نور كيروز
التاريخ هو الذاكرة الحيّة والوفية للشعوب والأمم، وفي صفحاته أحداثٌ وحروبٌ وإنجازاتٌ نستقي منها حبرًا قد يكون أصدق من حبر الكتب. من هنا تبرز أهمية المتاحف، بوصفها الحاضن الأمين لإرث الشعوب وتاريخها.
وفي المشهد الثقافي والتعليمي الذي يعكس التحولات السياسية والتكنولوجية في أوروبا والعالم، يقف المتحف الملكي للقوات المسلَّحة والتاريخ العسكري في بروكسل شاهدًا لفيضٍ من القصص والبطولات، عبر أكثر من عشرة قرون.
في منتزه السنكوانتونير الشهير في قلب العاصمة البلجيكية بروكسل، يرتفع المتحف الملكي للقوات المسلحة والتاريخ العسكري، مكرّمًا مسيرة الجيوش والحروب والتطور العسكري عبر العصور. فمن الخارج يعكس المبنى هيبة التاريخ العسكري بطابعٍ معماري كلاسيكي فخم، مع واجهةٍ ضخمة من الحجر الرمادي الفاتح، وأعمدةٍ عالية ونقوشٍ وزخرفاتٍ تمثّل رموزًا عسكرية، مثل الدروع والأسلحة والرايات. أما القبة الكبيرة في الوسط، فتصوّر مشاهد من الحروب أو شخصيات عسكرية بارزة، ما يدعم الدور الرمزي للمتحف.
الدخول إلى القاعات أشبه باقتحام التاريخ أو معايشة مشهد حيّ من فيلمٍ حربي مثل «1917» أو «Hacksaw Ridge». وعلى عتبة كل قاعةٍ، يقف التاريخ مضيئًا على مرحلةٍ أو جانبٍ من تطور الحروب عبر العصور.
قاعة الأسلحة والحروب Arms and Armour Gallery
تعرض هذه القاعة تطوّر الأسلحة منذ العصور الوسطى وحتى القرن الثامن عشر، بما في ذلك الدروع الكاملة للفرسان، الخوذات، الصدريات وواقيات الأرجل، بالإضافة إلى دروعٍ فولاذية كانت تُستخدم في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وأقواس ونشاب، وأسلحة نارية وغيرها. وتحمل بعض الدروع نقوشًا دقيقة تدل على مكانة صاحبها.
ومن بين المعروضات درعٌ وسيفٌ لفارسٍ من القرن الخامس عشر يعودان إلى معركة Agincourt العام 1415 خلال حرب المئة عام بين فرنسا وإنكلترا. وهناك أيضًا الفأس الحربية Halberd التي تجمع بين الرمح والفأس مع خطاف يُستخدم لإسقاط الفارس عن حصانه. وفي زاويةٍ أخرى، يُعرض مسدس بعجلة إشعالٍ من القرن السادس عشر، وهو من أوائل الأسلحة النارية الفردية التي اقتناها النبلاء والفرسان بعد انتشار البارود.
القاعة التاريخية History Gallery
تبعث في الزائر شعورًا مهيبًا وصمتًا عميقًا، لما تحمله جدرانها من ذاكرةٍ مزينة بأزياء الجنود الأوائل وأعلام الوحدات العسكرية. فهي تضم مكونات مهمة لتاريخ الجيش البلجيكي منذ استقلال الدولة في العام 1830 حتى بداية الحرب العالمية الأولى (1914). وتُعد من أقدم قاعات المتحف إذ يعود أسلوب عرضها الكلاسيكي إلى أكثر من قرن.
