علياء المبيّض – اقتصادية متخصصة بالأسواق الناشئة
يشهد الاقتصاد العالمي تحديات غير مسبوقة على المديَين القصير والمتوسط، تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والتطورات السياسية والجيوسياسية بشكل معقّد، ما يخلق حالة من عدم اليقين ويزيد من المخاطر في الأسواق المالية. بين ترقّب الأسواق العالمية لخطوات الفيدرالي الأميركي المقبلة في ظل انخفاض التضخم، وتفاقم النزاعات الجيوسياسية في مناطق حساسة، تتجه الأنظار نحو التأثيرات العميقة لهذه التطورات على الاقتصاديات المتقدمة والناشئة على حد سواء، وصولًا إلى الدول العربية التي تتباين قدراتها على مواجهة هذه التحديات.
تترقّب الأسواق بحذرٍ خروج الاقتصاد الأميركي من مرحلة تشدّد السياسة النقدية (monetary policy tightening) إذ استمر الفيدرالي الأميركي في رفع الفائدة منذ العام 2021 بهدف لجم التضخم بعد أن تخطّى عتبة الـ 7% ليصل إلى 9,1 % في حزيران من العام 2022، وهو أعلى مستوى له منذ سنوات. وبفضل هذه السياسة، انخفض التضخم منذ بداية العام 2023، ليصل إلى 2,9 % في تموز 2024. وبذلك أصبحت الأسواق تترقّب إشارات حول توجّه الفيدرالي إلى خفض الفائدة ابتداءً من شهر أيلول، خصوصًا بعد التراجع الحاصل في أسعار النفط العالمية. وجاءت بعض الأرقام المتعلقة بضعف مستويات التوظيف في سوق العمل الأميركي لتشير إلى إمكان السير بهذا الاتجاه قريبًا، بهدف تنشيط النمو الاقتصادي.
من جهة أخرى، ترفع المخاطر السياسية والجيوسياسية مستوى التحديات أمام الأسواق. فالضبابية حول نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية في ظل الانقسام الداخلي، وتعاظم مخاطر الحروب في أوكرانيا وفلسطين المحتلة، تزيد من تعقيد المشهد العالمي. هذه العوامل، إضافة إلى مسار خفض الفائدة في الولايات المتحدة، ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الأسواق والبورصات العالمية على المديَين القصير والمتوسط، كما ستؤثر على المنحى الاقتصادي الذي ستنتهجه السلطات في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء.
حالة ترقّب في الدول المتقدمة
في الدول المتقدمة، بدأ بعض المصارف المركزية في خفض الفائدة استجابةً لانخفاض مستويات التضخم. فالمصرف المركزي الكندي والبنك المركزي الأوروبي خفّضا الفائدة في شهر حزيران نظرًا لتراجع مستويات التضخم، فيما قام بنك إنكلترا بتخفيض الفائدة في شهر آب لأول مرة. في المقابل، فإنّ ارتفاع التضخم مجددًا في اليابان، دفع بالبنك المركزي الياباني إلى إعادة رفع الفائدة لمنع تدهور قيمة الين مقارنةً بالدولار الأميركي، ما أثار ذعرًا في الأسواق المالية ما لبث أن اختفى مع تبدّد مخاوف المستثمرين.
ومن المتوقع أن تبقى الأسواق في حالة ترقّب نظرًا إلى المخاوف متعلقة بفوز المرشح دونالد ترامب، إذ يمكن أن تؤدي سياسته إلى حروب تجارية جديدة مع الصين، ما قد يؤثر سلبًا على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وبالتالي يعيد التضخم مجددًا، كما يعيق استراتيجية المصارف المركزية القائمة على خفض الفوائد بشكل تدريجي.
البلدان الناشئة: العين على الصين
على الرغم من استمرار التشدّد النقدي في البلدان المتقدمة في النصف الأول من العام 2024، والذي أثّر سلبًا على آفاق النمو العالمي، فقد تمكنت البلدان الناشئة من المحافظة على مستويات نموّ مرتفعة تقارب 4,2 % على أساس سنوي، أي بمستويات العام الماضي. غير أنّ تباطؤ النموّ في الصين وبلدان آسيا قد يغيّر المشهد في نهاية العام. كذلك، وعلى الرغم من تراجع مستويات التضخم في معظم البلدان الناشئة، فإنّها ما زالت مرتفعة نسبيًا، ما يجعل المصارف المركزية تتريث في خفض الفائدة مجدّدًا، وانتظار ما سيفعله الفيدرالي الأميركي في الربع الرابع من العام الحالي.
