ندين البلعة خيرالله

مجازر إرهابية وجرائم إبادة جماعية… هجمات سيبرانية وإلكترونية، وغارات وحشية في تحدٍّ واضح لكل المواثيق الدولية. أطفال، نساء، مسعفون، أرقام غير مسبوقة من الشهداء والجرحى حرّكت الضمائر في العالم وأعلت الأصوات المندّدة بالاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، والتي وُصِفت بأنها ”انتهاك صارخ لجميع الأعراف والقوانين الدولية، وتهديد خطير لأمن المنطقة واستقرارها“.

«لقد اعتمدَت الدول القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني تحديدًا من أجل التصدّي لمثل هذه الحالات، عندما تكون حياتنا وكرامتنا وإنسانيتنا بحدّ ذاتها في خطر»… كلام لمفوّض الأمم المتّحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك في مجلس الأمن (20 أيلول 2024)، رافضًا أن يُمسي هذا الواقع الوضع الطبيعي الجديد.

وبدورها، ذكّرت المتحدّثة باسم مفوّض الأمم المتّحدة السامي لحقوق الإنسان رافينا شامداساني في جنيف (24 أيلول 2024)، بأنّ «القانون الدولي الإنساني واضح وضوح الشمس. فعلى جميع الأطراف في أي نزاع مسلّح، التمييز في جميع الأوقات، بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية… ويجب أن تخضع الحوادث التي يُقتل فيها أي مدني، بما في ذلك الأطفال والعاملون في المجال الطبي، أو يصاب فيها مدنيون بجروحٍ خطيرة، في انتهاك محتمل للقانون الدولي، إلى تحقيقات مستقلة وشاملة وشفّافة في ملابسات الاعتداءات».

قواعد الحرب

للحرب قواعد تنطبق على كل من أطراف النزاع المسلّح، تهدف هذه القواعد في جوهرها إلى حماية المدنيين والذين أصبحوا خارج القتال، إذ اعتُمِد القانون الدولي الإنساني أو ما يُعرف أيضًا بقانون النزاعات المسلّحة الإنساني بهدف الحدّ من الأضرار والآلام التي لا مبرر لها، حتى في أوقات الحروب، وبهدف حماية القيم الأساسية لمجتمعاتنا وعالمنا.

ولا يمكن توجيه الهجمات بالقوة القاتلة إلّا عند وجود ضرورة عسكرية ولتحقيق هدف عسكري مشروع. وعند القيام بذلك، يجب على المهاجم أن يميّز في كل الأوقات بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. كذلك، عليه اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة للحدّ من الأضرار الجانبية أي تلك الأضرار التي قد تلحق بالفئات والأعيان المحميّة القريبة من الهدف. ولا يمكن استهداف الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في العمليات العدائية أو الذين لا يمارسون وظيفة قتالية مستمرة في جماعة مسلحة.

تُعتبر الأعمال العدوانية الإسرائيلية ضد المدنيين، وبخاصة الكوادر الطبية، انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، بموجب القانون الدولي الإنساني، وبشكل خاص اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949، وهي معاهدات دولية تتضمن أهم القواعد التي تهدف إلى «أنسنة» الحروب فتحمي الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال، والذين أصبحوا عاجزين عن القيام بمهمات قتالية.

القانون الدولي الإنساني

القانون الدولي الإنساني هو القانون الذي ينظم النزاعات المسلحة، وهو بطبيعته موضوعي أي يحظر، يمنع، يقيّد ويحدد المخالفات الجسيمة من دون أن يفرض عقوبات على مرتكبيها. يحمي هذا القانون فئاتٍ وأعيانًا محددة، مثل أفراد الخدمات الطبية والدينية، والمدنيين، أي بعبارة أخرى كل من هو خارج القتال أو أصبح خارجه بسبب إصابة أو أسر أو غير ذلك من الأسباب، أضف إلى ذلك الحماية المنصوص عنها للأعيان، مثل المستشفيات والممتلكات الثقافية وغيرها. وبما أنّ الفئات المذكورة تتمتع بالحماية، يفرض القانون الدولي الإنساني ما يُعرف بـ«إدارة العمليات العدائية»، وذلك بناءً على ثلاث قواعد:

القاعدة الأولى التمييز، أي يجب على القادة العسكريين التمييز بين المقاتلين والمدنيين وبين الأعيان المحمية والأهداف العسكرية، وتوجيه هجماتهم فقط للمقاتلين وللأهداف العسكرية، وهذا ما تجاهله العدو الإسرائيلي بالمطلق واستهدف الأعيان المحمية من مبانٍ مدنية، ومستشفيات ومراكز دفاع مدني، ومحطات وقود، ومؤسسات تجارية…

القاعدة الثانية تنص على تناسب الميزة العسكرية الملموسة والمباشرة مع الأضرار الجانبية في الأعيان المحمية، وهذا ما تعمّد العدو الإسرائيلي خرقه، فكانت الأضرار الجانبية لأي هجوم تتجاوز بأضعاف المنطقي والمقبول والمعتاد في مثل هذه الحالات.

