إحسان مرتضى – كاتب وباحث في الشؤون الإسرائيلية
بعد مرور نحو سنة على العدوان الإسرائيلي على غزة، حطّمت الحرب الدائرة دعائم الاقتصاد الإسرائيلي الذي فاقت خسائره المباشرة وغير المباشرة (انخفاض الاستثمار، وتعطيل سوق العمل، وبطء نمو الإنتاجية) كل الأرقام والإحصاءات السلبية التي سجلتها ”إسرائيل“ في جميع حروبها السابقة. وبات الاقتصاد الإسرائيلي يعاني الآن كثيرًا من الاضطرابات والتشوهات، في حين يمضي القادة الإسرائيليون قدمًا في هجومهم الشرس الذي لا تظهر حتى الآن أي علامة على نهايته، بل ينذر كل شيء بالتصاعد نحو صراع أكثر تفاقمًا وأوسع نطاقًا.
كشفت وكالة «بلومبرغ» الأميركية أنّ العدو الإسرائيلي يواجه معدلات مرتفعة وقياسية من التضخم وارتفاع الأسعار بسبب الحرب المستمرة. ووصفت الحرب الجارية بأنّها «أسوأ حرب تخوضها إسرائيل منذ نصف قرن»، مضيفةً أنّها أدّت إلى سلسلة من ردود الفعل التضخمية التي اتضحت أخيرًا، إذ طالب كثيرون المساعدة للتخلص من كابوس التضخم مع تزايد الغضب العام من تداعيات الوضعَين الأمني والاقتصادي.
الكلفة اليومية للحرب
من ناحية أخرى وفي إطار الاستعداد للانتقام، استدعت الحكومة الإسرائيلية 360 ألف جندي من قوات الاحتياط لينضموا إلى 150 ألفًا هم قوام جيش العدو الإسرائيلي. وهذه الأعداد الكبيرة تحتاج إلى تجهيزات وغذاء ومأوى إلى جانب سحبها من سوق العمل وتعطيل الأعمال التي كانت تقوم بها. وبحسب بيانات وزارة الأمن الإسرائيلية، فإنّ كلفة الحرب اليومية منذ 7 تشرين الأول حتى نهاية كانون الأول من العام 2023، بلغت مليار شيكل يوميًا (270 مليون دولار)، قبل أن تنخفض خلال العام 2024 لتصل إلى 350 مليون شيكل (94 مليون دولار). وقد سجّل الاقتصاد الإسرائيلي خسائر فادحة من بينها: حدوث انكماش قد يصل إلى 1,5 بالمئة في النمو بحال استمرار الحرب حتى نهاية 2024، كما حدوث عجز في الموازنة في العام نفسه يُتوقع أن يصل إلى 6,6 بالمئة، بالإضافة إلى تراجع عائدات الضرائب بقيمة 8 بالمئة و26 بالمئة زيادة في أرباح البنوك. وبالنسبة إلى الأثر المالي للحرب، فستبلغ تكلفتها هذا العام 56 مليار دولار تتضمن الدفاع والتعويضات. وبالنسبة إلى أداء القطاعات الاقتصادية، فقد سجل قطاع البناء حوالي 644 مليون دولار خسائر أسبوعيًا، ويصل النقص في اليد العاملة في هذا القطاع إلى 140 ألف عامل بالإضافة إلى تراجع دخل الإسرائيليين بنسبة 20 بالمئة، إلى جانب 15 بالمئة خسائر في الاستثمارات بقطاع التقنية الفائقة مع تراجع كبير في قطاعات السياحة والزراعة والطيران. وألحقت الحرب الضرر بآلاف الشركات الإسرائيلية الصغيرة، وأضعفت ثقة العالم الخارجي في اقتصاد كان ينظر إليه يومًا على أنّه يمتلك زمام المبادرة في ريادة الأعمال على المستوى العالمي. ولذلك، رأى بعض الاقتصاديين الإسرائيليين البارزين أنّ وقف إطلاق النار هو أفضل وسيلة لوقف نزيف هذا الضرر. وعلى وقع تكلفة الحرب الباهظة والهزات الصادمة التي أصابت اقتصاد «إسرائيل» البالغ 488 مليار دولار، تهاوى سعر صرف الشيكل إلى أدنى مستوياته أمام الدولار منذ العام 2012 إذ وصل إلى 4.08 شيكل، ليعود ويبلغ عتبة الـ3.72 شيكل نهاية تشرين الثاني الماضي. ولم تُفلح جميع الإجراءات الإسعافية التي اتخذها البنك المركزي في إعادته إلى مستوياته السابقة على الرغم من ضخّه حزمة دعم بلغت نحو 45 مليار دولار لمساعدة العملة والاقتصاد على الصمود. وفي خطوة هي الأولى من نوعها قام البنك المركزي ببيع 8.2 مليار دولار من النقد الأجنبي في تشرين الأول للدفاع عن الشيكل، مما أدى إلى تراجع الاحتياطي بقيمة 7.3 مليارات دولار مُسجلًا 191.235 مليار دولار.
