بين تسلّم العماد جوزاف عون قيادة الجيش في ٨ آذار 2017 ويوم انتخابه رئيسًا للجمهورية في 9 كانون الثاني 2025 بضع سنوات، لكنها إذا ما قيست بالأزمات التي شهدها لبنان بدت وكأنّها دهر!

من الانهيار الاقتصادي والمالي وما أسفر عنه من تداعيات جعلت البلد في وضع خطير لم يشهد مثيلًا له منذ الاستقلال، إلى جائحة كورونا التي جندت الدول مئات ملايين الدولارات لمواجهتها بينما واجهها لبنان بخزينةٍ فارغة وإمكانات معدومة، ولولا الجهود الجبارة التي بذلها القطاع الطبي لكانت خسائرنا بسببها أكبر بكثير. أتى بعد ذلك انفجار المرفأ الذي شعر اللبنانيون بأنّه ضربة قاتلة وقد أدى إلى ما أدى إليه من خسائر بشرية ومادية، فضلًا عن تعطّل المرفأ الذي يُعتبر رئة بيروت. تلك الضربة كانت صدمة مروّعة وسببًا مباشرًا للهجرة في أوساط نخب طبية وجامعية وتربوية وإدارية وغيرها من الكفاءات، والأقسى من ذلك كله أنّ الصدمة أفقدت نسبة كبيرة من اللبنانيين الثقة ببلدهم وبمستقبله.

جرى كل ذلك بينما المنطقة من حولنا تغلي بالصراعات، اشتدت وطأة أزمة النزوح السوري إلى لبنان، تفاقمت الأزمة الاقتصادية والمالية وبات اللبنانيون يمضون أوقاتهم في طوابير أمام المصارف علّهم يحظون بحفنة دولارات على سعر منصة صيرفة… وحده الله يعلم كم تجرّعوا من كؤوس الذل أمام المصارف، ومحطات المحروقات، وحتى الصيدليات والسوبرماركت بحثًا عن أدوية وسلع مدعومة كانت تتبخر من الأسواق بقدرة القادرين الفاسدين. نعم جرى ذلك كله معطوفًا على أزمة سياسية. استقالت الحكومة وراحت الأيام والأشهر تمرّ من دون التوصل إلى تشكيل حكومة جديدة. ومن ثم بدأ الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية. تفاقمت الهموم والمشكلات ولم يتوصل أهل السياسة إلى حلول. بدأ الشلل يتسرب إلى مؤسسات الدولة تباعًا، أصبح من الصعب تيسير أمور الناس، حتى الحصول على إخراج قيد أو طابع مالي بات متعذرًا!

وسط كل ذلك بدا الجيش وكأنّه نسيج وحده. بات الوجه الوحيد المشرق للدولة، حتى أنّه في أذهان كثر من المواطنين كان شيئًا آخر غير الدولة. لم يغب لحظة عن ساحة المسؤولية والخدمة، ظل متماسكًا موحدًا فيما التشرذم والانقسام في جميع الساحات. وكان في كل مرة على قدر المسؤولية والثقة التي أوليت له. عمل العسكريون باللحم الحي وحفظوا أمن الجميع وأمن المؤسسات والممتلكات خلال الاحتجاجات الشعبية التي لم يسبق للبنان أن شهد لها مثيلًا. انبروا لمهمات البحث والإنقاذ ورفع الأنقاض في بيروت. وما لبثوا أن أعادوا لمرفأ بيروت القدرة على العمل بسرعة قياسية. يومها يذكر الجميع أنّ قائد الجيش الذي زار المرفأ واطلع على حجم الأضرار أعلن أنّه لن يسمح بإقفاله. استنفر الهمم وأعطى الأوامر ببدء العمل فورًا، فكان ما كان خلال أيام معدودة على أصابع اليد الواحدة. ولأنّ الجيش المؤسسة الوحيدة التي أعلن الجميع ثقتهم بها، كان على العسكريين أن يتولوا مهمات مسح الأضرار وتوزيع المساعدات العينية والمالية على المتضررين. وقتها أيضًا ذهب العسكريون إلى بيوت المواطنين حاملين المساعدات. أسهموا في حماية الأبنية الأثرية والتاريخية من السقوط بل عملوا على ترميم بعضها. باختصار، بواسطة القليل من الإمكانات نفّذوا الكثير من المهمات التي بدا تنفيذها شبه مستحيل. لم يقتصر تدخّلهم للمساعدة على كارثة المرفأ. في كل منطقة وبلدة كانت لهم أيادٍ ممدودة للإنقاذ والعون في مجالات مختلفة. من الفيضانات إلى الحرائق وصولًا إلى تأمين مستلزمات مدرسية وثياب وأغطية ومواد غذائية… فضلًا عن شق طرقات في المناطق النائية، وإنارة شوارع بلدات وقرى عديدة بواسطة الطاقة الشمسية عبر مشاريع ممولة من دول صديقة.

