العميد المتقاعد غازي محمود – دكتوراه في الاقتصاد
تدور مسألة تصحيح الرواتب والأجور في لبنان في حلقة مفرغة، نتيجة ربط الحكومة أي زيادة في النفقات العامة التي يتطلبها التصحيح بزيادة في الإيرادات، وهي زيادة غير ممكنة بحسب الحكومة إلّا من خلال زيادة الضرائب غير المباشرة، ولا سيما الرسوم على البنزين وغيرها. الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع جديد في أسعار السلع والخدمات من ناحية، وإلى تآكل قيمة الزيادة حتى قبل أن يقبضها موظفو القطاع العام ومتقاعدوه من ناحية أخرى.
وكان مجلس الوزراء اللبناني قد أقر في جلسته المنعقدة يوم الإثنين 16 شباط 2026، منح موظفي القطاع العام بجميع أسلاكهم والمتعاقدين منهم والمتقاعدين، زيادة تعادل ستة رواتب إضافية، مع كامل متمّماتها للعسكريين. وقرر في المقابل فرض ضريبة قيمتها 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين وزيادة 1% على ضريبة القيمة المضافة ورفع الرسوم على الحاويات. الأمر الذي أثار موجة اعتراضات شملت مروحة واسعة من السياسيين وأصحاب الرأي، بالإضافة إلى المواطنين، كما لم يلقَ قبولًا من قبل موظفي ومتقاعدي القطاع العام، عسكريين ومدنيين.
التمويل الأسهل
لم تكن هذه المرة الأولى التي تُقدم فيها الحكومة على فرض رسوم على صفيحة البنزين، فقد سبق أن أقرّتها في جلسة بتاريخ 19 أيار 2025، والتي أصدر مجلس شورى الدولة قرارًا بوقف تنفيذها في 16 تموز 2025، نتيجة الطعون التي قُدمت أمامه. ما اعتُبر في حينه، بمثابة تطور قانوني مهم لوقف ما وُصف بالعبء الإضافي على المواطنين في ظل الظروف الصعبة.
وإذا كان يتوجب على وزارة المالية، ومن خلفها الحكومة اللبنانية مجتمعةً ألّا تُقدم على زيادات عشوائية للرواتب والأجور، فيتوجب عليها وبالمقدار نفسه، ألّا تعتمد أكثر مصادر التمويل سهولة لهذه الزيادة، عنيت بها فرض رسم على صفيحة البنزين، مستفيدة من التفويض التشريعي في الحقل الجمركي الذي تضمنته المادة 55 من قانون موازنة 2026. أما قرار زيادة الـ 1% على الضريبة على القيمة المضافة، فيحتاج إلى قانون يُقر في المجلس النيابي.
وتجدر الإشارة إلى الأثر التضخمي المتوقع لهذه الإجراءات، إذ إن رفع كلفة المحروقات ينعكس مباشرة على أسعار النقل والسلع والخدمات، ما يؤدي إلى تآكل جزء من الزيادة الممنوحة، ويعيد إنتاج الحلقة المفرغة ذاتها بين زيادة الرواتب وارتفاع الأسعار، من دون معالجة جذرية لتصحيح الرواتب من ناحية، والحد من ارتفاع أسعار السلع والخدمات من ناحية أخرى.
تساؤلات مشروعة
أمام هذا التخبُّط في معالجة أزمة تصحيح الرواتب، لا بد من طرح مجموعة من التساؤلات حول عدم المبادرة إلى وضع خطة منصفة وعادلة لتصحيح رواتب وأجور موظفي القطاع العام، مع مراعاة وضع المالية العامة في الوقت نفسه، ذلك أنّ:
ــ تصحيح الرواتب أزمة مزمنة: إنّ تصحيح رواتب وأجور موظفي القطاع العام ومتقاعديه ليست مسألة مستجدة، بل إن عمرها من عمر الأزمة، وتشكّل في آنٍ معًا إحدى نتائجها المباشرة ومؤشرًا دالًا على استمرارها وتعقيدها. وعليه، فإنّ أي إرجاءٍ لمعالجة هذا الملف ضمن إطارٍ إصلاحي متكامل من شأنه أن يُطيل أمد الأزمة ويُفاقم آثارها الاقتصادية والاجتماعية.
ــ لا جديد في مقاربة الحلول: لم تختلف مقاربة الحكومة الحالية عن مقاربات سابقاتها، لجهة الاعتماد على زيادة الضرائب غير المباشرة والرسوم التي تطال مختلف الشرائح الاجتماعية من دون تمييز فعلي بين مستويات الدخل، كمصدرٍ أساسي لتمويل الزيادة المقترحة، من دون إحداث تحوّل جوهري في فلسفة المعالجة أو وسائلها. الأمر الذي يثير إشكاليات تتصل بالعدالة الضريبية وبالأثر الاجتماعي السلبي لهذه الإجراءات.
