نصمد وننهض­

د. إلهام نصر تابت
في 13 نيسان 1996 قتل العدو الإسرائيلي في بلدة المنصوري جنوبي لبنان امرأتين وأربعة أطفال عندما استهدف سيارة إسعاف كانت تقلّهم… صورة مجزرة المنصوري هزّت العالم وأحدثت زلزالًا في الضمائر، تلك الهزّة تبعتها أخرى أكثر شدّة عندما ارتكب العدو الإسرائيلي مجزرة قانا، فقصف (في 18 نيسان) مركزًا تابعًا لقوات اليونيفيل لجأ إليه الأهالي، فاستشهد منهم 106 أشخاص وأُصيب كثيرون بجروحٍ. صور المجزرة المهولة وأشلاء الأطفال والنساء، أرعبت العالم فأتت الإدانات من كل حدب وصوب.

­الجندي الشهيد يوسف حسان عبد العال

نعت قيادة الجيش – مديرية التوجيه، الجندي الشهيد يوسف حسان عبد العال الذي استشهد بتاريخ 30/9/2024 متأثرًا بجراح أصيب بها جراء استهداف العدو الإسرائيلي دراجة نارية أثناء مرورها عند حاجز العمرة – الوزاني، وفي ما يلي نبذة عن حياته:

  • من مواليد 6 /10 /1999 كفر شوبا – حاصبيا.
  • مددت خدماته في الجيش اعتباراً من 28/6/2017.
  • حائز تنويه العماد قائد الجيش وتهنئة عدة مرات.
  • الوضع العائلي: عازب.

قيادة الجيش: الوحدة الوطنية ضمانة لبنان الوحيدة

أصدرت قيادة الجيش – مديرية التوجيه في 29 أيلول المنصرم بيانًا جاء فيه:

”على أثر إمعان العدو الإسرائيلي في اعتداءاته الإجرامية التي أسفرت عن استشهاد أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله وأكثر من ألف شهيد، فضلًا عن آلاف الجرحى خلال الأيام الماضية، تهيب قيادة الجيش بالمواطنين الحفاظ على الوحدة الوطنية وعدم الانجرار وراء أفعال قد تمسّ بالسلم الأهلي في هذه المرحلة الخطيرة والدقيقة من تاريخ وطننا، حيث يعمل العدو الإسرائيلي على تنفيذ مخططاته التخريبية وبث الانقسام بين اللبنانيين.

تستمر قيادة الجيش في اتخاذ التدابير الأمنية اللازمة والقيام بواجبها الوطني للحفاظ على السلم الأهلي، وتدعو المواطنين للتجاوب مع هذه التدابير، والعمل بمقتضى الوحدة الوطنية التي تبقى الضمانة الوحيدة للبنان.“

كان للدماء البريئة في المنصوري وقانا وسواهما، دور أساسي في وقف عملية «عناقيد الغضب» ووضع ما عُرف بتفاهم نيسان 1996. تكررت المجازر في تموز 2006، فكانت مجزرة قانا الثانية ومجازر أخرى عديدة. وها هي المجازر تتجدد اليوم بجنونٍ غير مسبوق، فتطحن الأبرياء وسط ركام أبنية تتحوّل في لحظات إلى غبار.
ما بين الأمس واليوم تغيّرت أمور كثيرة… فالضمير العالمي ما عاد يهتزّ بسهولة، إذ يبدو وكأنّه تبلّد بفعل الاعتياد على مشاهد العنف وبات تأثّره بالصور المروّعة أقل حدّة. فهذه الصور التي تتدفّق كشلالٍ هادر تمرّ بسرعة الضوء، بل تنزلق لتفسح المجال لأخرى أكثر وحشية من دون أن تُفسح مجالًا للتفاعل معها انطلاقًا من المشاعر الإنسانية. هكذا استمرت الحرب في فلسطين طوال سنة راكمت خلالها في كل يوم جبالًا من جثث النساء والأطفال والعجائز والأطباء والمسعفين والإعلاميين وسواهم. وهكذا قُصفت قوافل الهاربين من الموت، المستشفيات ودور العبادة والمؤسسات الإعلامية والمنشآت الحيوية، من دون أن يضطر المرتكب حتى إلى تبرير أفعاله! صحيح أنّ عواصم العالم شهدت الكثير من التظاهرات والاحتجاجات، لكنّ صرخات المحتجّين لم تمنع التمادي في العدوان بجميع أشكاله، لم تمنع إبادة شعب.

