د. تراز منصور

الشركات التكنولوجية والاحتكار

تسيطر خمس شركات تقنية عملاقة – مايكروسوفت، جوجل، آبل، أمازون، وفيسبوك – على السوق العالمي بقيمة سوقية تبلغ نحو 4 تريليونات دولار، وهي تتحكم بالعالم الرقمي. في قطاع البرمجيات تسيطر «مايكروسوفت»، فيما تتصدر «أمازون» قطاع التجارة الإلكترونية، أما «غوغل» فتقع في الطليعة في مجال محرّكات البحث وتطبيقات الهواتف الذكية. وتسيطر «فيسبوك» في قطاع تطبيقات التواصل الاجتماعي، أما في مجال الأجهزة الذكية فالريادة لـ «آبل».

يندر أن يصادف شخص في العالم لا يستخدم تطبيقات هذه الشركات الخمس. فقد أتاح لها انتشارها الواسع وقوتها المفرطة احتكار الأسواق، والتحكم في تنافسية السوق إلى حد يصعب معه منافستها، ما أدى إلى رفع عديدٍ من قضايا الاحتكار ضد ممارساتها غير العادلة.

للتكنولوجيا إيجابياتها ومخاطرها على حدٍّ سواء. فهي من جهة تُسهم في تطوير الاقتصادات ونموها، ومن جهة أخرى قد تتسبب، من خلال أخطاء بسيطة، في تكبيدها خسائر فادحة، كما حصل في التاسع عشر من تموز الماضي. ففي لحظةٍ واحدة، بدا وكأنّ النظام العالمي كلّه تعرض لـ«سكتة دماغية» شلّت القطاعات الحيوية: من المصارف وشركات الاتصالات إلى المطارات والمؤسسات الإعلامية والمستشفيات والجامعات… كل ذلك جرّاء خطأ تقني بسيط حصل خلال تحديث أجرته شركة الأمن السيبراني كراودسترايك CrowdStrike لشركة مايكروسوفت على برنامجها الخاص بالحماية من الهجمات الإلكترونية، يوم الجمعة في 19 تموز الفائت.

أدى هذا الخطأ إلى سلسلة من الأعطال في الخدمات على نظام Windows، ما تسبب في انهيار أسهم شركة «مايكروسوفت»، إذ خسرت الشركة التي تقدّر قيمتها السوقية بنحو 3.2 تريليون دولار ما يزيد عن 23 مليار دولار على الفور بعد هبوط قيمة أسهمها بأكثر من ثلاثة في المئة في التداولات المستقبلية المبكرة.

واللافت أنّ المتضررين كانوا جميعهم تقريبًا من العالم الغربي، باستثناء العملاقين الشرقيين: روسيا والصين، في حين أن الدول العربية كانت إلى حدّ ما بمنأى عن هذه الأزمة. ويعود ذلك لسببين: الأول أنّ حضور شركة كراودسترايك ضعيف جدًا في الدول العربية، ومن بينها لبنان، والثاني أنّ الشركات العربية المتعاقدة معها لا تعمل أصلًا يوم الجمعة.

هذا الحدث أثار تساؤلات حول مسألة الاحتكار لشركة مايكروسوفت، وما إذا كان له دور في الخسائر الضخمة التي تكبّدها الاقتصاد العالمي، وما زالت التحقيقات السرية جارية في هذا السياق.

السبب هو الريادة وليس الاحتكار

اعتبر رئيس مجلس إدارة ومدير عام شركة Born Interactive السيد فادي صباغة أنّ قضية العطل التقني لشركة مايكروسوفت لا تتعلق بالاحتكار بقدر ما هي مرتبطة بريادة الشركة التي تمتلك أكثر من 80% من الأسهم عالميًا، إضافةً إلى القيادة والقدرة التسويقية الكبيرة وجودة المنتجات.

ورغم تأكيده على خطورة الاعتماد الكبير على التكنولوجيا، فقد أوضح «إنّ التكنولوجيا شرّ لا بدّ منه»، مشدّدًا على ضرورة اتخاذ المسؤولين الاحتياطات اللازمة لتفادي الأعطال التقنية التي تسهم في تعطيل الأعمال عبر النظام العالمي الذي يستخدم الـ windows، والتخفيف من تأثيره عبر العالم.

وأشار صباغة إلى خطر الذكاء الاصطناعي الكبير على الإنسانية في ظل غياب الحلول، لكنّه في المقابل أكّد استحالة أن نكون خارج اللعبة التكنولوجية، مشددًا على أهمية الاستفادة من هذا الذكاء رغم التحديات التي يفرضها تطوره، ودعا الجميع إلى إجادة الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا.

لأخذ العِبر

من جهته، أوضح الخبير في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عامر الطبش أن الخطأ التقني الذي عطّل الأعمال عالميًا لا يعني بالضرورة أن مايكروسوفت تحتكر السوق، وإنما يعكس نجاح منتجاتها التي جعلتها الشركة الرائدة في مجال الكمبيوتر منذ تأسيسها في العام 1984، إذ إنّها تمتلك 85% من أسهم سوق الكومبيوتر في العالم، ولا منافس لها سوى شركة Apple والمشغّل MAC الذي يمتلك 15% من هذه الأسهم عالميًا.

وأضاف أنّ جودة منتج شركة مايكروسوفت، دفع بجميع المؤسسات في العالم، من مطارات إلى بورصات ومدارس وجامعات ومستشفيات، إلى استخدام نظام Windows، مشيرًا إلى أنّ شركة Apple، المنافس الوحيد لمايكروسوفت، لا تنوي الدخول في مجال الشركات، إذ إنّها لا تمتلك نظامًا متكاملًا على المنتجات السحابية icloud، وتكتفي بصناعة المُنتجات الشخصية.

ولفت الطبش إلى أهمية أخذ العِبر من خطورة الخطأ الذي عطّل الأشغال في العالم وتفاديه مستقبلًا، مشدّدًا على أنّ الأخطاء الكبيرة غير مقبولة. واقترح أن تقتصر عمليات التحديث مستقبلًا على عدد من الكومبيوترات (400 كمبيوتر مثلًا) والتأكد من عدم وجود شوائب في التحديث قبل تعميمه عالميًا، كما أمل وضع الخطط المستقبلية في هذا الإطار. وفي السياق، تطرق إلى التحقيقات السرية الجارية بسبب الخسائر الكبيرة الناجمة عن هذا الخطأ والمقدّرة بالمليارات، لافتًا إلى إمكان طلب التعويضات من شركة مايكروسوفت.

وفي ما يتعلق بلبنان، أكد أنّ تأثير العطل كان محدودًا إذ استمر لمدة أربعين دقيقة فقط واقتصر على مطار بيروت، وبشكلٍ طفيف على مصرف لبنان والبورصة، نظرًا إلى انعدام المكننة الشاملة. وأوضح أنّ المفارقة تكمن في أنّ أنظمة الحماية هي التي تسببت بالعطل العالمي عن غير قصد.

وفي الختام، لا بدّ للعالم من الوقوف للحظات وتقييم الواقع أمام التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، لنواحي الإيجابيات والمخاطر ومصير الاقتصاد والبشرية.