القاعدة الثالثة هي قاعدة الاحتياطات التي توجب في ما توجبه على القادة العسكريين تعليق الهجوم أو إلغاءه إذا كان سيسبّب أضرارًا في الفئات المحمية. وما أقدم عليه العدو هو تعمّد خرق هذه القاعدة وتوجيه هجمات تسبب هذه الأضرار وهذا غيض من فيض، فنحن أمام عدو وضع قانون النزاعات المسلحة برمته في خطر. هذا القانون الذي تعود جذوره إلى العام 1864 يحاول العدو إلغاءه في العام 2024.

العقوبات والإجراءات القانونية

بناءً على ما سبق، تشكل كل هذه الاعتداءات والهجمات الجوية التي قام بها العدو الإسرائيلي ضد لبنان، جرائم حرب يتحمل مسؤوليتها مَن أمر بها وخطط لها ونفّذها. ولكنّ النظام العقابي أو الجنائي الدولي يتعطل حين يواجه هذا العدو. ففي حين أنّ الجرائم المُرتكبة يجب أن تخضع للمساءلة بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، إلّا أنّ الوضع القانوني معقّد بسبب وجوب أن تكون الدولة المتهمة طرفًا في نظام روما، أو أن تكون الجرائم مرتكبة على أرض دولة طرف وغير ذلك من الحالات الأخرى، وهي ليست الحال بالنسبة إلى العدو الإسرائيلي وبالتالي لا يمكن للبنان اللجوء إلى هذه المحكمة.

لقد أعلن المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، التزامه التحقيق في الجرائم التي تشكل جرائم حرب في غزة وطلب إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت، رغم الانتقادات الموجهة لهذه المحكمة بسبب بطء الإجراءات المتّخَذة لإصدار مذكرات التوقيف هذه. وبالتالي، يُبرِز هذا الوضع أهمية البحث عن العدالة من خلال محاكم أخرى، مثل محاكم الدول التي تعتمد الاختصاص القضائي العالمي، حيث يمكن محاكمة مرتكبي الجرائم الدولية بغضّ النظر عن جنسيتهم.

هذا الاختصاص مبني على قانون الدولة الداخلي الذي يسمح للمحاكم الوطنية بمحاكمة مرتكبي الجرائم الأشد خطورة، كجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية أينما ارتُكبت في العالم وأيًّا كانت جنسية الشخص الذي ارتكبها وبصرف النظر عن جنسية الضحايا.

الخطوات اللازمة لتقديم شكوى

تعتمد بعض الدول في قوانينها الداخلية هذا الاختصاص، وإذا قرّر المتضررون من الاعتداءات الإسرائيلية سلوك هذا الطريق، يجب اتباع عدة خطوات:

جمع الأدلة: يجب توثيق مختلف الانتهاكات والجرائم المرتكبة، بما في ذلك الشهادات والصور والأدلة الطبية.

تشكيل فريق قانوني: يتعيّن تشكيل فريق من المحامين المتخصصين في القانون الدولي لمتابعة القضية.

تقديم الشكوى: يجب تقديم الشكوى أمام محكمة في دولة تعتمد الاختصاص العالمي.

ومن أهم العقبات التي تواجه اللجوء إلى محاكم هذه الدول، العراقيل السياسية والمنازعات الدبلوماسية التي قد تعرقل اتخاذ أي إجراءات قانونية، بالإضافة إلى عدم تعاون بعض الدول أو انحيازها، والقيود والاشتراطات التي تضعها الدولة نفسها. فقد تعتمد بعض الدول، مثل إسبانيا، الاختصاص العالمي المطلق، أي أنّها لا تشترط توافر أي عنصر من عناصر علاقة المتهم بالدولة لتحريك الدعوة العامة، وبالتالي ينعقد الاختصاص القضائي العالمي للنظر في الجرائم الدولية التي تُرتكب خارج إقليم الدولة ولو لم يكن المتهم موجودًا على أراضيها. أما البعض الآخر من الدول، وهي الغالبية، فتعتمد الاختصاص القضائي العالمي المقيّد إذ تضع شروطًا معينة محددة لانعقاد هذا الاختصاص، وأهم هذه الشروط هو وجود مرتكب الجريمة على أراضي الدولة لتفعيل الاختصاص القضائي العالمي، كما هي الحال في فرنسا وألمانيا مثلًا.

في المقابل، يُعتبر الدعم الدولي من منظمات حقوق الإنسان التي تستنكر وتندّد دائمًا بمثل هذه الممارسات الإجرامية، بالإضافة إلى الضغط العام من المجتمع المدني والمجتمعات الدولية من العوامل الداعمة لموقف لبنان في هذا المجال.
إنّ الجرائم المرتكبة من قبل العدو الإسرائيلي ضد لبنان وشعبه لا تعكس فقط انتهاكات صارخة للقانون، بل هي دعوة للعالم للتكاتف ورفع الصوت ضد الظلم. وإنّ التصدي لهذه الممارسات يتطلب وحدة الجهود الدولية والإرادة القوية للدفاع عن حقوق الإنسان، والحفاظ على كرامة الشعوب، وعلى نظام الحوكمة العالمي الذي يهدف إلى حماية الكرامة والذي نشأ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.