نور كيروز

الرياضة محرّك فيزيولوجي ونفسي يوقد الحماسة ويحيي الحركة، مولّدًا دورة دموية نشيطة تغذي الأعضاء بالأوكسجين وتحصّن الجسد بالحيوية والتوازن. وقد أكدت عدة دراسات المنافع المتعددة للرياضة وأهميتها في الوقاية من الأمراض أو الإسهام في علاجها. غير أنّ هذا الوجه الإيجابي لا يعكس الصورة كاملة، إذ ينجذب عدد متزايد من الأفراد إلى نشاطات رياضية تقوم على المجازفة وتخطي الحدود الآمنة، بحثًا عن الإثارة وتجارب استثنائية، ولو على حساب سلامتهم. وبين مُـتعة التحدّي ومخاطر الإصابة، يفتح هذا الواقع الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الرياضات، وحجم أخطارها، والدوافع النفسية التي تدعو إلى ممارستها.
يُعد تقرير «Most Dangerous Sports Statistics» الذي نُشر في أحد المواقع الإلكترونية في 30 أيار 2025، مرجعًا مهمًا لبيانات معدلات الإصابات والوفيات في الرياضات الخطرة، إذ يتضمن أرقامًا فعلية وموثوقة، بعيدًا عن الانطباعات العامة، تفتح الباب أمام قراءة معمّقة لأبرز الرياضات التي تحصد النسب الأعلى من الإصابات والوفيات.

التزلّج على الثلج Skiing / Snowboarding
تُسجَّل في هذه الرياضة معدّلات إصابة تُقدَّر بنحو 2.6 إصابة لكل 1000 جولة. وهي رياضة موسمية تعتمد على السرعة والتحكّم، وتُمارَس عادةً ضمن بيئات منظَّمة، غير أنّ ممارسيها قد يتعرّضون للاصطدام أو الانزلاق ما قد يؤدي إلى كسورٍ في الرأس والعمود الفقري.
ويُستدلّ على خطورتها بحادثة تعرّض لها بطل سباقات الفورمولا وان مايكل شوماخر، الذي نجا من سباقات خاضها بسيارات تتجاوز سرعتها الـ 350 كلم/س، لكي يُصاب إصابةً بالغة في 29 كانون الأول 2013، خلال تزلّجه خارج المسارات الرسمية في منتجع ميربيل للتزلج في فرنسا، إذ فقد السيطرة في أثناء نزوله من منحدر، واصطدم بصخرةٍ جليدية، ما أدى إلى إصابته بنزيف داخلي شديد.

ركوب الأمواج العالية Big Wave surfing
يُقدَّر عدد الوفيات في رياضة ركوب الأمواج العالية ما بين 60 و70 وفاة سنويًا، وهي أمواج طبيعية ضخمة، قد يتعرض خلالها الشخص لخطر الغرق، الارتطام بقاع البحر، أو فقدان الوعي. ورغم أنّ خطورة ممارستها تعتبر متوسطة، إلا أنّها ترتفع مع اشتداد الأمواج وتضخّمها، ناهيك عن احتمال التعرض لمهاجمة القرش المفترس كالـ Tiger Shark البالغ طوله أربعة أمتار.

القفز القاعدي Base Jumping
يقوم هذا النشاط الرياضي على القفز من أجسامٍ ثابتة، كالمباني والجسور والمنحدرات، باستخدام مظلّة، مع تسجيل معدّل إصابتين خطيرتين لكل 1000 قفزة. وتكمن الخطورة الأساسية في ارتفاع متوسط القفزة مقابل الوقت القصير المتاح لفتح المظلة. فخلال شباط 2014، وقعت حادثة مأساوية في حديقة Zion National Park في الولايات المتحدة الأميركية، عندما حاولت الخبيرة أمبر ماري (28 عامًا) تنفيذ قفزة عالية من ارتفاع يقارب الـ 610 أمتار، لكنها أخفقت في فتح مظلتها بالشكل الصحيح، ما أدى إلى سقوطها مباشرةً ووفاتها.
وفي السياق نفسه، تندرج رياضتان أخريان ضمن فئة المخاطر العالية، هما: القفز المظلّي من الطائرة Skydiving، بمعدّل وفاة واحدة لكل 500 ألف قفزة، والطيران باستخدام البدلة المجنّحة Wingsuit Flying، بمعدّل وفاة واحدة لكل 60 قفزة.