أظهرت المناقشات التي جرت في مجلس الوزراء أن وزارة المالية لم تلتزم تزويد الوزراء الدراسة المتعلقة بتكلفة الزيادة المقترحة وآليات توزيعها، إذ لم تُعمم هذه المعطيات قبل 48 ساعة من انعقاد الجلسة، بما يضمن تمكينهم من الاطلاع عليها ومناقشتها وفق الأصول.
مؤشرات مقلقة
تُثير قرارات الحكومة الأخيرة المتعلقة بإقرار الزيادات على الرواتب والأجور لموظفي القطاع العام، والمتعاقدين والمتقاعدين، جملة مخاوف.
أولًا: تعكس الرواتب المرتفعة التي أقرّتها الحكومة لمصلحة الهيئات الناظمة خللًا واضحًا في معايير العدالة بين الفئات الوظيفية داخل القطاع العام، ما يثير تساؤلات مشروعة حول الأسس التي استندت إليها هذه الزيادات. ولا يبدو تبريرها بذريعة استقطاب الكفاءات كافيًا أو مقنعًا، ولا سيما في ظل الطابع الاستشاري غير الملزم لقرارات هذه الهيئات تجاه سلطة الوصاية.
ثانيًا: إنّ إقرار الحكومة لتعويضٍ شهري يُدفع لمالكي وسائقي السيارات العمومية العاملة على البنزين، إضافةً إلى قسائم محروقات، يعكس استنسابية واضحة في تخصيص الموارد العامة لمن تختار السلطة دعمهم، ويكشف نزعة شعبوية تفتقر إلى المسؤولية والرؤية الإصلاحية. فحماية هذا القطاع تكون من خلال تنظيمه، وتطبيق الأنظمة مرعية الإجراء، ولا سيما لجهة حصر قيادة السيارات العمومية باللبنانيين وفق الأطر القانونية المعتمدة، وغيرها من الإجراءات.
ثالثًا: إنّ التفاوض مع صندوق النقد الدولي، بوصفه مدخلًا لإعادة ثقة المجتمع الدولي بالاقتصاد اللبناني وبمؤسساته، لا يُبرّر تبنّي توصياته أو شروطه بشكلٍ تلقائي. ذلك أنّ التجارب تظهر أنّ بعض برامجه المعتمدة في عدة دول أسهمت في تعميق الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية. الأمر الذي يتطلب مقاربة تُوازن بين متطلبات الإصلاح وحماية الاستقرار الاجتماعي.
الحاجة إلى رؤية شاملة وخطوات متكاملة
ما يزيد أزمة تصحيح الرواتب والأجور تعقيدًا هو ضرورة اقترانها برؤية اقتصادية شاملة تشكّل الممر الإلزامي للنهوض والتعافي، وذلك بالتزامن مع خطط لمواجهة التهرب الضريبي من ناحية، وتبسيط طرق تسديد المستحقات من ناحية أخرى، بالإضافة إلى ضرورة إعادة هيكلة الإدارة العامة والقيام بإصلاحٍ إداري يُعيد لهذه الإدارة فعاليتها، الأمر الذي يُبرز الحاجة إلى:
ــ رؤية اقتصادية متكاملة: لا بد للحكومة من وضع رؤية اقتصادية شاملة ومتكاملة، تستند إلى أهداف واضحة وقابلة للقياس، وموزعة في إطار زمني مرحلي يضمن تنفيذها بصورة متتابعة ومنسقة. ذلك أنّ غياب هذه الرؤية يُعد خللًا بنيويًا يُعيق بلوغ النتائج المرجوة ويُضعف فاعلية السياسات العامة في تحقيق النهوض الاقتصادي المنشود.
ــ مكافحة التهرب الضريبي: يجب أن تترافق مكافحة التهرب الضريبي مع تطوير آليات تحصيل الرسوم والضرائب بما يعزز الشفافية والكفاءة. الأمر الذي يتطلب تبسيط وتيسير وسائل الدفع، وتحديث أنظمة الجباية، بالتوازي مع تشديد الرقابة وتفعيل أدوات المساءلة بحق المتخلفين عن السداد، بما يرسّخ الامتثال الضريبي ويعزز عدالة النظام المالي.
ــ الإصلاح الإداري: إنّ أي معالجة جدية لملف الرواتب تستوجب ربطه بإصلاح إداري يرفع إنتاجية القطاع العام ويعيد هيكلة المؤسسات التي تعاني تضخمًا وظيفيًا أو ازدواجية في الصلاحيات، إذ يتحوّل تصحيح الأجور من عبءٍ مالي إلى استثمارٍ في الكفاءة الإدارية وجودة الخدمات العامة.
