جان دارك أبي ياغي

هو أبو سليم (صلاح تيزاني)، أحد أعمدة الكوميديا اللبنانية، وواحد من وجوهها الملتصقة بذاكرة أجيال. رسم مسيرته بشغف مطلق متسلّحًا بالموهبة ومتدرِّعًا بالأخلاق والضمير المهني. اختار لنفسه ولفرقته الأسلوب السهل الممتنع في تقديم حكاياته وأحداث مسرحياته وحلقاته التلفزيونية، بقالب فكاهي محبَّب مِلؤُه العِبَر والحِكَم، فأبدع وحفر في الذاكرة مشاهد لا تُنسى.

بعد أن قضى أكثر من نصف عمره في أروقة التلفزيون وعلى خشبة المسرح وتحت أضواء السينما، محاولًا زرع الابتسامة والفرح بين الناس، يحظى اليوم صلاح تيزاني بمنصب الرئيس الفخري لنقابة الممثلين، ولمدى الحياة.
التقيناه فأدلى بكلام عن حياته في الفن، خميره الشهامة والمنطق والذكاء، وعجينه مجبول بالعرق والألم والوجع، فالفنّ «لا يُطعم خبزًا» كما يقول.

يروي الدكتور جان قسيس (نقيب ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون سابقًا)، عن نشأة أبي سليم وبداياته في كتابه «صلاح تيزاني (أبو سليم) ديلّلارتيه لبنان»، الصادر في العام 2019، الآتي: «وُلد «أبو سليم» في العام 1929 في مدينة طرابلس، شمال لبنان. والده أمين كان ضابطًا في الجيش العثماني، وبعد تسريحه عمل في تجارة الخضار وكان له شأنه في منطقته». من هنا، ربما، اكتسب صلاح الصغير روح القيادة، كما يقول لنا: «كنت أجمع رفاقي ولا أتوقَّف عن إعطائهم الأوامر وتركيب المقالب ضدهم».

ويتابع الدكتور قسيس فيصف صلاح بأنه «كان ذكيًا، لكنّه كسول يصرف طاقته على المشاغبة والشقاوة واللعب ومحاولة إضحاك رفاقه ومعلميه بأي طريقة. لذلك كان أول من يختاره معلّموه ليشارك في حفلة نهاية السنة ليقدم لوحات استعراضية، شعرًا وغناءً وتمثيلًا. وهذا ما «فتح شهيته» على الفن، إذ كان يعنيه تصفيق الناس له وتفاعلهم معه وإطراؤهم لموهبته. لكنّ والده كان له دائمًا في المرصاد، يعيِّره لكسله، ويأبى عليه «شغل التهريج».

البدايات

انتقل صلاح إلى مدرسة مار الياس للآباء الكرمليين (الطليان) في طرابلس حيث قيّض له فيها أن يلتقي أستاذًا أصبح لاحقًا من كبار مخرجي المسرح اللبناني، وهو الراحل نزار ميقاتي. وفي هذه المدرسة، التي كانت تشجِّع المواهب تحت إدارة «سنيور ليوني» الإيطالي، الذي كان يستحضر أعمالًا من أرشيف المسرح الإيطالي و«الكوميديا ديلّلارتيه»، فيترجمها ليقدّمها طلابه، من دون أن يعرفوا مصدرها أو أي شيء عنها.

في العام 1940، أقفلت مدرسة «الطليان» بسبب الحرب العالمية الثانية، وانتقل صلاح الطفل، ابن الحادية عشرة، إلى «المدرسة الأهلية» حيث كُلِّف مع بعض رفاقه إحياء ليالي السمر في المخيمات بأعمالٍ مسرحية حصدت إعجاب الجمهور، وحققت لصلاح الفتى، وكان قد بلغ السادسة عشرة، شهرة كبيرة، وراح الناس يتحدثون عنه وعن موهبته. ويوضح لنا أبو سليم أنه شعر حينها بمنتهى السعادة والفرح، قائلًا «اعتبرتُ أنّني بدأتُ أضع أقدامي على أولى درجات درب الفن الطويلة».

