التعليم.
مقابل هذه المخاوف، يسلّط التقرير الضوء أيضًا على الإمكانات الإيجابية للتكنولوجيا في قطاع التعليم. على سبيل المثال، يمكن للتكنولوجيا أن تسدّ الفجوات الجغرافية، مما يتيح للطلاب من مختلف المناطق الوصول إلى المحتوى التعليمي العالي الجودة المتوافر في أماكن أخرى. ومع ذلك، يتطلب التطبيق الناجح للتكنولوجيا في التعليم معالجة هذه المخاوف، بالإضافة إلى توفير فرص متكافئة لجميع الطلاب للوصول إلى التعليم.
التحديات الرئيسية التي تواجه أنظمة التعليم
يحدد تقرير إبسوس الخاص بالتعليم للعام 2024 عديدًا من التحديات الأساسية التي يجب أن تواجهها أنظمة التعليم في كل أنحاء العالم من أجل تحقيق الازدهار في العصر الرقمي. وتشمل هذه التحديات، التي تختلف من بلد إلى آخر، المناهج الدراسية التقليدية، وضعف التدريب المخصص للمعلمين، واكتظاظ قاعات التدريس والنقص في التمويل العام.
المناهج الدراسية التقليدية القديمة: كشفت الدراسة أنّ 29% من المشاركين في الاستطلاع يعتقدون أنّ المناهج الدراسية التقليدية هي أهم التحديات التي يواجهها النظام التعليمي في بلادهم. ومع التطور المستمر الذي يشهده العالم، وخصوصًا التطورات التكنولوجية المتسارعة، تبرز الحاجة الملحّة إلى أن يواكب المحتوى التعليمي هذه التغيرات. وبالتالي، فإنّ تحديث المناهج الدراسية لتواكب المهارات والمعارف المطلوبة في القرن الحادي والعشرين أمر بالغ الأهمية لإعداد الطلاب للمستقبل.
التدريب غير الكافي للمعلمين: من المشكلات الرئيسية الأخرى التي يلقي التقرير الضوء عليها هي الحاجة إلى تطوير برامج تدريب المعلمين. فمع الأهمية الكبيرة التي تكتسبها التكنولوجيا في التعليم الحديث، يجب تزويد المعلمين المهارات اللازمة لاستخدام الأدوات الرقمية بشكلٍ فاعل في ممارساتهم التعليمية. ووجدت الدراسة أنّ 27% من المشاركين في الاستطلاع ينظرون إلى هذه المسألة المتعلقة بتدريب المعلّمين على أنّها من أهم التحديات، وبالتالي فإنّ معالجة هذه المشكلة أمر ضروري للاستفادة القصوى من التكنولوجيا في قطاع التعليم، وضمان حصول كل الطلاب على أعلى مستويات الجودة في التعليم.
اكتظاظ قاعات التدريس: تشكل قاعات التدريس المكتظة عائقًا كبيرًا آخر أمام توفير مستوى جيد من التعليم. فوفق التقرير، أشار 26% من المشاركين في الاستطلاع إلى أنّ هذا الأمر يمثل تحديًا كبيرًا في بلدانهم. إنّ القاعات الكبيرة قد تجعل من الصعب على المعلمين توفير الاهتمام والدعم الفردي لكل تلميذ على حدة، وخصوصًا في بيئة تعليمية ترتكز على التكنولوجيا وتزداد فيها أهمية التعلّم المخصص.
التمويل العام والبنية التحتية: يشير التقرير أيضًا إلى النقص في التمويل العام وضعف البنية التحتية كتحديات أساسية تواجهها أنظمة التعليم. وتصبح هذه المسائل أخطر خصوصًا في البلدان ذات الدخل المنخفض، حيث غالبًا ما يفتقر الأفراد إلى الموارد التعليمية مثل الكتب المدرسية، والتكنولوجيا والمختبرات. وبالتالي فإنّ ضمان حصول كل المدارس على الموارد اللازمة لدعم المناهج التعليمية الحديثة أمر ضروري لسد الفجوة بين المناهج التعليمية المختلفة ولتوفير بيئة تعليمية مناسبة لجميع الطلاب.
