د. ألكسندر أبي يونس

فجر 6 حزيران 1944، في النورماندي، قفزت فرق محمولة جوًا بالقرب من Caen وCarentan، أعقبها بعد فترة وجيزة إبرار فرق هجومية على الساحل بين Ouistreham والساحل الغربي لــ Cotentin، وبدأت عملية تحرير أوروبا. من هي هذه الفرق؟ وممّن أرادت تحرير أوروبا؟ وكيف تمّ إنزال النورماندي الذي يُعتبر من الأضخم في التاريخ العسكري ويُحتفل بذكراه سنويًا؟

المعركة بالأرقام

الحلفاء: 1,566,000 عسكري، 22,000 طائرة ألقت 80,000 طن من القنابل، 332,000 مركبة، 1,500،000 طن من المعدات والذخائر.

الألمان: 630,000 عسكري، منهم 165,000 ضمن 11 فرقة مدرّعة، 2700 طائرة، و1600 دبابة.

الخسائر: 73,000 عسكري من الحلفاء، 200,000 عسكري ألماني، و200,000 عسكري ألماني أسير. كما خسر الألمان 1300 دبابة، و20,000 مركبة، و500 مدفع.

اندلعت الحرب العالمية الثانية سنة 1939، وسقطت فرنسا بيد الألمان في حزيران 1940 فانقسمت بين حكومتين، حكومة فيشي الموالية لبرلين، وحكومة فرنسا الحرة بقيادة الجنرال شارل ديغول التي قرّرت متابعة الحرب وتحرير فرنسا من يد الألمان. لكنّ هذا القرار، كلّف فرنسا دفع ثمن سياسي باهظ في الشرق الأوسط حيث مناطق نفوذها، لمصلحة البريطانيين والأميركيين الذين قرّروا قبض الثمن مقابل مساعدتها على تحرير بلادها. ومن هذه الأثمان التي دفعها الفرنسيون الأحرار، التنازل عن بعض نفوذهم في مناطق الانتداب ومن بينها لبنان. كان هدف شارل ديغول الأول تحرير فرنسا والعودة إلى بلاده، فيما كان زعيم الاتحاد السوفياتي جوزف ستالين يضغط منذ العام 1942 على حليفَيه فرانكلين روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأميركية، وونستون تشرشل رئيس حكومة بريطانيا، لفتح جبهة جديدة في الغرب من أجل تخفيف الضغط عن الجبهة الشرقية حيث كان الألمان متقدّمين. وقد وعداه في Casablanca خلال كانون الثاني 1943، وجدّدا وعدهما في مؤتمر طهران (28 تشرين الثاني 1943) بفتح الجبهة الغربية في ربيع العام 1944، ومهّدا لهذه الجبهة باحتلال شمالي أفريقيا وبالتقدم نحو صقلية وجنوبي إيطاليا، ما أدى إلى سقوط نظام موسوليني، وبذلك باتت الجيوش الحليفة قريبة من روما، حين كان الرؤساء مجتمعين في طهران. وكان توقيت فتح الجبهة الغربية مُلائمًا للجيش السوفياتي لتحقيق مزيد من الانتصارات على الجيش الألماني في الجبهة الشرقية.

أما على الصعيد الاستراتيجي فلم تعد الاستعدادات الألمانية كافيةً لشن حرب خاطفة وتحقيق انتصارات سريعة. كما أصبحت الفوارق كبيرة بين إنتاج مصانع الرايخ ومصانع الحلفاء، وبين كمية المواد الأولية لدى كل من الفريقين، بخاصة أنّ الحرب الجوية كان لها تأثير كبير في زيادة التفوّق الاستراتيجي للحلفاء، وهي أدّت إلى تنفيذ إنزال النورماندي والانتصار على الألمان لكن من دون حسم
نتيجة الحرب.