تكمن أهمية هذه القاعة في تسليط الضوء على مرحلة تاريخية أساسية في تكوين الهوية الوطنية البلجيكية حتى عتبة الحرب العالمية الأولى. فهنالك مقتنيات وقطع مرتبطة بالملك البلجيكي Leopold II الذي يُنظر إليه اليوم كواحدٍ من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ البلجيكي بسبب إنشائه ملكية خاصة له ضمن الكونغو. كما تضم القاعة أيضًا مجموعة كبيرة من الأزياء العسكرية التي تعود إلى القرن التاسع عشر، تظهر تطور القبعات والخوذ من الطابع الزخرفي إلى العملي. وبما أنّ الراية العسكرية لكل فوج تُعد رمزًا للشرف والهوية، تحمي هذه القاعة راية فوج بلجيكي تعود إلى العام 1914، عندما اجتاح الجيش الألماني بلجيكا وسقطت بعض المدن. عندها قام الجنود بإخفاء الرايات أو دفنها أو تهريبها كي لا تقع في يد العدو. ومع مرور الزمن، وجدت هذه الرايات طريقها إلى المتحف لتظل شاهدًا حيًا على المخاطر التي يعيشها العسكريون في الحروب.
قاعة الحرب العالمية الأولى World War I Gallery
هي واحدة من أكبر مجموعات المتحف حول الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، وتضم مقتنيات من مختلف الدول المشاركة. وإلى جانب معدات الجنود والمشاة كالخوذ، الأحذية وحقائب الظهر، تُعرض الأسلحة الثقيلة والخفيفة، بما فيها الرشاشات الثقيلة مثل Maxim gun والمسدسات والبنادق والقنابل اليدوية.
وبين جدران القاعة المرتفعة، تقف الدبابات الأولى كعمالقة من حديد ونار، تأوي صرخات جنودٍ وشجاعتهم. وبمجرد وقوف الزائر أمامها، يشعر وكأنّ المكان على أهبة معركة دامية مصيرية. فهناك مثلًا دبابة Lodestar III الثقيلة التي استخدمتها بريطانيا لكسر خطوط الخنادق، وقد أثبتت جدواها في ساحة المعركة. ويُعد هذا الطراز واحدًا من أقل من عشرة نماذج أصلية متبقية في العالم. كما تُعرض إحدى أوائل الدبابات المزودة برجًا دوارًا مستقلًا، وهو تصميم أقرب إلى المفاهيم الحديثة، والغاية من حفظها في المتحف هي إظهار مرحلة تطوّر الحرب الميكانيكية للمرة الأولى في ذلك الزمن.
وتشمل القاعة أيضًا جانبًا فنيًا يخلّد ذكرى الجنود الشجعان من خلال مجموعة لوحات تضم حوالى 1500 قطعة أنجزها نحو مئة فنان بلجيكي، تصوّر مشاهد من الحياة في الخنادق وصورًا فوتوغرافية أصلية لخطوط الجبهة، توثق الانتظار والرعب المجبولَين بالطين والتعب اللذين عاشهما الجنود.
قاعة الطيران Aviation Gallery
هنا يحلّق التاريخ على أجنحة طائرات حربية، فما إن يدخل الزائر هذه القاعة، حتى تستيقظ في ذاكرته مشاهد من فيلم Pearl Harbor الشهير، عندما غطت الطائرات اليابانية السماء وانهمرت الانفجارات والطلقات على القاعدة البحرية.
القاعة مرصوفة بطائراتٍ على أنواعها، عُلّق بعضها في السقف المرتفع لإحياء معارك تاريخية على مسرحٍ من الغيم. ومن بينها طائرة Corsair المعروفة بلقب «الغراب الأزرق»، التي تميّزت بلونها وسرعتها العالية وحققت نجاحًا كبيرًا ضد المقاتلات اليابانية.
كما تبرز طائرة 51 Mustang P نجمة الحرب العالمية الثانية التي عُرفت بسرعتها العالية ومدة طيرانها وصمودها، وهي كانت تشكّل الدعم الجوي لقوات الحلفاء في أثناء المعارك الأوروبية. ففي العام 1944، وخلال مهمة Bomber Escort فوق ألمانيا، تولّت هذه الطائرة حماية القاذفات من المقاتلات الألمانية، وتمكنت من إسقاط عدد منها، ما ساعد على إنقاذ الطيارين والقاذفات.
قاعة بورديو Bordiau Gallery
في هذه القاعة يهبط الزائر مجددًا إلى الأرض ليكتشف فضاء بورديو، الذي سُمّي تيمّنًا بالمهندس البلجيكي جيديون بورديو، واضع الرسومات الأصلية لأجنحة حديقة «الذكرى الخمسين» التي أصبحت لاحقًا جزءًا من المتحف.