بات الفن هوسًا بالنسبة إلى صلاح تيزاني الذي عرف أنّ الموهبة وحدها لا تكفي وهي بحاجة إلى الصقل وفق ما يقول قسيس، فراح يسأل عن فِرَق مسرحية محترفة يعمل معها ويتعلّم منها شيئًا من أصول التمثيل. ثم تعرّف إلى رفيق الرفاعي، الذي أسّس فرقة تحت اسم «فرقة نبتون للتمثيل»، وانضم إليها إذ كان الرفاعي يقدم مسرحية درامية، أما أبو سليم فيقدم مسرحية كوميدية قصيرة (فاصل مضحك). وهكذا بدأ اسمه يلمع كنجم يُضحك الناس بسهولة، وحقق شهرة في منطقته.

في وقت لاحق، عرضت عليه «جمعية كشافة الجراح» في طرابلس، تحت اسم «فرقة النفير»، أن يشاركها حفلات السمر التي كانت تقيمها في البلدات المجاورة لطرابلس، فلبّى العرض. ونسأله عن هذه البدايات فيجيبنا قائلًا: «في الكشافة تعرّفتُ إلى بعض أعضاء الفرق التي أسّستُها لاحقًا تحت اسم «فرقة كوميديا لبنان»، ومنهم عبد الله حمصي (أسعد)، وأحمد الضابط (كوستي)، وزكريا عرداتي (جميل)، وغازي شَرَمَند (أمين)، وسمير شمص وسواهم… وباسم هذه الفرقة، رحنا نجول على مناطق الشمال بداية ونقدم العروض. ثم انتقلتُ بها إلى بيروت، بدعوةٍ من «كشافة الجرّاح» حيث قدمنا العديد من المسرحيات على مسرح «الفرير» في منطقة رأس بيروت تحديدًا. ولم تكن مسرحياتي الأولى طويلة متكاملة، بل كانت في معظم الأحيان «اسكتشات» منفصلة، أو مسرحيات قصيرة لا تتعدى الواحدة منها نصف الساعة، حيث كنا نقدم ثلاثًا منها في العرض الواحد. ومن أعمالي الأولى «المسافر»، «مدرسة القرية»، «هرّو هرّو»، «مدام روجينا»، «نعيم وفهيم».

أما عن كيفية اختيار أبطال مسرحياته فيخبرنا أبو سليم: «لم أختر شخصيات أعضاء فرقتي عن طريق الصدفة، إذ إنّ الأدوار التي أدّوها في التمثيل كانت تشبه إلى حد كبير شخصياتهم الأساسية في الحياة. فشخصية «أسعد»، هي نفسها شخصية عبد الله حمصي، وهو زوج أختي، الذي جاء بها مرة إلى بيت أهلي لتبقى بجانب أمي وحين عاد مساءً إلى بيته بحث عنها في كل مكان ولم يجدها. وعندما عاد إلى بيتنا فوجئ بها تفتح له الباب، فضحك. يومها قلت له: سأحمّلك ما حصل مدى الحياة وأعطيته دور الشخص الذي ينسى. أما «فهمان»، محمود مبسوط، فكان «محتالًا» في الحياة وفي التمثيل. و«شكري»، صلاح صبح، أقسم بالله إني أعرفه منذ خمسين عامًا ولم أرَ منه ليرة».

لم تكن حياة صلاح تيزاني ورديّة كما قد يظن البعض؛ فعلى الرغم من بعض الترف الذي حظي به، كان ابن عائلة مستورة، وابن بيئة محافظة ما كان الفنّ فيها أمرًا مشرّفًا. لذلك «عانيتُ -يخبرنا صلاح- معارضة أبي لي في هذا المضمار، كما عانيتُ ابتعاد أبناء أعمامي عني لاحترافي الفنّ».