الموقع الجغرافي والاستعدادات

تقع منطقة النورماندي في الشمال الغربي لفرنسا ويحدّها بحر المانش الذي يفصلها عن جنوب إنكلترا. في القرن العاشر كانت بمنزلة دوقية، وفي العام 1066 كانت جزءًا من إنكلترا إلى أن قام ملك فرنسا فيليب أغسطس في العام 1204 بغزوها وضمّها إلى ملكه باستثناء جزء منها بقي تحت ظل التاج البريطاني. في العام 1790 أصبح البر القاري منها مقاطعة فرنسية بينما ظلّت جزر القناة التي تشمل جزيرتي Guernsey وJersey تحت سيادة ملوك بريطانيا مع تمتّعهما بحكمٍ ذاتي. تنقسم النورماندي إداريًا إلى خمسة أقاليم وهي: Calvados, Eure, Manche, Orne, Seine-Maritime. تبلغ مساحتها 30,627 كلم2، وعدد سكانها 3,327,966 نسمة، ويطلق على سكّانها اسم النورمان لأنهم يتكلّمون اللغة النورمندية.
الموقع الجغرافي للنورماندي لم يغرِ الحلفاء على الرغم من أنّ قضية إنزال جيوشهم على الشواطئ الفرنسية أصبحت حتمية، لكن مكانها وموعدها بقيا سريّين. في المقابل، كان الألمان قد استعدوا لها عن طريق بناء سلسلة من التحصينات على السواحل الغربية لفرنسا واسكندينافيا، عُرفت بجدار الأطلسي، الذي تألّف من حقول ألغام واسعة وتحصينات دفاعية قوية ومراكز رادارات ومدفعية ورشاشات وأسلاك شائكة على طول السواحل لمواجهة نزول الحلفاء. وكان هتلر قد عهد إلى المارشال Von Rundstedt قيادة القوات الألمانية في فرنسا، يساعده رومل الذي سعى إلى تقوية المواقع، لكنّ طلباته لم تلقَ آذانًا صاغية في برلين. أما الحلفاء فقد عيّنوا الجنرال Dwight Eisenhower قائدًا عامًا لحملة النورماندي (أصبح رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية بين 1953 و1961)، والجنرال مونتغومري نائبًا له، وكان تحت إمرته قائد الجيش الأميركي الأول الجنرال Omar Bradley. وقد حضّر هؤلاء القادة للحملة التي سُمّيت Overlord أي عملية السيد الأكبر، ولعملية Neptune التي هي الجزء البحري منها، أي الهجوم البرمائي والدعم البحري لحملة Overlord.
بحث الحلفاء عن المكان المناسب للإنزال، فوقع الاختيار على منطقة النورماندي، في حين أنّ الألمان كانوا مقتنعين بأنّ العملية ستقع في منطقة Calais كونها النقطة الأقرب إلى بريطانيا. وقد ساهمت استخبارات الحلفاء بتعزيز هذا الاعتقاد لديهم، بخاصةٍ بعدما شنّوا عددًا كبيرًا من الغارات الجوية على طرق المواصلات في «كاليه» بغية عرقلة تحركات الألمان. أما تاريخ الإنزال فكان مرتبطًا بالأوضاع الطبيعية على صعيدي المد والجزر لكن موعده حدّد مبدئيًا في 4 حزيران 1944.

