النقيب عماد عامر
تصوير: لطف الله ضاهر
تُوصف الحملات الصليبية التي بدأت فعليًا في العام 1095، على أنّها فترة حروب استمرت لقرابة قرنين من الزمن، ولكن هناك قلة من المؤرخين نظروا إليها نظرة إيجابية لكونها في أحد وجوهها اتصالًا حضاريًا بين ثقافتين وأمتين. ومن آثار ذلك الاتصال، فن العمارة ومن تجلّياته القلاع التي ما زالت معالمها قائمة في بلادنا حتى يومنا هذا.
تنتشر القلاع الصليبية في مختلف المناطق اللبنانية، وأهمها قلعة صيدا البحرية وقلعة الشقيف – أرنون وقلعة طرابلس وقلعة جبيل وغيرها. نمرّ من أمام تلك القلاع مرور الكرام ويقتصر إعجابنا بها على روعتها الخارجية كصرح هندسي جميل، لكنّ النظر إلى داخلها يجعلنا نكتشف روعة تصاميمها ذات السمة العسكرية وطريقة بنائها.
القلعة اصطلاحًا
عُرفت القلعة في كتاب لسان العرب بأنّها «الحصن الممتنع في الجبل»، أما في الموسوعة العربية العالمية فعرفت بأنّها «حصن منيع يُشيّد في موقع يصعب الوصول إليه، وغالبًا ما يكون مشيّدًا على قمة جبل أو مشرفًا على بحر، وقد وجد بعضها قائمًا على أرض منبسطة. وكانت القلاع والحصون تؤدي دور البيت بما تحتوي عليه من غذاء وماء ومستلزمات العيش والدفاع لساكنيها». إذًا، فالقلعة هي استحكام حربي يُبنى في مناطق استراتيجية كالجبال والتلال والروابي الصخرية أو على سواحل البحار، ومهمتها الأساسية تأمين أفضل شروط المراقبة للأرض المحيطة والدفاع ضد أي عدوان خارجي. وقد استُخدمت أيضًا لأغراض هجومية، إذ بُنيت على أطراف المدن الكبيرة المراد حصارها لوقت طويل.
أما مكوناتها فهي مكونات الحصن نفسها، وكلا البناءين يخدمان الغرض نفسه في الدفاع وصدّ الهجمات الخارجية. مع ذلك ثمة أوجه اختلاف، فالقلعة بوصفها بناءً حربيًا يكون كل سكانها من العسكريين، أما الحصن فيقيم فيه الحاكم مع رعيّته ويكون بالتالي بمثابة مدينة صغيرة يُدار منها الحكم.
أجزاء القلعة والأبنية المساندة:
- الجسم الأساسي للقلعة، وهو عبارة عن برج محصن Donjon منيع للغاية متعدد الطبقات يحيط به سور ساتر وحيد معزز بأبراج زاوية، مع خندق عريض أو قناة مائية عريضة.
- المزاغل، وهي فتحات في جدران القلعة لرمي القاذورات والأوساخ.
- فتحات تبرز متقدمة في الجدران ولها شكل < تستخدم لرمي السهام والنبال ولسكب الزيت والمياه الحارة على المهاجمين.
- المقرنصات، وهي طريقة بناء الأقواس والزوايا في منشآت القلعة.
- المتراس، حاجز يقف خلفه الجندي للرمي.
- البُريقان، وهو عبارة عن برج كبير يُبنى على مسافة قريبة من القلعة ويتصل بها عبر قنطرة أو جسر، ويستخدم لدعم القلعة عبر المراقبة والرمي.
- المشربيات، وهي نوافذ خشبية في جدران القلعة.
- الباشورة، عبارة عن مداخل متعرجة تنعطف يمنة ويسرة على مداخل القلعة.
مهمات القلاع
كانت القلاع الجديدة التي بناها الصليبيون منذ دخولهم المشرق قلاعًا ذات طابع هجومي، صُممت لتكون مركزًا للقوات الصليبية التي تحاصر المدن الساحلية الكبيرة والعصيّة، أو كنقاط انطلاق للحملات والغارات السريعة داخل أراضي العدو. وكان الاتصال بالنظر بين القلاع المتجاورة مهمًا جدًا. وكذلك وجب أن تتلاءم القلاع مع المسطحات الطوبوغرافية التي تبنى فوقها لتستفيد استفادة قصوى من التضاريس المجاورة لها، فكانت تؤمن الحماية للقوى العسكرية ريثما يأتيها الدعم والمساندة.
ومن الاستراتيجية العسكرية في بنائها، أنّ بواباتها كانت صغيرة وهي ممرات إلزامية لإجبار العدو على ولوجها عند محاولته اقتحام القلعة، حيث المدافعون مهيؤون للانقضاض عليه عند تلك البوابات. كما ضمّت طرقًا وهمية بداخلها تودي بالعدو إلى أماكن فيها كمائن محكمة في حال تمكّن من فتح ثغرات في السور الخارجي.