وبما أن الفيدرالي قد لا يبدأ بتخفيض الفوائد قبل كانون الأول من العام الحالي، فسوف تتأخر عودة السياسات النقدية في البلدان الناشئة إلى طبيعتها (Monetary policy normalization) ما قد يؤثر سلبًا على مناخ الاستثمار فيها، كما سيتأثر الأخير بضبابية المشهد السياسي في عدة بلدان شهدت انتخابات مهمّة، ولا سيّما في جنوب أفريقيا، الهند والمكسيك وانعكاس ذلك على منحى السياسات المالية ومسار تطبيق الإصلاحات الهيكلية.
وجدير بالذكر أنّ تباطؤ النمو في الصين وبلدان مجموعة العشرين، سيترك تداعيات على البلدان النامية، علمًا أنّه بعد دخول الصين منظمة التجارة العالمية في العام 2001، استطاعت البلدان النامية في مجموعة العشرين من مضاعفة حصّتها من مجمل التجارة العالمية، والاستثمار الأجنبي المباشر، وهي الآن تمثّل ثلث الناتج المحلي العالمي ومعقلًا مهمًّا للإنتاج الصناعي ومركز ثقل لسلاسل الإمداد العالمية.
بالإضافة إلى تحديات النمو والتضخّم، ما زالت معظم البلدان النامية تواجه مخاطر متعلقة بمستوى المديونية التي تعاظمت بفعل تداعيات تفشّي وباء كوفيد 19 وحرب أوكرانيا التي رفعت أسعار المواد الأولية ولا سيما النفط والقمح بين العام 2020 و2024. فقد ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي في البلدان النامية من 55 % في 2019 إلى 68 % في 2023، ولا سيّما في البلدان ذات الدخل المتوسط والضعيف، ما دفع عددًا منها إلى التخلّف عن دفع ديونها. غير أنّ مبادرة مجموعة العشرين لمعالجة ديون البلدان النامية، ساعدت بلدان مثل زامبيا، غانا وأثيوبيا في إعادة هيكلة ديونها. ومع ذلك، تبقى مشكلة المديونية التحدي الأكبر للبلدان النامية في ظلّ مستويات الفائدة العالمية المرتفعة ومخاطر عودة التضخم في حال استمرت الاضطرابات الجيوسياسية على حالها.
الدول العربية: تأثير متفاوت
تواجه اقتصادات الدول العربية التحدّيات نفسها التي تعانيها الدول النامية الأخرى. فتباطؤ النمو في الصين يؤثر على أسعار النفط، في حين يضغط تأخير خفض الفائدة الأميركية على كلفة التمويل الخارجي للبلدان ذات الاحتياجات التمويلية الكبيرة مثل مصر. كما أنّ التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر والحرب في غزّة تقوّض حركة التجارة والاستثمار في معظم البلدان.
إنّ استمرار حالة عدم اليقين هذه تؤثر بشكل متفاوت على اقتصادات المنطقة ونظرة الأسواق المالية إليها. فمعظم اقتصادات بلدان الخليج تجد نفسها في موقع قوي بفعل مستويات دين منخفضة واحتياطات كبيرة من النقد الأجنبي في مصارفها المركزية. ففي المملكة العربية السعودية، يصل إجمالي الدين العام إلى 27% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما يصل إلى 37% في قطر و30% في الإمارات العربية المتحدة. بالمقابل وصلت احتياطات النقد الأجنبي إلى 445 مليار دولار في المملكة العربية السعودية وحوالى 200 مليار دولار في الإمارات وفي صناديق الثروة السيادية التابعة لها.
كذلك ستستفيد بلدان الخليج من خفض الفيدرالي للفوائد بشكل يسمح لها بخفض الفائدة في بلدانها بعد هبوط التضخم لديها، مّما سينعش حركة التسليف المصرفي الضروري لنمو القطاعات غير النفطية. وسيكون لقرار مجموعة OPEC للإنتاج النفطي في العام 2025 تأثيرٌ إيجابي على نموّ القطاع النفطي ممّا سيدعم مستويات النمو الإجمالية لهذه البلدان ولا سيّما في المملكة العربية السعودية إذ من المتوقع أن يصل النمو في العام 2025 إلى 4,7 مقابل نمو بوتيرة 1,7% فقط في العام 2024.
