د. تراز منصور
إصداراته
أصدر الرئيس الراحل سليم الحص عدّة كُتب، منها:
« The Development of Lebanon’s Financial Market » (بيروت، 1974)، «نافذة على المستقبل» (بيروت، 1981)، «Lebanon Agony & Peace» (بيروت، 1982)، «لبنان على المفترق» (بيروت، 1983)، «نقاط على الحروف» (بيروت، 1987)، «حرب الضحايا على الضحايا» (بيروت، 1988)، «على طريق الجمهورية الجديدة» (بيروت، 1991)، «عهد القرار والهوى» (بيروت، 1991)، «زمن الأمل والخيبة» (بيروت، 1992)، «ذكريات وعِبَر» (بيروت، 1994)، «للحقيقة والتاريخ» (بيروت، 2000)، «محطات وطنية وقومية» (بيروت، 2002)، «نحن والطائفية» (بيروت، 2003)، «عصارة العمر» (بيروت، 2004)، «صوتٌ بِلا صدى» (بيروت، 2004)، «تعالوا إلى كلمة سواء» (بيروت، 2005)، «سلاح الموقف» (بيروت، 2006)، «في زمن الشدائد لبنانيًا وعربيًا» (بيروت، 2007)، «ما قلّ ودلّ» (بيروت، 2008).
رجلٌ من رجالات لبنان الكبار، رمز من رموز الوحدة الوطنية والنزاهة. سياسي، أكاديمي واقتصادي، لُقّب بـ”ضمير الوطن“ و”الرئيس الإنسان“. إنّه رئيس الحكومة الأسبق سليم الحص الذي تولّى رئاسة الحكومة خمس مرات بدءًا باندلاع الأحداث في العام 1975 وانتهاءً في عهد الرئيس العماد إميل لحود (1998- 2000).
كان الرئيس الحص أنموذجًا للمسؤولية والنزاهة في العمل العام، إذ عُرف بابتعاده عن الفساد والمساومات السياسية، ما جعله يحظى باحترام الجميع وتقديرهم. صاحب مقولة «يبقى المسؤول قويًا إلى حين يطلب شيئًا لنفسه»، ظلّ قويًا لأنّه بالفعل لم يطلب شيئًا لنفسه.
ولد الرئيس سليم الحص في كانون الأول من العام 1929 في بيروت، تلقّى علومه المدرسية في مدارس المقاصد، ثم أكمل دراسته الجامعية في الجامعة الأميركية في بيروت لينال شهادة في الاقتصاد والعلوم السياسية. ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية لينال شهادة الدكتوراه في الاختصاص ذاته من جامعة «إنديانا». تزوّج من السيدة ليلى فرعون التي توفيت في العام 1990، ولهما ابنة وحيدة تُدعى وداد.
رجل الدولة المتواضع
انتُخب الحص نائبًا عن بيروت لدورتين متتاليتين، كما عُيّن وزيرًا لعدّة وزارات (الصناعة، النفط، الاقتصاد والتجارة، التربية، العمل والخارجية)، وعُرِف دومًا بتمسّكه بمؤسسات الدولة ونبذ النزعة الزبائنية التي حكمت الأداء السياسي لكثيرين، معطيًا الأولوية للانتماء الوطني الذي يجب أن يتقدّم على الانتماءات الطائفية والسياسية. وفي كتابه «نحن… والطائفية» أضاء على هذا الجانب من مسيرته وكيفية مواجهته للحالة الطائفية طوال وجوده في الحكم، مستعرضًا القرارات والمراسيم والبيانات والمبادرات التي تبنّاها لتجاوز هذه الحالة. وهو سعى جاهدًا خلال فترة الحرب، للحفاظ على الوحدة الوطنية محاولًا رأب الصدع بين مختلف الطوائف والفئات.
تميّز بتواضعه وبقربه من الناس، لم تُبعده المسؤولية السياسية والمناصب الرفيعة عن همومهم. حافظ على استقلاليته في اتخاذ القرارات، رافضًا الخضوع للضغوط الخارجية أو الداخلية التي كانت تهدّد سيادة لبنان واستقلاله. كان ملتزمًا ولم يتراجع يومًا عن مبادئه قيد أُنملة، بل كان دائم السعي لتحقيق العدالة والمساواة بين جميع اللبنانيين، والحفاظ على حقوقهم من دون تمييز أو تحيّز.
انصبّ تركيزه على الاقتصاد والتنمية، كونه اقتصاديًا متمرّسًا، وبذل جهودًا كبيرة لتعزيز الاقتصاد اللبناني وتحقيق الاستقرار المالي، حتى في أصعب الظروف. وسعى إلى تعزيز الشفافية والمساءلة في الحكم، وفي هذا السياق عمل على إنشاء المنظمة العربية لمكافحة الفساد في العام 2005. وكان يرى أنّ خلط الطائفية والمذهبية بالسياسة يهدف إلى تشكيل درع لأصحاب النفوذ، يختبئون خلفه من أجل الحفاظ على مكتسباتهم ومراكزهم.