كانت أسوار القلاع الصليبية أقوى من تلك التي أحاطت بالقلاع العربية والبيزنطية، وبينما شُيّدت تلك الموجودة في المناطق الساحلية على طراز واحد هو الطراز النورماندي، بُنيت القلاع في المناطق الداخلية وفق تصاميم مختلفة.
قلعة الشقيف Beaufort
تسمى بالعربية (قلعة شقيف أرنون)، وبالأجنبية بلفور (الحصن الجميل) Belfort/Beaufort، وبليفورت Belliforte، وهي تقع في جنوب لبنان فوق جرف جبلي شديد الانحدار يرتفع 669 مترًا عن سطح البحر مقابل نهر الليطاني، على مسافة كيلومتر واحد من بلدة أرنون. تتصل هذه القلعة بالنظر مع قلعة الصبيبة (بانياس)، وتتحكم بالمنافذ الجنوبية للبقاع، وهي عبارة عن قلعتين: عليا وسفلى. شُيّدت العليا فوق هضبة صخرية بارزة، ولها بوابتان (خارجية وداخلية) وبرج محصن كبير وسور ضخم من الحجارة المتداخلة، وفيها كنيسة. وللقلعة السفلى بوابتان أيضًا (خارجية وداخلية) تتصلان ببعضهما عبر ممر ضيق تحت الأرض. وهي تتصل بالقلعة العليا عبر ممر صخري ضيق، ويحميها خندق مائي حُفر في الصخر. أما خزان المياه للقلعتين فيقع خارجهما ضمن السور.
شكّل الجرف الصخري الشبيه بالحائط الشاهق الذي ينحدر بشكل عمودي نحو نهر الليطاني، حاجزًا طبيعيًا للقلعة، إذ يستحيل مهاجمتها من تلك الجهة. أما من الجهات الأخرى فإنّ سورها وفتحات الرمي وطريقة بناء حيطانها المائلة الملساء، أمّنت حماية محكمة ضد المهاجمين. وقد صُممت فتحات الرمي بشكل < الذي يؤمن لرامي السهام حرية الحركة والرمي إلى الخارج مع استحالة دخول سهام المهاجمين من تلك الفتحات.
بالنسبة إلى تاريخ القلعة، فإنّ الرومان هم أول من بناها، ثم أعاد الصليبيون ترميمها وزادوا عدد أبنيتها على يد الملك فولك Fulk الذي قام بتحصينها في العام 1139 فأضاف عليها برجًا محصنًا مع سور خارجي متين.
بعد معركة حطّين في العام 1187 وهزيمة الصليبيين لم تسقط القلعة. وقد حاصرها العرب اعتبارًا من شهر نيسان 1189 فصمدت صمودًا أسطوريًا لمدة عام كامل، ثم اضطرت حاميتها إلى الاستسلام بسبب نفاد المؤن، وليس بسبب نقص إرادة القتال لدى هذه الحامية. بعد سيطرتهم عليها، شرع العرب في أعمال إصلاح إضافية للقاعة المضلّعة عند الطرف الشمالي للقلعة العليا، وفي أجزاء من القلعة السفلى والبرج الكبير، وأقاموا ساترًا لتقوية الواجهة الجنوبية.
في العام 1240، استعاد الصليبيون القلعة بموجب معاهدة بينهم وبين السلطان إسماعيل، لكنّ حُماتها من العرب رفضوا تسليمها، ما اضطر الصليبيين إلى أخذها عنوةً، وأضافوا أجزاء جديدة من بينها كنيسة في القلعة العليا. بعدها سلمت القلعة إلى جوليان Julien أمير صيدا. وفي العام 1260 أجبر جوليان على تسليمها إلى فرسان الهيكل الذين عرفوا بالداوية، فقاموا بتعزيز دفاعاتها وتركزت أعمالهم الرئيسية على التحصينات الخارجية من جهة الجنوب لمنع استخدام آلات الحصار ضدها. في العام 1268 حاصر السلطان بيبرس القلعة واضطرها إلى الاستسلام بعد أسبوعين بسبب استخدامه آلات حصار ضخمة. وبعد جلاء الصليبيين هُجرت القلعة بسبب موقعها البعيد.
شهدت قلعة الشقيف بعد ذلك أحداثًا مهمة ولا سيما أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان، إذ قامت طائرات العدو الإسرائيلي بقصفها وتسببت بتهدم أجزاء من البرج الأساسي والسور. وعلى الرغم من قصف الطائرات لها إلا أنّ شدة تحصيناتها حالت دون بلوغ العدو غايته من القصف الجوي، ما اضطره إلى اقتحامها وجهًا لوجه عبر قوات المشاة، فتكبّد خسائر فادحة في الأرواح لقاء سيطرته عليها.
تبقى قلعة الشقيف كغيرها من القلاع شاهدًا على مدى عظمة بنائها وفن هندستها وتصاميمها العسكرية.