تستعرض هذه المساحة فترة ما بين الحربين العالميتين 1945-1919. وبدخولها يشعر الزائر وكأنه يسير في رحلة زمنية يشاهد خلالها تسلسل الأحداث من خلال الأدوات والوثائق والأعمال الفنية التي تُضفي واقعية على المشهد.
تُعرض هنا خرائط تُظهر تحركات الجيش الألماني ومسار التحرير البلجيكي، إضافةً إلى جداول زمنية توضح أبرز الأحداث والتواريخ. كما تضم القاعة وثائق وصورًا فوتوغرافية أصلية من الخطوط الأمامية، ومقتنيات شخصية للجنود والمدنيين مثل الرسائل والأوراق والأزياء والبنادق والخوذ.
إنها فوضى الحرب، بأغراضها المبعثرة ومشاعرها الممزوجة بالدموع والدم والتعب والأمل بالتحرير، تقف اليوم صامتة خلف الزجاج تكريمًا للذاكرة والتاريخ.
قاعة الاتصالات العسكرية Military Communications Gallery
تمثّل جانبًا من وسائل الاتصالات المستخدمة قبل ظهور الراديو والأجهزة الحديثة. فالحرب لا تُبنى على الأسلحة والعتاد فحسب، بل تعتمد أيضًا على نقل المعلومات والأوامر.
ومن بين المعروضات أجهزة قديمة وأنظمة لاسلكية وأجهزة إرسال واستقبال مشفّرة مثل جهاز Enigma الألماني. كما يُعرض نموذج «الجندي الطائر»، أي الحمام الزاجل الذي لعب دورًا مهمًا في نقل الرسائل قبل انتشار الاتصالات الكهربائية.
تخبرنا القصة المعروضة في المتحف، أنّ حمامًا زاجلًا يدعى Cher Ami، نجح في إيصال رسالة مهمة لإنقاذ وحدةٍ أميركية محاصرة في فرنسا العام 1918، فأسهم في إنقاذ نحو 194 جنديًا رغم إصابته بجروحٍ بالغة.
الأروقة Arcades
في أروقة المتحف يتنقل الزائر داخل ممرات واسعة مقوسة تحت سقفٍ زجاجي مرتفع، تُعرض فيها قطعٌ عسكرية ضخمة يصعب وضعها في القاعات التقليدية، مثل شاحنات نقل الجنود، والعربات المدرعة وقطع المدفعية المضادة للطائرات مع شروحات تقنية مفصلة.
كما تضم هذه المساحة معدات الهندسة العسكرية والمساندة اللوجستية التي استخدمها الجيش لتجاوز العوائق والتقدم، مثل جسر بايلي الذي استُخدم خلال الحرب العالمية الثانية، إذ يمكن تركيبه خلال ساعات وتفكيكه ونقله بسهولة، خصوصًا في بلجيكا التي تكثر فيها الأنهار.
أنتاركتيكا Antaractica
يضم المتحف أيضًا قسم أنتاركتيكا الذي يرتبط بدور الجيوش في الاستكشاف العلمي والبعثات القطبية. هذا القسم مختلف، فهو لا يرتبط بالحرب بشكلٍ مباشر، لكنّه يعرّف الزائر بظروف البرد القارس في القارة القطبية.
يروي هذا القسم أيضًا تفاصيل عملية Highjump 1947-1946 التي نفّذتها البحرية الأميركية لاختبار المعدات في الظروف القطبية القاسية بعد الحرب العالمية الثانية. ويعرض معدات خاصة مثل الملابس المقاومة للتجمد، والزلاجات، وأجهزة الملاحة القديمة، إضافة إلى نماذج طائرات استُخدمت في الهبوط على الجليد.
إنه لمتحف جميل ومُبهر رغم قبح الحرب وقساوتها. حبّذا لو نزور ذات يوم المتحف الملكي للسلام العالمي فننعش ذاكرتنا، بمجرد قطع التذاكر والدخول، بمشاهد من فيلم The best years of our lives، الذي يتناول حياة ثلاثة جنود أميركيين بعد عودتهم من الحرب العالمية الثانية ومحاولتهم بناء حياتهم مجددًا بسلامٍ.