تجربة المسرح والتلفزيون والسينما

مع انطلاقة تلفزيون لبنان في العام 1959 بدأ أبو سليم، كما يروي النقيب قسيس، العمل في التلفزيون ولم يجد مَن يكتب له نصوص الحلقات، ما اضطرَّه إلى كتابتها بنفسه، هو الذي لا يعرف تقنية الكتابة التلفزيونية. لذلك اتّبع النهج نفسه الذي اعتاده في المسرح، وكأنّه نقل المسرح إلى التلفزيون. وعن هذه الحقبة من حياته يُخبرنا صلاح تيزاني: «كنا نقدم حلقتنا ليلة السبت. ويوم الأحد أبدأ بالتفكير في الحلقة التالية بعد أسبوع. وكانت كتابتها تستغرق يومين أو ثلاثة لأطبعها لاحقًا وأوزّعها على الفرقة ليقرؤوها ويتعذّر عليهم حفظها سريعًا. فكنّا نلتقي لأضعهم في جو الموضوع، وعند العرض، مباشرة على الهواء، «الله بيدبّر». كنا نرتجل الحوار والحركة، يساعدنا في ذلك تناغمُنا وتفاهمُنا بعضنا مع بعض».

في التلفزيون، عُرفت فرقة صلاح تيزاني باسم «فرقة أبو سليم الطبل»، وهي الشخصية التي تلبّسها طوال حياته الفنية اللاحقة، وطغت على اسمه الحقيقي. وعلى امتداد ما يفوق الألفي حلقة تلفزيونية، لم يتخلَّ أبو سليم عن نمطه المسرحيّ، لدرجة أنّه قدّم، من ضمن برامجه التلفزيونية، واحدًا بعنوان «مسرح الفكاهة»، مباشرة في الاستديو في حضور جمهور محدود، واستمرّ لعامَيْن. ولا بدّ من الإشارة إلى لحظة لقاء صلاح تيزاني الأولى مع عالم التلفزيون، إذ قُدّر له أن يطلّ على شاشته في أول حلقة كوميدية تُبَثّ على الهواء مباشرة.

وهو يتحدّث عن هذه المرحلة، فيقول: «بعد عرض حلقتنا الأولى، غلَبَنا الشوق لمعرفة ردّ فعل الجمهور الذي سرعان ما التقيناه لدى خروجنا من مبنى التلفزيون حيث رأينا عشرات الأشخاص المتحلّقين في الشارع، وراحوا ينظرون إلينا في استغراب، كأنّنا مخلوقات من كوكب آخر، خصوصًا بعدما سمعوا اللهجة الشمالية الخاصة الجديدة عليهم». ومن أطرف عناوين الصحف الفنية التي كُتبت عن تلك الحلقة الأولى، هذا العنوان للصحافي الراحل جورج إبراهيم الخوري: «نجّارون من طرابلس نجوم تلفزيون في بيروت».

أعمال رائدة

من بين الأعمال التلفزيونية التي قدمها: «سيارة الجمعية»، «كل يوم حكاية»، «الأبواب السبعة»، «المليونير المزيف»، «فندق السعادة»، «أبو سليم 2000»، «أبو وسام» وغيرها. وكانت تُعرض بشكل أسبوعي حتى العام 1975 حيث توقف العرض لسنواتٍ عديدة بسبب الحرب اللبنانية.

وجدير بالذكر هنا، أنّ ما كان يتقاضاه أبو سليم وفرقته، ما كان ليُسمنَ أو ليُغنيَ عن جوع. فأول أجر تقاضته فرقة أبو سليم الطبل المؤلفة من 10 أشخاص، كان 250 ليرة أسبوعيًا عن كل حلقة تلفزيونية، أي بمعدل ألف ليرة في الشهر، فكان يوزّع عشر ليرات إلى هذا و12 ليرة إلى ذاك… وهو يقول: «لم نكن نهتم كيف سنعيش، وماذا سنفعل حين نكبر. الحلقات التي كانت تبث مباشرة على الهواء قبل العام 1969، أي قبل بدء تاريخ التسجيل، راحت هدرًا وكأنها ما كانت. لم نستطع يومًا أن نعيش من الفن. وفي العام 1969 أصبحنا نتقاضى 500 ليرة عن كل حلقة ونوزّع المبلغ في ما بيننا. كنا نقوم بإعلان من هنا وبحفلةٍ من هناك لنكمل الشهر».