بدأت استعدادات الحلفاء منذ خريف 1943، لأنّ عملية الإنزال الضخمة هذه والحملة البرمائية التي أراد الحلفاء شنّها على الألمان في فرنسا دفعتهم إلى وضع خطط عسكرية دقيقة. فتقرّر لليوم الأول تجميع القوى في أسطول ضخم، يتألّف الصف الأول من 50,000 رجل تمّ نقلهم عن طريق البحر في سفن الإنزال، أما الجنود الآخرون والبالغ عددهم 106,500 تقريبًا فتمّ نقلهم عن طريق الجو (20,000 من المظلّيين و867 طائرة شراعية) في ثلاث فرق محمولة جوًّا، والباقي في فرق برمائية مجهزة بـ: 1500 دبابة، 3,000 مدفع و20,000 مركبة، و5000 مركبة مصفّحة. زوّدت هذه الحملة أسطولًا مكوّنًا من 5000 سفينة حربية، بما في ذلك 6 بوارج، و22 طرّادًا، و93 مدمّرة وسفينتين للمراقبة، بالإضافة إلى 4000 قارب إضافي، وقوّة جويّة مكوّنة من 2395 طائرة شاركت في اليوم الأول من المعركة مقابل 319 طائرة ألمانية. أما القوات الحليفة فكانت من الأميركيين والكنديين والبريطانيين وفرق عسكرية صغيرة من البولونيين والفرنسيين الأحرار، وقد بلغ العدد في اليوم الأول 176,500 عسكري من أصل 1,566,000 جندي شاركوا في العملية على مدى شهرين ونصف.
ومن أجل خداع الألمان بشأن الموقع الحقيقي للهبوط، عمد الحلفاء إلى جعل أعدائهم يعتقدون أنّ الهجوم الرئيسي سيحدث على ساحل «كاليه». لقد أعدّ الاستراتيجيون في قيادة الحلفاء خطة ثابتة لدرجة أنهم أنشأوا مرفأَين اصطناعيّين تحتاجهما عملية Overlord، يتم سحبهما عبر قناة المانش أو القناة الإنكليزية ويرسيان على ساحل Arromanches وSaint-Laurent-sur-mer عندما تتمّ السيطرة عليهما، بالإضافة إلى مد خط أنابيب نفط تحت الماء مخصص لنقل الوقود من الجزيرة الإنكليزية De Wight إلى Port-en-Bessin في النورماندي.

لم تكن القيادة الألمانية تتوقع إنزال الحلفاء في 4 حزيران وفي النورماندي تحديدًا على طول 40 كلم. وكانت تحصينات هذه الجبهة واستعدادات الألمان لصد هجوم سريع أقل مما يريدها رومل، ولم يوافق هتلر على طلبه بتحويل فرق مدرّعة نحو الساحل، ربما لأنّ الألمان قد بدأوا بتصنيع الصواريخ البعيدة المدى من طراز ف1 وف2 التي ستمكّنهم من قصف لندن. لكن رومل اعتقد بأنّ عدم تزويده الأسلحة اللازمة أفقد جدار الأطلسي فعاليته باستثناء منطقة «كاليه». وفي أواخر أيار 1944 كانت البحرية الألمانية ما زالت مقتنعة بأنّ تحرّكات السفن الحليفة في جميع المرافئ البريطانية وفي بحر المانش ليست إلّا خدعة، حتى أنّ القيادة الألمانية خفّفت درجة الاستنفار القصوى التي ظلّ معمولًا بها حتى الخامس من حزيران، بخاصةٍ أنّ الأحوال المناخية في 4 حزيران لم تكن ملائمة قط، ما أجبر الحلفاء على تأجيل عمليّتهم إلى فجر السادس من حزيران، فابتعد بعض القادة الألمان عن الجبهة لتمضية عطلتهم، ومن بينهم رومل الذي عاد إلى ألمانيا في 5 حزيران للاحتفال بمناسبةٍ عائلية وللقاء هتلر من أجل إقناعه بزيادة التحصينات في النورماندي.

الإنزال

تأجّلت العملية من 4 إلى فجر 6 حزيران 1944 نظرًا إلى سوء الأحوال الجوية، وأُطلق على ساعة الصفر D-Day بالإنكليزية، إذ إن العملية كانت ستنطلق في الساعة 4:15 صباحًا بالتوقيت الصيفي لبريطانيا، بينما أطلق الفرنسيون على هذا اليوم اسم Jour-J. ليلة بدء الإنزال، أي في ليل 5 حزيران 1944 الساعة العاشرة مساءً، أراد الحلفاء إقامة رأس جسر قوي على ساحل النورماندي في Calvados وجنوب Cotentin حيث هبطت أول الفرق المظليّة الكندية والأميركية والبريطانية من دون أن يتفاجأ الألمان الذين تمكّنوا من إعادة هذه الفرق إلى البحر. وبين الساعة الواحدة بعد منتصف الليل حتى الرابعة فجرًا، بدأت أساطيل الحلفاء بالتّوجه نحو شواطئ النورماندي تحت غطاء جويّ كبير قصفَ المواقع الألمانية تمهيدًا لليوم الأول من المعركة. وبعد هبوط أول 6600 مظلّي فجر 6 حزيران، بدأت السفن الحربية التابعة للحلفاء، والتي تجمّعت وسط بحر المانش في دائرة أطلق عليها اسم Piccadilly Circus، تُنزل على شاطئ النورماندي الدبابات والمدافع والجنود، مستخدمة المرفأين الاصطناعيّين. وقد تمّ الإنزال في خمسة مواقع بين منطقتَي Le Havre و Cherbourg وحملت هذه المواقع أسماء رمزيّة وهي:Utah, Omaha, Gold, Juno, Sword. وفي تمام الساعة 6:30 من صباح 6 حزيران وصلت الفرق الأميركية إلى المواقع المخصصة لها في Utah وOmaha، بينما وصلت الفرق الإنكليزية والكندية في تمام الساعة 7:30 صباحًا إلى Gold وJuno وSword.