عدة إدارات حكومية استعانت بمخزون الجيش من المحروقات لتستطيع تسيير أمورها، كما استعانت به الدولة لطباعة أوراق إخراج القيد والطوابع، ومهمات أخرى كثيرة، وهذا غيض من فيض…

صحيح أنّ الكثير من المهمات التي نفّذها الجيش في السنوات الأخيرة منصوص عنها في قانون الدفاع الوطني، فالجيوش في أيام السلم تُعتبر احتياطًا يستفاد منه في التنمية والخدمات وفي أوقات الكوارث، نظرًا لقدراته وطبيعة تنظيمه، لكن ما نفّذه جيشنا خلال هذه السنوات ووسط الظروف التي كان يعاني تداعياتها اعتُبر أمرًا خارجًا عن المألوف لم يشهده جيش آخر. وهذا ما دعا مسؤولين أجانب كبار إلى القول إنّ أي جيش آخر لكان انهار في هذه الظروف.

نصل إلى الفترة الأخيرة من ولاية العماد جوزاف عون قائدًا للجيش، الفراغ الرئاسي يتمدد، تداعيات حرب غزة تضع الأوضاع جنوبًا على كف عفريت، والانقسام السياسي في البلد يتعمق أكثر فأكثر. يتحرك الجيش بين النقاط الحادة والساخنة محاولًا احتواء الأوضاع جنوبًا والحد من معاناة المواطنين بكل ما أوتي من قدرات وعزم.

يثبت العسكريون في مراكزهم رغم الاعتداءات الإسرائيلية، فبغضّ النظر عن تواضع إمكاناتهم، يُدرك عسكريونا أهمية ثباتهم في مواقعهم، والمحافظة على جهوزيتهم ويقظتهم، كما يدركون أهمية الدور الذي يؤدونه في المناطق الحدودية إلى جانب أهلهم الذين تُدَكّ المنازل فوق رؤوس أطفالهم ونسائهم ومسنّيهم، وتُحرق أرزاقهم ومواسمهم. ظلوا إلى جانب مواطنيهم بكل ما تحتمله هذه العبارة من معانٍ وتتسع له من أفعال على الأرض. فنتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة كانت الصواريخ والذخائر غير المنفجرة والأجسام المشبوهة تنتشر بين المواطنين، ما اقتضى من الوحدات الهندسية إجراء اللازم بشأنها. العمل الهندسي اليومي على الأرض قابله توثيق دقيق لما يسفر عنه القصف الإسرائيلي من إصابات في الأرواح والممتلكات، وإجراء التحقيقات حول نوعية الأسلحة والذخائر التي يستخدمها العدو ورصد مخالفاته للقوانين الدولية.

التصدي للحرائق الواسعة التي أشعلها العدو في الأحراج والحقول والبساتين اندرج أيضًا ضمن المهمات جنوبًا، وكذلك تأمين الماء، الكهرباء، الطعام، الدواء، والاتصالات… بالإضافة إلى الكثير من المهمات الطارئة التي تندرج في إطار مساعدة الأهالي والحفاظ على أرواحهم وأرزاقهم ومواسمهم ورفع معنوياتهم.

هكذا كنّا نرى العسكريين في مواكبة فرق الصليب الأحمر والدفاع المدني عند انتشال المصابين والضحايا من تحت الركام، كما نراهم في مواكبة عمل البلديات ومقدّمي الخدمات الأساسية، فضلًا عن حماية الممتلكات من أعمال السرقة، ومساعدة المزارعين في تحضير أراضيهم لزراعة مواسم جديدة…

وسط احتدام معركة رئاسة الجمهورية تعرّض قائد الجيش لحملات من الافتراءات. بقي الصمت مخيّمًا في اليرزة. لا ردود لا تصريحات. فقط مزيد من العمل وما قل من كلام ضروري للعسكريين يساعد في توضيح الصورة أمامهم ويحثهم على التمسّك بواجبهم.

مع تفاقم العدوان الإسرائيلي على لبنان وتمدده ليشمل بالإضافة إلى الجنوب، الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع ومناطق أخرى، بات لبنان في جحيم استمر شهرين. ظل الجيش على ثباته، سالت دماء العسكريين مع دماء المواطنين، هجّرت عائلات الآلاف منهم وتوزعت على العديد من مراكز الإيواء. هنا أيضًا كانت خطة احتواء الوضع جاهزة، أجري كل ما يلزم حفاظًا على أمنهم وكرامتهم وتلبية لاحتياجاتهم…

أُعلن وقف إطلاق النار في أواخر تشرين الثاني، وباشر الجيش على الفور عملية تعزيز انتشاره جنوبًا تطبيقًا للقرار 1701…