تهدئة في غير محلّها
لقد سعى رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو إلى تهدئة المخاوف من خلال تصريحات مفادها أنّ الأضرار الاقتصادية مؤقتة فقط. لكن كارنيت فلوغ، المحافظة السابقة للبنك المركزي الإسرائيلي، قالت: «إنّ الاقتصاد يعاني حالة واسعة من عدم اليقين، ويرتبط الأمر بالوضع الأمني، أي بمدى استمرار الحرب، وقوتها، وبحالة تزايد التصعيد». وقال يعكوف شينين، الخبير الاقتصادي الإسرائيلي ومستشار رؤساء وزراء إسرائيليين ووزراء على مدى عقود: «إنّ التكلفة الإجمالية للحرب قد تصل إلى 120 مليار دولار، أو 20% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد». ومن بين الدول الأعضاء الـ 38 في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، شهد الاقتصاد الإسرائيلي أكبر تباطؤ في الفترة الممتدة بين نيسان وحزيران من هذا العام. وكان من المتوقع أن ينمو إجمالي الناتج المحلي الإسرائيلي بنسبة 3% في العام 2024، بينما يتوقع بنك إسرائيل المركزي الآن ألّا يتجاوز معدل النمو 1.5% في حال انتهت الحرب هذا العام.
خفض التصنيف
خفضت وكالة فيتش تصنيف «إسرائيل» من A+ إلى A في وقت سابق بعد تخفيضات مماثلة من وكالتي ستاندرد آند بورز، وموديز. وقد يؤدي خفض التصنيف هذا إلى رفع تكاليف الاقتراض الحكومي. وحذّرت وكالة فيتش في مذكرتها من خفض التصنيف بسبب احتمال إنفاق عسكري إضافي كبير، وتدمير البنية التحتية، ومزيد من الأضرار المستمرة للنشاط الاقتصادي والاستثمار، مضيفة أنّه «من وجهة نظرنا، يمكن أن يستمر الصراع في غزة حتى العام 2025.» وفي إشارة أخرى مثيرة للقلق، أعلنت وزارة المالية الإسرائيلية مؤخرًا أنّ العجز في البلاد خلال الأشهر الإثني عشر الماضية ارتفع إلى أكثر من 8% من إجمالي الناتج المحلي، وهو تجاوز أكبر بكثير من عجز بنسبة 6.6% من إجمالي الناتج المحلي التي توقعتها الوزارة للعام 2024. وأدى خفض التصنيف الائتماني والعجز في الموازنة إلى تكثيف الضغوط على الحكومة الإسرائيلية لإنهاء الحرب وخفض العجز، ما قد يتطلب اتخاذ قرارات لا تحظى بشعبية، مثل زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق. إلا أنّ نتنياهو، الذي يعاني عجزًا عسكريًا وتهمًا خطيرة بالفساد، بحاجةٍ إلى الإبقاء على ائتلافه قائمًا، كما أنّ وزير المالية المتشدد، بتسلئيل سموتريتش يطالب باستمرار الحرب حتى إحراز «النصر الكامل» والقضاء التام على حماس. وفي غضون ذلك، أغلقت عدّة شركات صغيرة أبوابها بعد استدعاء أصحابها وموظفيها للخدمة العسكرية كجنود احتياط، بينما يعاني الباقون أعباء تباطؤ الاقتصاد. كما أنّ انعكاسات الحرب طالت أيضًا الميزانية العامة في «إسرائيل»، إذ ارتفع العجز اعتبارًا من تشرين الأول 2023، بنسبة 397 في المئة على أساس شهري، بفعل النمو في النفقات الناتجة عن تمويل الحرب في غزة. أمّا في ميزانية العام 2024 فسجّلت التوقعات عجزًا بنحو 115 مليار شيكل (نحو 29 مليار دولار). ويتوقع مراقبون أن يكون العام 2025 عام ضياع اقتصادي، مع ارتفاع عجز الموازنة مما سيفضي في النهاية إلى مزيد من التدهور في نسبة الدين العام مقارنة بالناتج المحلي، وربما مزيد من خفض التصنيف الائتماني لـ «إسرائيل». ومن المتوقع أن تنخفض الإيرادات الضريبية بأكثر من 10 في المئة، بسبب الشلل الذي يصيب كثيرًا من القطاعات الإنتاجية والخدماتية من جراء تجنيد مئات الآلاف من جنود الاحتياط، وتوقف الإنتاج في المناطق الواقعة قرب قطاع غزة والحدود اللبنانية فضلًا عن تراجع الاستهلاك بشكلٍ كبير، وارتفاع البطالة التي تقلص عائدات ضريبة الدخل. وقد أشارت الإحصاءات إلى أنّ 20 في المئة من القوى العاملة في «إسرائيل» أصبحت عاطلة عن العمل، أي ما يعادل مليون عامل.