المعركة الفعلية

بدأت معركة النورماندي فعليًّا مساء 6 حزيران بهجوم الحلفاء بــ 8 مجموعات عسكرية مقابل دفاع الألمان بـــ 6 مجموعات عسكرية، وعمد الحلفاء إلى قصف الجسور الخلفية للألمان على نهري Seine وLoire والخطوط الحديدية والقاطرات بــ 2434 مقاتلة وقاذفة قنابل ثقيلة و700 قاذفة قنابل متوسطة وخفيفة، بهدف عرقلة وصول الإمدادات للألمان، وقد ساعدتهم على الأرض المقاومة السرية الفرنسية. ومع بدء المعركة، كان هتلر في بروسيا الشرقية، وVon Rundstedt بالقرب من باريس في Saint-Germain-en-Laye، أما رومل فقد عاد على وجه السرعة إلى مركز قيادته في Roche-Guyon التي تبعد ساعتين عن النورماندي، من دون أن يستطيع إقناع هتلر بتعزيز التحصينات.
وعندما نزل 13,400 من المظلّيين الحلفاء خلف خطوط الألمان في 7 حزيران، تمكّنت المدرعات الأميركية من خرق خط الدفاع الألماني في منطقة Saint-Lô، وفي 8 حزيران 1944 تمكّن الحلفاء من تحرير أول مدينة فرنسية وهي Bayeux التي دخلها ديغول في 14 حزيران وركّز فيها المؤسسات الإدارية الفرنسية. من ثمّ حرّر الحلفاء في 9 حزيران Nantes وفي 11 حزيران Angers. وبعدما انضم إلى الحلفاء في 12 حزيران 326,547 عسكريًا مزوّدين 54,186 مركبة و104,428 طنًا من المعدات. ومع وضع المرفأين الاصطناعيين في المكان المخصص لهما في 18 حزيران، استطاع الحلفاء تحرير Cherbourg في 27 حزيران، وCaen في 9 تموز. وبدأت المقاومة الفرنسية تنشط ضد الألمان بعد بدء عملية Overlord، فتمكنت بمساعدة القوات الحليفة من تحرير Saint-Malo وSaint Nazaire وBrest وDinan وRennes.

في 1 تموز 1944، أقال هتلر Von Rundstedt لأنّه لم يعد يريد إكمال المعركة العسكرية، مقترحًا السلام مع الحلفاء، وعيّن بدلًا منه المارشال Von Kluge. وما بين 25 و31 تموز 1944، أطلق الحلفاء عملية Cobra فاستولوا على Avranches الأمر الذي سمح لهم بالتوجه نحو Bretagne. أمام هذا الواقع أصدر هتلر أوامره بوجوب الصمود في باريس مهما كلّف الأمر لأنّه أدرك أنّ الطريق أصبحت مفتوحة نحو العاصمة الفرنسية بفضل إنزال النورماندي، وكانت في باريس حامية ألمانية تقدّر بنحو 20,000 عسكري بقيادة الجنرال Von Choltitz.