بين الإنسان وإنسانيته

جنود العدو اليوم باتوا محصّنين ضد كل أشكال المشاعر الإنسانية، إنّهم من جيل الآلة القاتلة المدجَّجة بالحقد وشروره. إنّهم آلة مزوّدة أحدث ما ابتكره الإنسان في مجال التكنولوجيا من تقنيات تُوظّف في القتل والتدمير.

نعم، أمام مشاهد القتل الرهيبة التي نشاهدها في القرن الواحد والعشرين يحق لنا أن نتساءل من هو الأكثر إنسانية، الإنسان الأول الذي نَصِفه بالبدائي أم إنسان اليوم؟ لقد تطورت البشرية ومرّ تطورها بمراحل كان لكل منها ابتكارات ووسائل في عالم الحرب، فمن العِصي والفؤوس إلى القنبلة النووية التي استُخدمت في الحرب العالمية الثانية. تلك الحرب كلّفت البشرية حوالي 50 مليون ضحية وكانت صفعة قاسية للإنسانية عبّر عنها تأسيس الأمم المتحدة وتطوير قواعد وتشريعات ونظم بهدف الحدّ من كلفة الحروب والعمل من أجل السلام والعدالة ومحاربة الفقر وبناء مجتمعات تنعم بالرفاه… لكننا نرى اليوم أنّ مسيرة الإنسان بعيدة جدًا عن هذه الأهداف، وهو مع تقنيات الذكاء الاصطناعي بات أكثر قدرة على الفتك وأكثر ابتعادًا عن إنسانيته.

آلة الحقد المجنونة

من فلسطين إلى لبنان وساحات أخرى نشهد تراجع القيَم الإنسانية وسيادة مفاهيم القوة والتسلّط وممارسة العنف كما لو أنّه فنّ تُسخّر له أكثر العقول إبداعًا. وبعد ما يقارب 20 عامًا مضت على عدوان تموز الذي راح ضحيته أكثر من 1000 لبناني، يعود إلينا العدو الإسرائيلي مجهَّزًا بالمزيد من أدوات القتل المتطورة وبالمزيد من الحقد والمطامع، فيقتل في يوم واحد نصف عدد الذين قتلهم خلال شهر في العام 2006، ليعود ويصل بالعدد إلى أكثر من 1500 خلال بضعة أيام.

طائراته ومسيّراته تدكُّ المباني على رؤوس سكّانها بقنابل مزلزلة، تُنذرهم بإخلاء مبانٍ في بقعة وتوسّع دائرة القصف إلى أبعد بكثيرٍ مما حددته، ثم تلاحق النازحين في مناطق اعتقدوا أنّها أكثر أمانًا. تستهدف الصواريخ والقذائف مستشفياتٍ ومراكز طبية ومراكز للإسعاف والإنقاذ ومحطات وقود ومنشآت حيوية ومحلات تجارية وسيارات…

قتل ممنهج وتدمير وترويع

حمم الصواريخ تُرسي الموت والدمار في المدن والبلدات والقرى، من الساحل إلى الجرود، من صور وصيدا والنبطية إلى بيروت والشوف وكسروان وجبيل والبقاع، تدمير ممنهج وقتل وترويع. يفاخر العدو بأنّه شنّ 111 غارة في ساعة واحدة يوم الإثنين 23 أيلول، يتباهى بأنّ عدد غاراته على لبنان في يوم واحد بلغ 1600 غارة، أمّا عدد الضحايا الأبرياء فشأن لا يدخل في حساباته، قتل خلال يومين فقط 14 مسعفًا.

المجازر بالجملة، من النبطية إلى يونين وضاحية بيروت والكرك والمعيصرة وشبعا وعين الدلب وبعلبك… عشرات في كل مجزرة، وعائلات أُبيدت فلم يبقَ مَن يحمل اسمها.

العدوان الجوي غير المسبوق مهّد له العدو بعملٍ أمني كبير تمثّل بالعدوان الإلكتروني عبر تفجير أجهزة الاتصال الذي قتل العشرات وأصاب الآلاف، فتحوّلت تلك الأجهزة إلى آلات قتل.