تسلق الجدران بلا حبال Free Solo Climbing
سواء كان على صخورٍ طبيعية أو ناطحات سحابٍ، يُعَدّ هذا النوع من التسلّق من أخطر الرياضات في العالم، إذ يُمارَس من دون حبال، إسعاف، أو أجهزة الأمان، ما يجعل أي تعثر أو سقوط مميتًا في الغالب. ويُقدَّر معدّل الوفاة بحالةٍ واحدة لكل 275 محاولة تسلّق، لذا تتطلب كلّ خطوة تركيزًا ذهنيًا عاليًا، ما يفرض ضغطًا نفسيًا كبيرًا على الممارس، ناهيك عن عناصر المفاجأة من جراء الأحوال الجوية العاصفة أو الأسطح الزلقة والحواف الزجاجية وغيرها.
يُذكر في هذا الإطار، المتسلّق الفرنسي Alain Robert، المعروف بـ «رجل العنكبوت»، الذي تسلق أكثر من 150 مبنًى شاهقًا خلال 25 سنة، مستخدمًا يديه فقط، وحذاء التسلق، مع حقيبة طباشير صغيرة لتفادي الانزلاق.

الغوص في الكهوف وحطام السفن Cave / Wreck Diving
يسجّل الغوص بأسطوانات تنفّس تحت الماء أو في الأماكن الضيقة Cave/Wreck diving معدل وفاة يبلغ حالة واحدة لكل 3286 غطسة، مع مخاطر مرتفعة تتمثل في الاختناق أو الاحتجاز بين الصخور أو داخل حطام السفن.
وتعتبر هذه الرياضة من بين الأكثر مجازفة بسبب احتمال اصطدام المعدات كالحبال والأنابيب وتعطلها، فضلًا عن مخاطر الارتطام وفقدان الوعي تحت الماء. كما أنّ ضيق الأماكن يقلص مساحة الحركة ما يستدعي جهدًا أكبر ويزيد من سرعة استهلاك الأوكسجين في المعدات.
ويُعد حطام السفينة SS Andrea Doria من أخطر مواقع الغوص في العالم، حيث فقد ما لا يقلّ عن 22 غواصًا حياتهم فيه، بسبب التيارات القوية وضعف الرؤية وتشابك الحبال والأدوات.


تسلّق الجليد والشلالات المتجمّدة Ice Climbing
تعتمد هذه الرياضة على استخدام الفؤوس والأحذية المزوّدة بالمسامير، ويُسجَّل فيها نحو 9.8 إصابات لكل 1000 ساعة نشاط.
يتطلب هذا النوع من التسلق لياقة بدنية عالية مع قدرة على تأمين التوازن والانضباط نظرًا للظروف المحيطة به. وعلى المتسلق أن يفهم بنية الجليد كي يميّز بين الصلب منه والهشّ، إذ إنّ أي خطأ في التثبيت قد يؤدي إلى سقوطٍ خطير.

ركوب الثيران Bull Riding
تُعَدّ هذه الرياضة إحدى فئات الروديو الاحترافية، وتُنظَّم ضمن اتحادات وبطولات رسمية، لكنها تُصنَّف من بين الأكثر خطورة، إذ يُطلب من المتسابق البقاء ممتطيًا ظهر الثور لمدة ثماني ثوانٍ وسط قفزات والتواءات عنيفة قد تسبب سقوطه وتعرّضه للدهس أو النطح.
وفي مثالٍ ناجح، تمكّن البطل العالمي J.B. Mauney من ركوب الثور الأسطوري Bushwacker وهو الأخطر في العالم لمدة ثماني ثوانٍ كاملة. وبحسب الإحصاءات المهنية للروديو، يبلغ معدّل الإصابات نحو 48.2 إصابة لكل 1000 مشاركة.