أما البلدان غير المصدّرة للنفط، والتي ترزح تحت ثقل مديونية عالية وتعاني شحًا في مصادر التمويل الخارجي، فمن المتوقع أن تستفيد من توجه خفض الفوائد العالمية. فمعظم هذه البلدان، مثل الأردن، مصر، تونس، المغرب وباكستان لديها احتياجات تمويلية خارجية كبيرة (تصل في حالة مصر إلى 25 مليار دولار أميركي في السنة على سبيل المثال)، هذه الاحتياجات تمثل العجز في الميزان التجاري لميزان المدفوعات ومقتضيات تسديد الديون الخارجية. وقد ساهم انخراط مصر والأردن في مسار الإصلاحات الهيكلية ضمن برامج مع صندوق النقد الدولي، في الحد من التداعيات السلبية لحرب غزة على اقتصادهما، وذلك عبر تسهيل حصولهما على تمويل طويل الأمد وذي كلفة متدنية من مصادر مختلفة، ولا سيما بنوك التنمية الإقليمية وقروض ميسّرة من قبل الاتحاد الأوروبي واليابان وبلدان الخليج.
في الواقع، قامت الإمارات العربية المتحدة بإبرام صفقة استثمارية بقيمة 35 مليار دولار أميركي في شهر آذار، تقضي بشراء حق تطوير منطقة رأس الحكمة العقارية على الحدود مع ليبيا. وسمح هذا الاستثمار المباشر بخفض التزامات مصرف مصر المركزي تجاه الإمارات بحوالى 11 مليار دولار أميركي. من جهةٍ أخرى، ضخت الصفقة حوالى 24 مليار دولار نقدًا ما سمح بتخفيض الدين العام من 99% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 93% في غضون ثلاثة أشهر. بذلك تمكنت مصر من تفادي أزمة مالية ومصرفية وأعادت الانتظام إلى سوق القطع بعد انخفاض حاد بقيمة الجنيه.
أين لبنان من هذه التطورات؟
لا شك أن اقتصاد لبنان يشكل حالة استثنائية لا يمكن مقارنتها بأي بلد آخر في هذه المرحلة للأسف. فلبنان هو البلد الوحيد في تاريخ الاقتصاد العالمي الذي دخل في أزمة مالية ومصرفية حادة أتت نتيجة تراكم خسائر فاقت السبعين مليار دولار في نظامه المصرفي على أثر تثبيت سعر الصرف عبر هندسات مالية مكلفة وفساد وسوء إدارة، ولا يزال يتخبط بها للسنة الخامسة على التوالي من دون أن تتخذ حكومته ومصرفه المركزي أي إجراءات. كما أنّ لبنان هو البلد الوحيد الذي لم يحرز أي تقدّم في مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي حول برنامج إصلاح هيكلي يسمح بإعادة هيكلة النظام المصرفي ومصرف لبنان لتوزيع الخسائر بطريقة عادلة تجاه المودعين وبشكلٍ يحفظ استدامة الدولة. كذلك، لم تقم السلطات اللبنانية بوضع خطة اقتصادية لبدء التفاوض مع دائنيه لهيكلة حوالى 45 مليار دولار من السندات وفوائدها المتراكمة منذ العام 2020 أسوةً بدولٍ أخرى تخلّفت هي أيضًا عن دفع ديونها في آذار 2020 أو بعد ذلك كما يبيّن الجدول أدناه. فهذه الإجراءات ضرورية لإعادة نهوض الاقتصاد وتمتين قدرة مؤسسات الدولة على أداء دورها الأمني والاقتصادي والاجتماعي المطلوب لمواجهة المخاطر والتحديات المتعددة التي تهدّد الأمن القومي والإنساني. ويكفي النظر إلى تدهور المؤشرات التنموية في المجالات كافةً لتقدير كلفة تعطيل مسار الإصلاحات.
في ظل هذا الوضع الاستثنائي، وبالمقارنة مع ما تشهده الدول الناشئة الأخرى، يجد لبنان نفسه في موقع أضعف وغير مؤهل للاستفادة من التحولات القادمة المتعلقة بدخول الاقتصاد العالمي في مرحلة خفض الفوائد في كل من الدول المتقدمة والناشئة، وتحسن شروط التمويل الخارجي للبلدان النامية. فلبنان سيحتاج إلى خمس سنوات على الأقل لوضع خطة شاملة يتوافق عليها اللبنانيون تكون أساسًا للتفاوض مع صندوق النقد والدائنين، وتسمح بإعادة رسملة مصرف لبنان واستعادة مصداقيته كهيئة ناظمة للقطاع المصرفي بعد الأزمة، إلى جانب إعادة هيكلة القطاع العام وإصلاح النظام الضريبي بهدف تحفيز النمو في الاستثمار الخاص من جهة، وتمويل شبكات الأمان الاجتماعي من جهة أخرى. المهمة صعبة جدًا ولكنها غير مستحيلة.