المحور الثالث في العدوان كان الحرب النفسية التي شنّها العدو إذ راح يرفق حمم نيرانه بالتهديد والترويع متوخيًا من ذلك عدة أهداف. فهو من جهة أجبر المواطنين على النزوح من منازلهم أو من المناطق التي سبق أن نزحوا إليها وكانت آمنة – أو على الأقل آمنة نسبيًا – قبل منتصف أيلول الماضي. وكانت النتيجة أنّ أكثر من مليون لبناني نزحوا من مناطقهم وبيوتهم خلال أيام في موجة لم يُشهد لها مثيلٌ. وهو من جهة ثانية عمل على زرع الفتنة بين اللبنانيين، مستخدمًا طرقًا مختلفة، من التصريحات التي يُطلقها مسؤولوه إلى الرسائل التي تُوجه عبر الهواتف والمنشورات، والغارات الوهمية وعمليات خرق جدار الصوت، فضلًا عن غارات على مناطق لم يسبق أن كانت يومًا في دائرة الاستهداف.

ولعل هذا الهدف الذي يعمل له بكل الطرق هو الأكثر خطورة، إذ لطالما كانت وحدتنا الوطنية أهم الدروع التي تحمينا، والعدو يعمل بلا هوادة على ضرب هذه الوحدة. لكنّنا ندرك، وقد علّمتنا التجارب جيدًا أنّنا أمام عدو شرس طامع بأرضنا وثرواتنا منذ تأسيس كيانه. وهو منذ ذلك الحين شنّ على وطننا الكثير من الحروب والاعتداءات وارتكب بحقنا الكثير من المجازر بذريعة ومن دون ذريعة، حتى بات تراب أرضنا تراب أهلنا الذين­ قتلهم، عبر الحروب المباشرة حينًا، وعبر المكائد والفتن أحيانًا.

المشهد القاتل

عداد القتل والدمار مستمر، يستبيح أعمارنا وبيوتنا وأرزاقنا، ويحوّل مساحات واسعة من أراضينا إلى قَفْر خالٍ قد لا تنبت فيه حتى الأشواك لسنوات طويلة. أعداد الشهداء ترتفع بالعشرات بين ساعة وأخرى، المآسي تنهمر كما المطر في شتاء قاسٍ، الحمم المزلزلة تطحن الأبنية. ووفق وسائل إعلام تابعة له استخدم العدو في الاعتداء الذي استهدف ضاحية بيروت مساء 27 أيلول قنابل تزن الواحدة منها نحو 1000 كلغ… ما يعني أنّه إضافةً إلى المباني التي سُويّت بالأرض ثمة الكثير غيرها بات غير صالح للسكن أو مهددًا بالسقوط.

أرتال السيارات التي توجّهت يوم 23 أيلول من الجنوب نحو بيروت ومناطق أخرى تكدّست على الأوتوستراد الساحلي في مشهد قاتل. في القرن الواحد والعشرين يزحف عشرات الآلاف من أرضهم دفعة واحدة محاولين إنقاذ أطفالهم من الموت. ذاق أهلنا مرارة ما بعدها مرارة وهم محتجزون في سياراتهم ساعات وساعات، بعضهم أمضى عشرين ساعة قبل أن يصل إلى وجهته. أطفال استوطن الرعب قلوبهم، حوامل كدن أن يضعن أطفالهن على الطريق، عجائز غادروا على عجل من دون أدويتهم، ومرضى حُرموا علاجات كان ينبغي أن يتلقّوها في مواعيد محددة فلم يبقَ بينهم وبين الحياة سوى خيط رفيع…

تُرفع لهم القبعة

رهان العدو على تحقيق أهدافه لم يقتصر على قدرة أسلحته الجهنمية وما تستطيع فعله قتلًا وتدميرًا، فهو راهن بشكلٍ أساسي على خلق فتنة بين اللبنانيين على خلفية التداعيات التي يخلّفها عدوانه، خصوصًا أنّ لبنان يعاني ما يعانيه اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا. لكنّ الروح الوطنية سرعان ما تصدّت لرياح الفتنة وتجلّت بقوة مؤكدة أنّ الشدائد تجمعنا وتجعلنا أكثر صلابة، وأنّ قيم المروءة والشهامة والنخوة والصبر والتعاضد ما زالت حية في مجتمعنا.