الطيران الشراعي Paragliding
يُسجَّل في التحليق أو الطيران الشراعي معدّل 1.2 إصابة لكل 1000 ساعة طيران، وتعتمد هذه الرياضة على مظلّات خفيفة، ما يجعلها حسّاسة لتقلّبات الطقس أو الأعطال التقنية ويزيد من خطورتها. كما أنّها تتطلب تدريبًا مستمرًا بإشراف مدرّبين محترفين ومعتمدين، للتأكد من سلامة المعدات وفحصها قبل الطيران واختيار الأماكن الأنسب للإقلاع والهبوط.
وفي حادثة لافتة في لبنان بتاريخ 24 كانون الثاني ٢٠٢٦، تمكّن ثلاثة أشخاص من الهبوط الآمن فوق أحراج حريصا – كسروان بعد أن طرأت ظروف جوية عاصفة وخطرة، وذلك بفضل انضباطهم وتمرّسهم، فيما سُجّلت عدة حوادث خطيرة انتهت بإصابات بليغة أو بوفاة.

قيادة الدراجات على الصخور Rock Biking
هي رياضة رسمية ضمن فئة الدراجات الجبلية وهي عالية المخاطر نظرًا للطبيعة الوعرة والحادة للمسارات، حيث قد يؤدي أي فقدان للتوازن إلى اصطدام مباشر بالجسد أو الرأس. يُسجَّل في قيادة الدراجات على الصخور معدّل 2.46 إصابة لكل 1000 ساعة نشاط.
وفي السياق نفسه لا يمكن أن نغفل سباق الدراجات النارية Motorcycle Racing التي تندرج ضمن فئة المخاطر القصوى، إذ تصل السرعات إلى نحو 350 كلم/س مع غياب هيكل يحمي السائق كما في السيارات، ما يعني أنّ أي انزلاق قد يقذف بالسائق أو يسبب احتكاكًا طويلًا بسرعة عالية.

مجازفات مزيّفة
تجدر الإشارة إلى أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا لافتًا في دوافع ممارسة الرياضات الخطرة، بالتوازي مع تصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، إذ لم تعد المجازفة نابعة من الشغف وحده، بل باتت، في كثير من الحالات، وسيلة لتحقيق انتشار سريع وشهرة افتراضية. فمع انتشار منصات مثل TikTok، Instagram وYoutube، بات بعض الرياضيين يسعون لتكوين صورة ذهنية استثنائية لقدراتهم الرياضية «الخارقة» من خلال الصورة الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو، التي يقومون خلالها بمجازفات تودي بحياتهم أحيانًا!
والأخطر من ذلك، أنّ هذا السلوك لا يرتبط فقط بالسعي إلى الشهرة، بل يتّخذ أبعادًا مادية ربحية، ويهدف إلى تحقيق دخلٍ من الإعلانات والرعايات. فخوارزمية الانستغرام مثلًا، تكافئ المحتوى الصادم عبر توسيع دائرة انتشاره، ما يحفّز الفئات الأكثر تهوّرًا على خوض مغامرات عشوائية في سبيل «المكافأة الرقمية»، ولو على حساب السلامة الشخصية.

