يُحسب للعماد جوزاف عون أنّه على الرغم مما يفرضه عليه موقعه من وجود دائم في مقر القيادة، حرص كل الحرص على تضمين جدول أعماله الجولات الميدانية بشكلٍ متواصل. أكثر من مرة أكّد مدى حرصه على البقاء في تواصل مباشر مع العسكريين على الأرض، لم يكتفِ بخلاصات التقارير أو بما يزوّده إياه قادة الوحدات في لقاءاتهم الدورية معه. هو من أمضى سنوات طويلة في الخدمة بين العسكريين على الأرض كان يشتاق إلى الحرية التي يشعر بها خارج المكتب، وكان يشعر بأهمية أن يكون قرب رجاله في جميع الظروف.
ها هو في قطعةٍ مهنئًا على إنجاز حققه عسكريوها، وفي أخرى مطلعًا على أحوالها وحاجاتها. وفي ثالثة قدمت الشهداء خلال تنفيذ مهمة ملاحقة إرهابيين أو متورطين في تصنيع المخدرات أو الإتجار بها وسواهم ممن يشكلون خطرًا على أمن المجتمع وسلامته، وهذا موضوع أولاه الكثير من الأهمية… وفي رابعة أضافت إلى منشآتها مرفقًا أو قسمًا جديدًا، وفي خامسة وسادسة… دائمًا كان هناك ما يدعوه إلى الخروج للقاء العسكريين حيث هم، في أعلى الجرود أو في بيروت وطرابلس وبعلبك وصور وصيدا وجونيه وأينما وُجد مركز عسكري.
كم كان يفرح حين يلتقي رفاق سلاح خدموا معه في هذه القطعة أو تلك، يعرفهم واحدًا واحدًا، يسأل عن أحوالهم. «أنا واحد منكم» يقول في واحدة من جولاته في فترة تراكمت فيها الصعوبات والمهمات والهموم. يؤكد لهم أنّه يدرك ما يعانونه وما يهجسون به وما يقلقهم. ودائمًا يعد بأنّه لن يوفر وسيلة لجعل الأمور أفضل وأسهل. وعد الحر دين وقد وفى به.
الوفاء لتضحيات الشهداء الأوفياء لقسمهم يتجسّد ليس فقط في إحياء ذكراهم، وإنما في رعاية عائلاتهم. وهذا ما تجلّى بوضوح في حضور العماد جوزاف عون وسط عائلات العسكريين الشهداء، ليس فقط في المناسبات الرسمية والأعياد وإنما في بيوتهم أيضًا. في حضرة الشهادة وأمام دمعة أم أو أب أو زوجة أو طفل… تنهار كل موجبات التحفّظ التي يفرضها المركز. تخرج إلى العلن شخصية الإنسان العطوف المكتنز بالعاطفة النبيلة. كم رأيناه يحتضن الصغار ويواسي الأمهات وكأن كلًا منهن أمه، وكم رأينا في عينيه دمعة لم يستطع حبسها. دائمًا معكم وإلى جانبكم، ذاك هو الشعار الذي تجسّد حضورًا ورعاية واهتمامًا واحتضانًا أبويًا مستمرًا. فدماء الشهداء أمانة تُصان وجسر يربط الماضي بالحاضر ليستمر الإرث حيًا.