أعداد الجرحى ونوعية الإصابات من جراء تفجير أجهزة الاتصال كانت مروّعة قياسًا على بلد صغير كلبنان وصل قطاعه الطبي إلى مشارف الانهيار بفعل الأزمة. هذا القطاع هبّ في وقفة واحدة ملبّيًا واجبه الإنساني على أكمل وجه ما أثار دهشة مَن يراقبون… الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبّر في هذا السياق عن دهشته وإعجابه بالاستجابة السريعة والكفوءة للجسم الطبي اللبناني. هذا الجسم استحق بجدارةٍ تسمية «الجيش الأبيض»، وكان إلى جانبه جيش من المسعفين والعاملين في مجال البحث والإنقاذ الذين تفانوا في أداء واجبهم، وأعادوا إلى الأذهان ما رأيناه منهم وهم يحفرون الأنقاض بأيادٍ عارية بحثًا عن ناجين أو جثث شهداء.

في مقابل ذلك، ظهرت النخوة بأبهى تجلياتها في ردود فعل المواطنين، ففي حالات مماثلة تُطلق النداءات الداعية إلى التبرّع بالدم للمصابين، لكن في لبنان حصل ما لا يحصل في أماكن أخرى. كانت الدعوات للمواطنين بأن يتوقفوا عن التوافد إلى مراكز التبرّع بعد عدوان تفجير أجهزة الاتصال، فما قدّموه من دمائهم كان أكثر من كافٍ. لكن مع تمادي العدوان في الأيام التالية وامتداد المجازر وتوسعها بشكلٍ مجنون، برزت الحاجة إلى التبرع بالدم مجددًا، ولم يُقصّر اللبنانيون. النخوة وصلت بالبعض إلى إعلان استعدادهم للتبرع بأعضاء من أجسادهم وليس فقط بدمائهم، نعم هذا قد لا يحصل إلّا في لبنان.

المبادرات العفوية لاعب أساسي

نزوح عشرات الآلاف دفعةً واحدة زاد من حدة الكارثة الإنسانية التي سببتها الاعتداءات الهمجية، وفي ظل قلّة الموارد كان من شبه المستحيل تلبية الحاجات الملحّة لمن غادروا منازلهم وليس بحوزتهم سوى الحزن والغضب والخوف…

توزعت مراكز الإيواء على المناطق اللبنانية في المدارس والمعاهد والجامعات، وفتحت المحبة أبواب المساجد والأديار والبيوت والقلوب لاستقبال من اضطروا إلى مغادرة بيوتهم وأرزاقهم هربًا من جحيم العدوان. داخل هذه المراكز العامرة بمشاعر التضامن والأخوّة كانت همة المتطوعين والمتطوعات اللاعب الأساسي، ففي ظل محدودية الموارد والإمكانات على الصعيد الرسمي كانت المبادرات الشعبية العفوية خير معين لتوفير المستلزمات الضرورية.

رأينا في كل بلدة وحي وشارع شبابًا وشابات شكّلوا خلايا عملت بسرعة واندفاع هائلين لتأمين ما يلزم من الفرشات والأغطية والملابس إلى الطعام ومستلزمات العناية ومواد التنظيف وخلافها، والأهم من كل ذلك الاحتضان والمحبة والتعاطف. صحيح أنّ ثمة من سعى إلى استغلال الظروف وتحقيق الأرباح على حساب المأساة التي حلّت، لكنّ صغار النفوس موجودون دائمًا، والمهم أنّ المشهد الأساسي كان مشهدًا مشرقًا ومشرّفًا لطالما اعتدنا رؤيته في المجتمع اللبناني المقيم والمغترب.

سوف ينتهي هذا العدوان الجهنمي كما انتهى غيره من قبل، عدوان مكلف جدًا، لكنّنا سننتصر بوحدتنا، سننهض من جديد كما نهضنا من قبل، وسنحافظ على القيم التي تُشكّل أساسًا راسخًا في مجتمعنا، وسوف نؤكد للعالم أنّنا بالفعل شعب وُجد ليصنع الحياة والأمل من ركام الدمار ووجع المآسي.