ديغول في باريس

ما إن نزل الحلفاء في النورماندي حتى انتفضت المقاومة السريّة الفرنسية بوجه الألمان بخاصةٍ في باريس. فتقدّمت الفرقة الفرنسية الثانية لمساندة الثوار، ووصل الجيش الأميركي إلى نهر Loire واتجه شمالًا نحو نهر Seine. لم تكن باريس من الأهداف الأساسية للقوات التي نزلت في النورماندي، لذلك عمد الباريسيون إلى إعلان الإضراب في السكك الحديدية بتاريخ 10 آب، وفي 15 منه في إدارة الشرطة، وفي 19 من الشهر نفسه أُعلنت التعبئة العامة في باريس وجرت معارك عديدة في شوارع العاصمة. انتهت معركة النورماندي رسميًا في 20 آب 1944، وبعد 4 أيام وصلت إلى باريس طلائع القوة المدرّعة الفرنسية بقيادة الجنرال Leclerc التي تمكّنت من احتلال المقر العام للقيادة الألمانية حيث وقّع الجنرال Von Choltitz صك الاستسلام. وفي 25 آب دخل الجنرال ديغول إلى باريس بعد غياب أكثر من 4 سنوات. وقد وصف الجنرال ديغول في مذكراته (Mémoires de guerre-L’unité 1942-1944) ساعة وصوله إلى وزارة الدفاع في باريس قائلًا:

«وصلنا إلى وزارة الدفاع في الساعة الخامسة. تأثّرت كثيرًا عندما رأيت أنّ شيئًا لم يتغيّر داخل ذلك المكان المقدّس. إنّ أحداثًا هائلة هزّت العالم. سُحق جيشنا، كادت فرنسا أن تغرق، لكن داخل وزارة الحرب لم يتبدّل مظهر الأشياء. في البهو قلّة من الحرس الجمهوري قدّمت التحية كالسابق. الممر، الدرج، الترتيب… كل شيء كما كان. دخلت مكتب الوزارة الذي غادرناه أنا والسيد بول رينو ليل 10 حزيران 1940. لم يتغيّر فيه شيء، الأثاث، السجاد، الستائر… كل شيء كما كان. وعلى الطاولة ظلّ جهاز الهاتف كما كان، وفي دليل الهاتف الأسماء عينها، كل شيء موجود كما كان، لا ينقص إلّا وجود الدولة. فعليّ أن أُعيد الدولة».

أهمية إنزال النورماندي

يُعتبر إنزال النورماندي من أبرز الأعمال العسكرية في التاريخ لجهة دقة التخطيط والتنفيذ والتداعيات الإيجابية له. فهذا الإنزال وإن لم يحسم الحرب العالمية الثانية، فهو كان بداية نهايتها، إذ سمح بتحرير شمال فرنسا وباريس وعودة الجنرال ديغول إلى موطنه واستلام زمام الحكم. وقد حلّ ديغول حكومة فرنسا الحرة والمجلس الوطني للمقاومة الذي كان يعمل بتوجيهاته، وشكّل حكومة جديدة من الجيش الفرنسي الحر ومن المقاومين ليُكمِلا معًا تحرير جنوب فرنسا، بالتعاون مع القوات البريطانية والكندية والأميركية والبولونية التي أتت من النورماندي، ودخلت في نهاية آب وأيلول 1944 إلى كل من Toulon وGrenoble وCannes وNîmes، ودخل الأميركيون إلى بلجيكا واللوكسمبورغ.
سمح إنزال النورماندي للجيش السوفياتي بإعادة تحقيق الانتصارات على الألمان في الجبهة الشرقية بعدما كانوا متراجعين. ومنذ هذا الإنزال، بدأ الجيش الألماني بالتقهقر حتى عاد إلى برلين التي حاصرها في نيسان 1945 الأميركيون والسوفيات، وتسابقا على اعتقال العلماء المشاركين في صناعة القنبلة الذرية بينما كان هتلر يأمل إتمام صناعتها لكي ينتصر في الحرب، وهو الذي قال: «امنحوني شهرين بعد لكي أجعل جميع الشعوب تتكلّم الألمانية»، وكان يعني بالشهرين المدة الزمنية التي يحتاجها لإنهاء القنبلة. غير أنّ الأميركيين تمكّنوا من إلقاء القبض على معظم العلماء ومنهم من سلّم نفسه لهم مفضّلين إياهم على السوفيات، الأمر الذي سمح للأميركيين باستكمال القنبلة الذرية. وفي حين انقسمت برلين ما بين الجيشين السوفياتي والأميركي، انتحر هتلر في 30 نيسان 1945 بعدما سلّم الحكم إلى الأميرال Dônîtz الذي أعلن استسلام ألمانيا من دون قيد أو شرط في أيار 1945.