النتائج الرئيسية
يستكشف التقرير في إصداره الثاني المواقف العالمية تجاه قطاع التعليم والمدارس، ويركّز بشكلٍ خاص على دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية في هذا المجال. ويمكن اختصار أهم النتائج الرئيسية التي يوردها بالآتي:
تأييد حظر وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال ما دون سن 14 عامًا: 65% من الأشخاص – والأكثرية في 29 من أصل 30 دولة – يؤيدون حظر استخدام الأطفال ما دون سن 14 عامًا لوسائل التواصل الاجتماعي داخل المدرسة وخارجها. ألمانيا هي الدولة الوحيدة في الاستطلاع حيث لا تعتقد الأكثرية أنّه يجب حظر وسائل التواصل الاجتماعي لهذه الفئة العمرية.
التصورات لا تتوافق مع الواقع: يعتقد ثلث الناس (33% في المتوسط) في 30 دولة أنّ بلدهم يتمتع بنظام تعليمي جيد، ولكن الصلة بين تصوراتهم لجودة التعليم وواقع التحصيل العلمي محدودة، كما تظهر نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة (PISA). إنّ عدم وجود علاقة بين درجات التحصيل في PISA والتصورات العامة للتعليم في كل بلد قد يعكس أيضًا حقيقة تظهرها أبحاث إبسوس، وهي أنّ الآباء لا يقيّمون المدارس على أساس الأداء في الامتحانات فحسب، بل أيضًا يولون الأهمية نفسها لمسائل مثل الانضباط والرفاهية العامة والتنمية، وخصوصًا بالنسبة إلى الأطفال الأصغر سنًّا.
زيادة الشكوك حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس: ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يؤيدون حظر استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT، في المدارس من 29% في العام الماضي إلى 36% في عام 2024. وينقسم الناس الآن حول هذه المسألة إذ يعارض 37% من الأشخاص مسألة الحظر (نسبة انخفضت عن 42% في العام 2023).
اختلاف التحديات التي يواجهها نظام التعليم بشكلٍ كبير بحسب الدولة: في بريطانيا، يُعتبر نقص التمويل العام تحدّيًا أساسيًا (40%). في الولايات المتحدة، تتركز المخاوف حول التحيّز السياسي أو الأيديولوجي (33%) والسلامة والأمن (31%). أما في رومانيا، فإنّ المناهج الدراسية التقليدية القديمة (51%) والنقص في تدريب المعلمين (45%) هما أكثر التحديات التي تم ذكرها.
مستقبل التعليم في العصر الرقمي
فيما نسير نحو المستقبل، ونتطلع لأجيال أكثر ازدهارًا ونجاحًا وسعادة، يقدّم تقرير إبسوس عن قطاع التعليم 2024 رؤى ومعلومات قيّمة حول مستقبل أنظمة التعليم في العالم. ويؤكّد التقرير الحاجة إلى التكيّف المتواصل والتعديلات والتحديثات المستمرة لمواكبة تحديات العصر الرقمي. ويشمل ذلك تحديث المناهج الدراسية، والاستثمار في تدريب المعلمين، وضمان حصول جميع الطلاب على الموارد التي يحتاجونها للنجاح.
كذلك، تؤكد الدراسة أهمية معالجة الفجوة الرقمية التي ما زالت تشكل عائقًا كبيرًا أمام الوصول العادل إلى التعليم. فمن خلال الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وضمان وصول جميع الطلاب إلى وسائل التكنولوجيا، بغض النظر عن ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، يمكن للأنظمة التعليمية الاستفادة من الإمكانات الكاملة للأدوات الرقمية بهدف تعزيز جودة التعليم.
في الختام، تتبلور أمامنا صورة عن الواقع المعقّد لقطاع التعليم الحالي في العالم. وفي حين يواجه هذا القطاع تحديات كبيرة يجب معالجتها، فإنّ الإماكانات الكبيرة التي توفّرها التكنولوجيا قادرة على إحداث نقلة نوعية في القطاع، وتوفير بيئات تعليمية أكثر شمولية وفاعلية.
ومن خلال مواجهة هذه التحديات بشكلٍ واضح ومباشر، تستطيع الأنظمة التعليمية مواكبة التطورات التكنولوجية وإعداد الطلاب لما يحمله المستقبل لهم.





