ريما سليم
يُعَدُّ العمل التطوعي من أهم النشاطات الإنسانية التي تعزز التماسك في المجتمع وتنمّي روح العطاء والانتماء، وهو من أبرز الوسائل التي تسهم في تحقيق تغيير إيجابي وبناء مستقبل أفضل وأكثر استدامة. في لبنان، لطالما كان طريق التطوّع مشرّعًا أمام الشابات والشبان الراغبين بالخدمة المجانية التي تسهم في تنمية مجتمعهم وتغييره نحو الأفضل. وخلال السنوات الأخيرة برزت بشكلٍ خاص الحاجة إلى العمل التطوّعي لسدّ حاجات ملحّة فرضتها الظروف القاسية.
من هذا المنطلق نشأت المنصة الوطنية «نحن متطوّعون/ات» بدعم من منظمة اليونيسف، وبالشراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية، وتنفيذ منظمتَي ANERA – American Near East Refugee Aid وLive Love Lebanon بهدف تشجيع العمل التطوعي والمشاركة الشبابية لإحداث التغيير الإيجابي في مجتمعاتهم من خلال منصة إلكترونية تضم فرصًا تطوعية من مختلف مؤسسات المجتمع المدني والشركات الخاصة والقطاع العام.
يشارك ملايين الأشخاص في العالم في العمل التطوعي الذي يشمل المساعدات الإنسانية والتعليم والصحة والبيئة، ودعم الفئات الأكثر حاجة مثل الأطفال والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة. في لبنان برزت جدية العمل التطوعي خلال الأزمات والكوارث التي ألمّت بوطننا، وبشكلٍ خاص بعد انفجار مرفأ بيروت، إذ أدت الجمعيات الإنسانية والمؤسسات غير الحكومية إضافةً إلى المتطوعين الفرديين دورًا حيويًا في توفير الدعم والمساعدة للعائلات المتضررة. في هذا الإطار، توضح مديرة برنامج منظمة ANERA في لبنان السيدة ريم عزيز أهمية العمل التطوعي، ليس كاستجابة للأزمات فحسب، بل كحاجة اجتماعية وإنسانية ووطنية أيضًا، مشيرةً إلى فوائده على صعيدَي الأفراد والمجتمع. فبالنسبة إلى الفرد، يوفّر التطوع فرصًا لا حصر لها لتحسين الكفاءات وتعلّم مهارات جديدة، كما يبني جسورًا من التعاون بين أشخاص من خلفيات متنوعة وشرائح اجتماعية مختلفة، ما يعزز الشبكات الاجتماعية والمهنية والتواصل القائم على الاهتمامات المشتركة. كذلك، يسهم العمل التطوعي في خلق فرص للشباب، إذ تساعدهم الأعمال الإنسانية والاجتماعية في تحديد ميولهم المهنية وتوجّهاتهم المستقبلية، كما تضيف إلى سيرتهم الذاتية عامل الخبرة الذي يثير اهتمام أرباب العمل.
على صعيد المجتمع، تؤكد عزيز أنّ أعظم مردود للتطوع هو «مجتمع أقوى». وتقول في هذا الإطار: «تخيل الفارق الذي يمكن أن يحدثه جمعٌ من الأشخاص الذين يتّحدون بجهودهم متطوعين بوقتهم ومهاراتهم للعمل على حل إحدى المشكلات التي يعانيها المجتمع»، مشيرة إلى أنّ أبسط النتائج الناجمة عن روح الخدمة هذه، سيكون لها تأثيرات إيجابية بعيدة المدى. وتضيف أنّ العمل التطوعي يسهم بشكلٍ فعّال في تطوير المجتمع وتحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال تعزيز التعليم، وتحسين الخدمات الصحية، وحماية البيئة.
