تبدأ الحكاية من الأرض، أرض التعب. أرض الميدان التي تمرّس فيها مغوارًا لا يهاب الصعاب، ليتنقّل بعدها من لواء إلى آخر ممتشقًا مناقبيته وشجاعته وقَسَمًا لا يحيد عن التزامه قيد أنملة، ويرفد مقومات أهّلته للقيادة بالعلم والتدريب شهادة تلو أخرى ودورة تلو أخرى، في لبنان وفي الخارج.
ولأنّ «العسكري ما بيسأل، بيته البارودة» وأيامه الواجب، أخذته الخدمة إلى الميادين القاسية بصعوباتها وحساسيتها، من الجنوب إلى عرسال وقبلهما مطارح كثيرة. خدم ولمع ضابطًا قائدًا يعرف كل ناحية من وطنه، على بزته تراب لبنان كله، وفي وجدانه هموم شعب ووطن وعسكر. عسكر أقسم على الذود عن وطنه ومهر قسمه بدماء غزيرة وعرق نبيل عوّض بهما مرارًا عن نقص في الإمكانات، وبرهن عن فائض في الشجاعة.
تمرّ السنوات، تتراكم خبرات الضابط الشجاع الساهر على حاجات رجاله بما له من سلطة وإمكانات، تتعمق معرفته بهموم وطنه وشعبه، من سهل مرجعيون جنوبًا إلى جرد الجرود في عرسال وما بينهما. يتولّى قيادة لواء المشاة التاسع المتمركز جنوبًا، عينه على حدود خلفها عدو طامع وداخلها أرض لطالما اختمر فيها التعب والوجع. ومن الجنوب إلى الحدود الشرقية حيث تولّى قيادة الجبهة في مواجهة التنظيمات الإرهابية. من هناك يلمع اسمه قائدًا للجيش في العام 2017.
لم يكن الجيش في أحسن حالاته يومها وكذلك الوطن. كانت أذرع الإرهاب تمتد من الحدود الشرقية – الشمالية إلى الداخل، فترتكب الجرائم المروعة بحق المواطنين وتعتدي على الجيش الذي خاض معها مواجهات كثيرة ودفع ثمنًا باهظًا من دماء ضباطه وعسكرييه، بدءًا من نهر البارد وصولًا إلى عرسال مرورًا بطرابلس وسواها. حدد هدفه الأول بالقضاء على الإرهابيين واقتلاعهم من أوكارهم، فكان «فجر الجرود». معركة فيها الكثير من التخطيط والحكمة والشجاعة حققت الهدف بالحد الأدنى من الخسائر في صفوف العسكريين ونأت عن الاستعراض والتبجح. كان الهدف الثاني تطوير المؤسسة عبر خطوات طموحة وإنما واقعية تراعي في آن حاجات الجيش وإمكانات خزينة الدولة، وتُبعد عن المؤسسة التدخل السياسي في شؤونه.
لم تجرِ الرياح بما اشتهته سفينة العماد جوزاف عون. أطلق الصرخة تلو الأخرى محذرًا من خطورة الأوضاع في بلد منهك بدأت ملامح الانهيار تلوح في أفقه المسدود، فيما الرياح العاتية تضرب المنطقة من حوله. لم ييأس، صمم على صون المؤسسة وتحييدها عن السياسة وتدبير أمورها وحاجاتها لتكون درعًا يحمي الوطن في الزمن الصعب. حاول مع أركان قيادته ابتكار الحلول بما يفوق الإمكانات ويتخطاها.
انتهج الحزم والصرامة في تعزيز الشفافية داخل المؤسسة ومكافحة أي فساد يحاول خرق القوانين متوخيًا مصالح شخصية. الخطوة الأولى كانت من امتحانات الكلية الحربية، أشرف بنفسه على تلك الامتحانات ومنح الناجحين فيها فخر الفوز بكفاءاتهم وتعبهم وليس بتدخلات نافذٍ هنا وصاحب سلطة هناك. من الحربية هلم جرًا إلى جميع المرافق والمجالات. حصدت المؤسسة ثقة غالية في الداخل والخارج وبدت واحة أمل وسط صحراء بلد بلغت أصداء الفساد فيه جميع أنحاء المعمورة.
مرّت السنة الأولى من وجوده على رأس المؤسسة وكانت مواسمها كثيرة، سنة قام خلالها بزيارات إلى الخارج أثمرت دعمًا للجيش. أمّا زياراته الميدانية إلى القطع والوحدات المنتشرة فكانت المواعيد الأبرز على مفكرته. زار كل قطعة في أعالي الجرود وفي جميع المناطق. شدّ على أيادي العسكريين واحدًا واحدًا، واكب شؤونهم وهمومهم وحاجاتهم، أكد ثقته بهم، وأكد لهم أنّهم الدرع الذي يجب أن يبقى قويًا ليبقى الوطن.
أقبل العام 2019، استمر العمل وتقدمت المؤسسة خطوات كبيرة إلى الأمام رغم أن الوطن كان يترنح وسط أزمات عديدة، إلى أن انفجر غضب الناس في الخريف واجتاح شوارع بيروت وسائر المدن…
راهن البعض على أن يحمل الجيش الهراوة لقمع الغضب وإسكات صرخات الوجع. وراهن البعض الآخر على أن يكون الجيش إلى جانبه… غير أنّ خيار القيادة كان حاسمًا: لا قمع لإسكات الناس ولا سماح للشغب بتهديد المؤسسات الدستورية أو أخذ البلد إلى الانهيار التام. الوجه الآخر للخيار كان يعني بوضوح حرية التعبير للجميع ومنع المسّ بالمؤسسات وبالأمن.