توقعات وتصدّعات
وسط هذه الخسائر الفادحة، أشارت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، إلى أنّ بعض المسؤولين الإسرائيليين يتوقعون استمرار الحرب في غزة لأكثر من عام. والحقيقة أنّ استمرارها أكثر من ذلك من شأنه أن يؤدي إلى انهيار الاقتصاد الإسرائيلي، من جراء استدعاء عدد كبير من جنود الاحتياط الذين يكلفون الميزانية الإسرائيلية رواتب شهرية بقيمة 1.3 مليار دولار، إضافة إلى تكبّد سوق العمل في «إسرائيل» خسائر أسبوعية بقيمة 1.2 مليار دولار بسبب تراجع الإنتاجية نتيجة انسحاب هؤلاء الجنود من الحركة الاقتصادية. وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» فإنّ فاتورة الحرب التي تشمل الإنفاق على تعبئة جنود الاحتياط والعمليات العسكرية وإعادة بناء المستوطنات ودعم الاقتصاد ومساعدة المواطنين ستصل إلى أكثر من 150 مليار شيكل في هذا العام. وتشير تقديرات البنك المركزي الإسرائيلي إلى أنّ كلفة الحرب ستتجاوز 67,4 مليار دولار بحلول العام 2025.
وأعلنت وزارة المالية الإسرائيلية عن تسريح نحو 46 ألف عامل إسرائيلي منذ اندلاع الحرب، إضافة إلى خسارة «إسرائيل» نحو 950 ألف وظيفة في سوق العمل. وأشارت الأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاء المركزي إلى أنّ نحو 760 ألف إسرائيلي غائبون عن سوق العمل بسبب الحرب (18 في المئة من قوة العمل)، بمن فيهم أولئك الذين حصلوا على إجازة غير مدفوعة الأجر والذين انخرطوا في الخدمة العسكرية الاحتياطية. وبالإضافة إلى ذلك، أظهرت بيانات موقع صحيفة «غلوبس» المتخصص في الاقتصاد الإسرائيلي، إلى ترك ما يقارب من 20 إلى 25 ألف عامل آسيوي وظائفهم، معظمهم يعملون في القطاع الزراعي، في حين غادر البعض منهم إلى بلدانهم الأصلية خوفًا من الحرب. وأشار الموقع إلى أنّ ميزانية وزارة المالية لا تتضمّن جميع بنود الإنفاق الحكومي الرئيس مثل دفع رواتب جنود الاحتياط في الجيش، وإجلاء نحو 90 ألف شخص، بالإضافة إلى الخسائر الجسيمة المسجلة جرّاء توقف القطاع الزراعي وتراجع أداء القطاع الصناعي والتوقف الكامل لقطاعات اقتصادية رئيسة مثل السياحة والنقل والبناء والتشييد والتي تمثل نحو 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي الختام، يمكن القول إنّ الحرب أظهرت أنّ حجم الأزمة على العدو الإسرائيلي لم يقتصر على الفشل الأمني والاستخباراتي، بل امتد إلى عمق الاقتصاد الإسرائيلي، الذي أثبت ضعفه وأثار كثيرًا من الشكوك حول مدى قدرته على الصمود والتحمّل أكثر مما تحمّل حتى الآن، وبالتالي أصبحت كلفة الحرب في المرحلة الراهنة، أكثر مما كان متوقعًا في البداية، ويزداد تأثيرها السلبي أكثر فأكثر في المستقبل على الأنشطة الاقتصادية المختلفة وعلى المالية العامة.