تأثّرت اليابان بتداعيات إنزال النورماندي، فتابعت وحدها الحرب العالمية الثانية بوجه الحلفاء ورفضت الاستسلام. عانى الأميركيون في جزر المحيط الهادئ من الأدغال والجبال الوعرة والأوبئة والأمطار الغزيرة والحرارة المرتفعة والأنهار الموحشة. فبعد نجاح إنزال النورماندي، بدأ الجنرال دوغلاس ماكارثر القائد العام للجيش الأميركي في الشرق الأقصى هجومه الكبير في تشرين الأول 1944 لاسترداد غينيا الجديدة والفيليبين، لكنه صادف مقاومة يابانية شديدة بعدما استعمل اليابانيون الطائرات الانتحارية الكاميكاز. وفي العام 1945 احتلّ الأميركيون بورما وجزيرة أيوشيما التي لم يستسلم فيها أي ياباني. وفي 22 حزيران من العام نفسه احتلّوا جزيرة أوكيناوا التي تصلح استراتيجيًا لغزو اليابان. وبعد مقاومة يابانية كبيرة استعملوا فيها 355 طائرة انتحارية، وبعد مشاورات، وافق الرئيس الأميركي هاري ترومان على استخدام القنبلة الذرية وقد شجعه تشرشل على ذلك تجنبًا للخسارة الفادحة وللتعجيل في إنهاء الحرب، ولكي لا يعود للروس دور في القضاء على اليابان.
لم يُرد الأميركيون إشراك البريطانيين والفرنسيين معهم في الحرب على اليابان لكي لا يعيدوا لهما أي نفوذ في المحيط الهادئ، فاتفقوا سرًّا مع الاتحاد السوفياتي على دخول الحرب بعد ثلاثة أشهر من استسلام ألمانيا حتى يتسنّى للسوفيات الوقت الكافي لنقل جيوشهم، على أن ينالوا مقابل ذلك مجموعة جزر.

الخدعة من جديد!

كان لدى الأميركيين قنبلتان ذريّتان فقط وقد تمكنوا من إنجازهما بفضل العلماء الألمان الذين ساعدوهم في ذلك، لكنهم أوهموا اليابانيين أنّ لديهم الكثير، لذلك رموهما بفارق يومين بينهما فقط، إذ ألقوا في 6 آب 1945 واحدة على هيروشيما أودت بحياة أكثر من ١٤٠ ألف ياباني ودمّرت المدينة، ومع ذلك لم يستسلم اليابانيون، عندها ألقى الأميركيون القنبلة الثانية بتاريخ 9 آب 1945 على ناكازاكي وقد قتلت أكثر من 80 ألف ياباني، الأمر الذي دفع بالأمبراطور الياباني Hirohito إلى الإعلان في 15 آب 1945 عن انتهاء الأعمال العدائية لأنّه اعتقد أنّ لدى الأميركيين الكثير من القنابل النووية، وقد وقّع على وثيقة الاستسلام في 2 أيلول 1945 على ظهر السفينة الأميركية ميسوري التي نجت من غارة بيرل هاربور.
كشف الإمبراطور الياباني في ما بعد عن أنّه لم يكن ليستسلم لو كان يعلم أنّ لدى الأميركيين قنبلتين نوويّتين فقط… وبالتالي أدت الخدعة دورها في حسم مسار الحرب العالمية الثانية، أولًا في إنزال النورماندي الذي كان بداية النهاية، وثانيًا في المعركة بين الأميركيين واليابانيين التي وضعت نقطة النهاية في صفحة هذه الحرب، وكانت بداية مرحلة جديدة في العالم.