كان الأجر مبلغًا زهيدًا بالليرات يكاد لا يكفيهم مصاريف الرحلة أسبوعيًا من طرابلس إلى بيروت. لكنّ صلاح، في غمرة انهماكه في هوسه الفني، ما تخلى لحظة عن أعماله التجارية في الموبيليا، فكان من أرباح عمله يقي نفسه الحاجة ويساعد زملاءه الفنانين، ويصرف على فنّه. وخلال نصف قرن تحوّل صلاح تيزاني فعلًا إلى «ظاهرة كوميدية» امتدّ وهجها إلى أجيال اليوم.

شهرة أبو سليم عبر التلفزيون، سرعان ما فتحت له باب السينما، فكان فيلمه الأول الذي كتب قصته بنفسه تحت عنوان «أبو سليم في المدينة» الذي أخرجه حسيب شمس. ثم كرّت عليه العروض، فصوّر فيلم «أبو سليم رسول الغرام» وبعده فيلم «أبو سليم في أفريقيا».
هكذا، وعبر تجربة غنية متنوعة، فرض صلاح تيزاني، صاحب 2500 حلقة تلفزيونية و900 حلقة إذاعية و17 مسرحية، نفسه سيِّدًا من أسياد الخشبة والشاشة ورمزًا من رموز الكوميديا اللبنانية والعربية الكبار.

ظاهرة فنان بالفطرة

في كتابه، تناول النقيب السابق جان قسيس بالبحث والدراسة ظاهرة الفنّان بالفطرة «أبو سليم» وعلاقته بالكوميديا ديلّلارتيه، التي أتاها من باب العفوية والبساطة، ومن دون سابق معرفة بأصولها وتقنياتها، وهي التي انتشرت من إيطاليا إلى سائر أوروبا منذ ما يزيد على خمسمئة عام خلت.

ويقول: «صلاح تيزاني، هذا الفنان الشعبي البسيط الذي عايشَتْ مسيرته الفنية الطويلة أجيالًا من اللبنانيين، في الوطن والمهجر، استطاع أن يسجّل اسمه في سجل الفنّ المشهدي في لبنان بأحرف من ذهب، كسواه من عمالقة الفن اللبناني الآتين، في غالبيتهم، من رحم الموهبة وحدها، وحلّقوا في فضاءاتنا الجميلة بلا ادّعاء، وبلا حقائب ثقافية أو فكرية أو معرفية».

ويضيف قسيس: «أما موضوع العلاقة بين صلاح تيزاني و«الكوميديا ديللارتيه»، فمسألة جرّتنا إليها تفاصيل عديدة عبر مواكبتنا لأعماله، وخصوصًا بعد تعرّفنا عليه من قرب يوم كنّا معًا في مجلس نقابة ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون في لبنان، في لقاءات يومية على مدى ثماني سنوات (2010-2018)، تأكّدت لنا عبقرية هذا الفنان الكبير، الذي طالما أحسسنا بأنّه نموذج حيّ من نماذج «الكوميديا ديللارتيه» الذي ما زال مجهولًا بالنسبة إلى كثيرين عندنا، وفي عالمنا العربي بشكلٍ عام، وقد قارعه «صلاح تيزاني» في عفوية مطلقة، من دون أن يعرف أنّه يقارع تاريخًا وتراثًا كبيرَين».

أبو سليم والأخوان رحباني

راقت ظاهرة أبو سليم للأخوين رحباني، عاصي ومنصور، فدعواه إلى مكتبهما وعرضا عليه العمل معهما في مسرحية «فخر الدين» فوافق. وشاركهما كذلك في مسرحية «ناس من ورق»، وفي فيلمَين سينمائيَّين: «سَفَر بَرلِك» و«بنت الحارس».