سار الجيش بين النقاط الحادة حريصًا على المصلحة العليا للوطن. لكن إلى متى يمكن أن يستمر وضع كالذي عشناه وقتها؟ أطبقت الأزمة الاقتصادية والمالية على اللبنانيين، طارت عشرات المليارات وباتت في خبر كان. هبطت الرواتب مع انهيار العملة الوطنية إلى مستوى لم نكن نتخيّل أن تصل إليه. ظل العسكر صامدًا متحملًا مسؤولياته كاملة.
أطلّت جائحة كورونا بوجهها الأسود وكأنّ ما فينا لم يكن ليكفينا… جائحة أرعبت العالم لكننا نجحنا أيضًا في مواجهتها بالقليل المتوافر من إمكانات، وبالكثير من الجهد والقدرة على اجتراح البدائل والحلول.
صيف العام 2020 حمل إلينا كارثة انفجار مرفأ بيروت. كارثة ذُهل العالم لهولها. مدينة منكوبة، دولة منهوبة، جيش منهك يقيم في شوارع التعب منذ أشهر. بيوت كثيرة لا تجد ثمن خبز يومها ومن بينها بيوت العسكريين. وجع. قهر. أبرياء طحنهم انفجار الفساد والإهمال… العسكر المتعب حتى آخر نفس انبرى لتخفيف وقع الكارثة ومسح الدمار ومساعدة المواطنين وإعادة المرفأ إلى قيد الخدمة والحياة… ذُهل العالم من جديد وتساءل كبار مسؤوليه: كيف استطعتم؟ كيف صمدتم؟ كيف وكيف وكيف؟
توالت سنوات مثقلة بالهموم والأزمات السياسية والاقتصادية والنقدية والاجتماعية، بات شبّاننا وشاباتنا على أبواب السفارات يحلمون بفيزا تنقلهم من جحيم بلد نهشه الفساد إلى صقيع الغربة. مع تفاقم الأزمات كان دور الجيش يتسع كل يوم بينما تتآكل رواتب عسكرييه وتزداد انخفاضًا مع كل إشراقة شمس! هل يمكن لعسكري لا يغطي راتبه قيمة اشتراك في مولّد كهرباء أن يبقى محافظًا على مناقبيته وانضباطه وجاهزًا لتنفيذ مهمات تكبر وتكبر مع ازدياد الأزمات حدة؟ نعم استطاع هذا العسكري اللبناني المتمسّك بقَسَمه وعزة نفسه أن يصمد حتى حين لم تعد اللحوم موجودة على لائحة طعامه. صمد بمناقبيته وبصمود قيادته وإصرارها على حماية البلد من الانهيار مهما كان الثمن غاليًا. صمد بفعل إجراءات وتدابير متلاحقة شكّلت دعمًا قويًا له في أوقات الشدة، وبفضل مساعدات استحقها من لبنانيين ومن دول قدّرت صموده من جهة وكانت تخشى انهيار البلد من جهة أخرى. من التقشف والاعتماد على القدرات الذاتية في مساعفة السلاح والعتاد، إلى دعم الطبابة والنقل واستصلاح أراضٍ وزراعتها وسوى ذلك مما يعرفه العسكريون والمدنيون. يكفي أنّ الطبابة العسكرية باتت أفضل جهة ضامنة في لبنان، لم تترك مستفيدًا من خدماتها بحاجة إلى دواء أو استشفاء، بينما كان ذلك متعذرًا بالنسبة لمعظم اللبنانيين. والأمر لا يقتصر فقط على توفير الخدمات بل على نوعيتها.
السنوات العجاف عوّقت خطة تطوير المؤسسة لكنها لم تمنعها تمامًا، ما كان شبه مستحيل تحوّل إلى ممكن. من الحؤول دون إقفال الكلية الحربية عبر تطويع تلامذة ضباط من بين العسكريين المؤهلين، إلى تطوير الطبابة العسكرية ورفدها بأقسام جديدة وتجهيزها بمعدات حديثة، فضلًا عن تطوير التعليم والتدريب وتفعيل دور الإناث في الجيش وسوى ذلك الكثير الكثير…
لكل ذلك، ولأكثر منه مما لا يتسع المجال لذكره سرى الفرح في أوصال الوطن بجميع مناطقه وجنباته مع إعلان انتخاب قائد الجيش العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية.
العماد عون عمادًا لوطن متعب، بل منهك يلهث على حافة الانهيار.
وطن افترست أحلام أبنائه سنوات طويلة من القحط، حتى باتت بارقة الأمل بحد ذاتها حلمًا صعب المنال.
وطن عانى حربًا مدمرة ألقت أطنان الركام فوق أشلاء نسائه وأطفاله ورجاله وعجائزه…
وطن اتكأ إلى مؤسسة طوال سنوات، وها هو يعقد الآمال كلها على عمادها.
العوافي يا عمادنا
كلنا أمل وثقة بأنّ الوطن معك سيتعافى…