طائر النورس
في مقابل هذا السعي المحموم خلف الشهرة والانتشار الرقمي، ثمّة من يقترب من الرياضات الخطرة من زاوية مختلفة تمامًا، لا بوصفها استعراضًا افتراضيًا، بل تجربة وجودية عميقة مرتبطة بالحرية واختبار الذات. فبالنسبة لهؤلاء، تتحوّل المجازفة إلى مساحة للتأمل والانفصال عن ضجيج العالم، لا إلى وسيلة لجذب الإعجابات والمشاهدات.
في هذا السياق، يؤكد أحد أبرز ممارسي الخطر «المحترف» في الطيران الشراعي في لبنان أنّ الرياضات الخطرة ترتبط، في وجدان ممارسيها، بفكرة الحرية والتحرّر من القيود اليومية. فهي تضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع الطبيعة وحدوده الذاتية، وتمنحه شعورًا عميقًا بالانطلاق والاستقلالية. وهو يعتبر أنّ قرار الممارسة ينبع من وعي واندفاع لخوض تجربة غير مألوفة، لا من تهورٍ عابر. فالحرية، من وجهة نظره، تتجسّد في القدرة على الاختيار وتحمّل النتائج، ما يعزّز الإحساس بالاستقلالية والثقة بالنفس.
وبفضل خبرته المتقدمّة والمتمرّسة، يشير الرياضي إلى أنّ الحرية في الطيران الشراعي مثلًا، ترتبط بالإقلاع، ومدة الطيران والهبوط. كما أنّ قرارات المجازفة تدفع الفرد إلى مواجهة مخاوفه، فمع كل تجربة ناجحة يتعزز شعوره بالقوة الداخلية. هذا الانتصار على الخوف يخلق إحساسًا بالتحرّر النفسي، وكأنّ الشخص يكسر قيودًا كانت تعيقه.
ويرتبط مفهوم الحرية أيضًا بعنصر الطبيعة، سواء في أعالي الجبال أو أعماق البحار، حيث يشعر الممارس بانسجام عميق مع البيئة المحيطة. هذا الاندماج يولّد شعورًا بالانطلاق والاتساع، وهو أحد أعمق معاني الحرية. فالرؤية من الأعلى تمنح إحساسًا بالسيطرة والامتداد مع اتساع الأفق البصري، بما يشبه التحليق المجازي على جناح نسرٍ طائرٍ فوق المرتفعات الجبلية أو طير نورسٍ فوق الأفق المفتوح.

شخصية المغامر
هذا الشعور بالتحرّر قد يتبدّد في ظروف معيّنة، ولا سيّما عند اشتداد الطقس سوءًا أو مواجهة عوامل طبيعية مفاجئة. ففي هذه الحالات، قد يضيق مجال الرؤية ليصبح «نفقيًا» أو «أنبوبيًا»، وفق تعبير الخبير، ما يضاعف التوتر والخوف، خصوصًا لدى غير المتمرّسين. أما بالنسبة إلى المحترف والمتدرب، فالخوف يتحول إلى انضباط وثقة عالية بالنفس تقوده لاتخاذ القرار الأنسب والأكثر أمانًا، مع اعتماد طريقة علمية وفعالة في التنفّس يكون قد تمرّس عليها مسبقًا.

إنذار واستجابة
يبقى الأدرينالين المحرّك الأساسي للرياضات المجازفة، إذ يزوّد الإنسان إحساسًا فوريًا بالقوة والسيطرة في مواجهة الخطر. فهذا الهرمون والناقل العصبي يسرّع ضربات القلب، ويوسّع الشُعَب الهوائية، ويمنح العضلات طاقة إضافية، كما يعزّز التركيز والانتباه تجاه أي خطر محتمل.
وفي لحظات المواجهة القصوى، يتحوّل الجسد إلى منظومة إنذار واستجابة، تتفاعل مع كل حركة وكل تفصيل في البيئة المحيطة. هنا، يرقص الإنسان على حافة الهاوية، بين السيطرة والانفلات، وبين الجرأة والحذر.

لحظة القرار
هيا! امشِ، أسرع… أركض! ركّز على التنفس… لا تخف! استمر بالجري حتى ترتفع قدماك عن الأرض! أرخِ كتفيك… أحسنت… إلى الحرية دُر!
وهكذا، في لحظةٍ واحدة، تختصر الرياضات الخطرة صراع الإنسان مع ذاته: بين الخوف والطموح، بين الرغبة في التحليق والحاجة إلى النجاة، وبين وهم البطولة وحقيقة المسؤولية.