مجالات التطوع
تؤكد عزيز أنّ مجالات التطوع متعددة ومتنوعة، مشيرةً إلى أنّ روح الخدمة والتطوع ليست غريبة عن مجتمعنا وشبابنا. فالصليب الأحمر اللبناني مثلًا، تقوم غالبية مهماته على أكتاف المتطوعين المخلصين. بالإضافة إلى ذلك، هناك عديدٌ من المنظمات غير الحكومية (NGOs) والمراكز الاجتماعية العاملة في لبنان التي تتيح للأفراد من مختلف الأعمار فرصًا لا حصر لها للتطوع في مختلف القطاعات، بدءًا من القطاع الصحي وتقديم الخدمات الطبية المجانية والدعم النفسي، خصوصًا في المناطق النائية، إلى القطاع البيئي والمساهمة في المشاريع الخاصة بحماية البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية، إلى التعليم من خلال الدورات التعليمية ومحو الأمية، إلى المساعدات الإنسانية التي تشمل توزيع الطعام والماء والملابس للمحتاجين أو المتضررين في أثناء الحروب والكوارث الطبيعية، إلى دعم المسنين والمنسيين، وغيرها من الخدمات الإنسانية. وتوضح في هذا المجال أهمية الانتساب إلى مراكز التطوع الموثوق بها وبمصداقيتها، محفزةً الشباب اللبناني على التسجيل على منصة Nahno-Volunteers التي تهدف إلى ربط الشباب بفرص تطوعية آمنة وفعالة في جميع أنحاء لبنان وتساعدهم في العثور على فرص تطوعية مع منظمات غير حكومية ذات سمعة جيدة. وتضيف أنّ جميع الفرص المتوافرة على المنصة ترتبط بقطاعات معينة مثل الصحة والتعليم وغيرهما، وبهدفٍ من أهداف التنمية المستدامة، إذ يمكن للشباب أن يلمس لمس اليد كيفية المساهمة في تحقيق نجاحات متقدمة على المستوى الإنساني والاجتماعي.
واجبات المتطوع وحقوقه
يفرض العمل التطوعي التزامًا ومتابعة من قبل المتطوع ما يمنحه حقوقًا داخل المؤسسات التي يخدم المجتمع من خلالها. وهنا توضح عزيز أنّه على المؤسسات الاعتراف بالمتطوع كموردٍ بشري حيوي وأن تلتزم دعم مشاركته، بما في ذلك توفير بيئة تطوعية آمنة وصحية؛ وخلق مساحة لمشاركته في القرارات المهمة، وعرض توقعاته واعتراضاته، إلى معرفة آراء المشرفين حول أدائه والحصول على إثبات يوثق مساهمته بوقته ومهاراته وأفكاره وخبراته. إلى ذلك، يفترض بالمؤسسات تأمين التدريب والتوجيه والإشراف الكافي، والحفاظ على سريّة المتطوع. من جانب آخر، يتحمّل المتطوع، مسؤولية الحفاظ على الاحترافية في العمل، بما في ذلك احترام الثقة الممنوحة له، وحسن التواصل، والدقة في التنفيذ، والتزام الزي المناسب، وما إلى ذلك من تدابير داخلية خاصة.
وعمّا إذا كان هناك معايير محددة للعمل التطوعي، تقول عزيز: «بناءً على طبيعة الدور التطوعي، قد يتم تحديد معايير معينة مثل سنّ المتطوع، إذ تفرض بعض المؤسسات أن لا تقل عن 18 عامًا، في حين تستدعي بعض الأعمال التطوعية المشاركة في جلسات تدريب أو توجيه محددة قبل بدء النشاط؛ كما يمكن أن تتطلب بعض الفرص التطوعية مهارات أو مؤهلات محددة. في جميع الأحوال، يبقى المعيار الأول أنّ العمل التطوعي هو مسألة اختيار، ومن دون تعويض مالي».
في الختام، تؤكد عزيز أنّ العمل التطوعي في لبنان يعكس الروح الوطنية والتزام الأفراد ببناء مجتمع أفضل، موضحة أنّه من خلال الانخراط في مختلف مجالات التطوع، يمكن للشباب تحقيق تأثير إيجابي على الصعيدين الشخصي والعام. وتدعو في هذا الإطار الجميع وخصوصًا فئة الشباب، إلى المشاركة والانخراط في المبادرات التطوعية النبيلة لتحقيق تغيير إيجابي ومستدام في مجتمعنا.
إنّ رحلة التغيير تبدأ بفرد، فمشاركتك في العمل التطوعي، ولو كان في أبسط أشكاله، ربما تكون سببًا في إلهام المقربين إليك مثل عائلتك وأصدقائك لبدء رحلتهم التطوعية الخاصة بهم، وليكونوا هم أيضًا إلهامًا لغيرهم، وبهذه الطريقة، تنتقل فكرة التطوع من فرد إلى آخر لتصبح ثقافة مجتمع وجيل كامل.