ــ تعذّر النمو المنشود: يظل هذا النمو بعيد المنال، ما دامت مداخيل شريحة أساسية من شرائح المجتمع لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من نفقاتها المعيشية. فاختلال التوازن بين المداخيل وتكلفة المعيشة لا يقتصر أثره على الأفراد فحسب، بل ينعكس سلبًا على ديناميات الاقتصاد الكلي، ويقوّض فاعلية السياسات التنموية، ويُضعف إمكان تنفيذ خطط النمو وتحقيق أهدافها.
للخروج من الحلقة المفرغة
إنّ إخراج تصحيح الرواتب والأجور من الحلقة المفرغة، حيث كل زيادة على الرواتب تستتبع زيادة في أسعار السلع والخدمات، يتطلب عددًا من الإجراءات من بينها:
ــ ربط الزيادات بمؤشر غلاء المعيشة: إقرار آلية تلقائية لتصحيح الرواتب ترتبط بمؤشر تضخم معلن ودقيق يصدر عن جهة إحصائية مستقلة، بما يمنع تآكل الأجور نتيجة التأخير السياسي، ويُحيّد ملف الرواتب عن التجاذب الظرفي، ويُحوّل التصحيح من قرار استثنائي إلى آلية مؤسسية مستقرة.
ــ تحفيز النمو كشرطٍ لاستدامة التصحيح: لا يمكن فصل مسألة الرواتب عن مسار النمو الاقتصادي. فكلما ارتفعت الإنتاجية وتوسعت القاعدة الاقتصادية، تراجعت الحاجة إلى تمويل الزيادات عبر ضرائب تضخمية. لذا، فإنّ تحفيز القطاعات الإنتاجية (الصناعة، الزراعة، التكنولوجيا، الاقتصاد الرقمي) يشكّل ركيزة أساسية لكسر الحلقة المفرغة على المدى المتوسط.
ــ تحديث النظام الضريبي: ثمة حاجة إلى إصلاح شامل للنظام الضريبي وتحديثه، بخاصةٍ في ما يتعلّق باعتماد مبدأ الضريبة التصاعدية على الأرباح والمداخيل المرتفعة، فيتحمل كل فرد الأعباء الضريبية التي تتناسب مع مستوى دخله وحجم ثروته، بدلًا من أن تتساوى الفئات ذات الدخل المحدود والأكثر هشاشة اجتماعيًا مع أصحاب الثروات والأعمال.
ــ تسريع تحصيل الرسوم المستحقة: ضرورة التسريع في تحصيل الرسوم المستحقة، بخاصةٍ على الأملاك البحرية، التي تُقدر بين 250 و500 مليون دولار، لأنها تُشكّل ما يوازي نصف قيمة الزيادة التي تم إقرارها. بالإضافة إلى غيرها من الرسوم المستحقة، لا سيما وأنّ أي تأخير في التحصيل يُعد هدرًا ماليًا له تداعياته المباشرة على التوازنات المالية العامة وإمكانات التمويل المستدام.
ــ تأمين موارد مستدامة: لا تقتصر الموارد المستدامة على البحث عن مصادر دخل جديدة، بل تتطلب تحفيز النمو وزيادة قدرات الاقتصاد الوطني الإنتاجية، وإعادة النظر في إدارة الدولة لأصولها وأملاكها العامة بإرساء إدارة رشيدة. كما تتطلب توسيع القاعدة الضريبية، واعتماد العدالة في توزيع الأعباء، والحد من الاختلالات الاجتماعية.
انطلاقًا مما تقدم، يُمكن القول إنّ الحلقة المفرغة التي تدور فيها الرواتب والأسعار ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة غياب التنسيق بين الأهداف الاقتصادية والسياسات المالية من ناحية، والدور المطلوب من القطاع العام وأجهزته العسكرية والأمنية من ناحية أخرى. وكسر هذه الحلقة يتطلب مقاربة متزامنة لا تُصحح الأجور بمعزلٍ عن الإنتاجية والنمو، ولا تُعالج العرض النقدي بمعزل عن متطلبات النشاط الاقتصادي.
في المقابل، لا بد من التأكيد على أنّ تصحيح الرواتب والأجور حق مشروع لموظفي القطاع العام والمتقاعدين، غير أنّ تكريسه بصورةٍ عادلة ومستدامة يقتضي التخلي عن منطق المعالجات الظرفية واعتماد منطق الإصلاح البنيوي. فالمسألة لا تتعلق بزيادة أرقامٍ على جداول الرواتب بقدر ما تتعلق بإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، عبر سياسة مالية عادلة، وإدارة رشيدة للموارد، ورؤية اقتصادية واضحة المعالم. من دون ذلك، ستبقى القرارات المالية تدور في حلقةٍ مفرغة، بين ضغط الشارع، وضغط الموازنة، وتآكل القدرة الشرائية، فيما يبقى النهوض الاقتصادي مؤجلًا.