مواقفه الوطنية معروفة بالاستقامة والنزاهة، ما جعله يستحق عن جدارة لقب «ضمير لبنان». وقف بشراسةٍ ضدّ أيّ تدخّل خارجي في شؤون لبنان، مؤكدًا ضرورة استقلال القرار اللبناني. آمن بأهمية الحوار بين مختلف القوى السياسية والطوائف اللبنانية، وعمل على تعزيز هذا النهج بغية تحقيق السلام والاستقرار في الوطن.
عمل الرئيس الحص من أجل رفعة الإنسان وكرامته، جامعًا بين السلطة والإنسانية، لذلك أُطلق عليه لقب «الرئيس الإنسان»، إذ قدّم العون لكثيرين من دون أيّ تجاوز للقوانين المرعيّة الإجراء. وهو يكاد أن يكون الوحيد بين رؤساء حكومات لبنان الذي تنطبق عليه مقولة «الرئيس الذي هبط على رئاسة الحكومة بالمظلّة» (وفق قوله). كان ذلك في عهد الرئيس الياس سركيس 1976 نتيجة الصدفة والزمالة التي جمعت بينهما في مصرف لبنان. ظروف البلاد والمعطيات السياسية والمؤثّرات الطائفية التي رافقت تجربته الأولى كرئيس للحكومة، لخّصها الحص في كتابه «زمن الأمل والخيبة».
على أثر خسارته في الانتخابات النيابية أعلن اعتزاله العمل السياسي، مكرّسًا اهتمامه للعمل الوطني. وقد حافظ على التزامه حيال القضايا القومية والعربية، باحثًا عن سبل تعزيز مبدأ التعاون العربي المشترك، داعيًا إلى إنشاء سوق عربية اقتصادية مشتركة، انطلاقًا من اقتناعه بمبدأ تشبيك مصالح الشعوب والدول العربية، الذي من شأنه تعزيز أواصر اللُّحمة بين العرب.
صاحب رؤية
كان صاحب رؤية سياسية اقتصادية واستراتيجية، نابعة من خلفية وطنية، بنظرة واقعية ومتأنية وصائبة، منطلقها الأول مصلحة الوطن والمواطن، والتزام الهوية العربية والاهتمام بالمتغيّرات المحيطة بلبنان وانعكاسها على الداخل. ويقول الحص في هذا السياق: «أعتبر نفسي لبنانيًا عروبيًا، أعتزّ بلبنانيّتي وعروبتي معًا».
كان الرئيس الحص محاورًا من الطراز الرفيع، ويقول الرئيس الراحل حسين الحسيني الذي تشارك معه كثيرًا من المحطات الوطنية: «إنّ الرئيس سليم الحص يمتلك قدرة فائقة على الحوار والإقناع، بالاستناد إلى التاريخ والحقائق، وهو يحاجج بأناقة سياسية نادرة»، ويضيف الرئيس الحسيني: «أما في ما خصّ القضية الفلسطينية وتعدّيات العدو الإسرائيلي على جنوب لبنان فأراه هجوميًا شرسًا، وكأنّه لبس البزّة العسكرية»…
يُسجّل له
رفض الرئيس الحص على الدوام تسييل الذهب معتبرًا أنّ الحفاظ عليه من أسس بقاء لبنان واستمراره، وفي هذا السياق كان له تعاون وثيق مع الرئيس الحسيني لوضع قانون حظر بيع أو رهن الذهب الموجود لدى مصرف لبنان أو الموجود في الولايات المتحدة الأميركية.
وهو كان أول من طرح فكرة قانون انتخابي يضمن صحّة التمثيل، قائم على اعتماد لبنان دائرة واحدة على أساس النسبية، لافتًا إلى إمكان اعتماد مبدأ النسبية في المحافظات الخمس، إذا تعذّر اعتماد لبنان دائرة واحدة.
كما جنّد طاقاته في سبيل استقلالية القضاء وعمل على وضع قانون لتحقيق ذلك. وكان يقول: «من الضروري أن ينتظم عمل القضاء باستقلاليةٍ تامة بعيدًا عن أيّ تأثيرات طائفية أو مذهبية. فاحترام القوانين واجب وطني. ويجب عدم اختلاق القوانين أو تبديلها لمجرّد أنها لا تتناسب مع مصالح البعض».
تحمّل الرئيس الحص عناء الصّبر على كلّ ما مرّ به من أزمات وخيبات حرصًا منه على مبدئيّة العمل الوطني، وعلى مبدأ التزام قِيَم المواطنة واحترام القوانين وممارسة الديمقراطية. وهو أعطى الدولة اللبنانية ولم يأخذ منها. فقد رأى أنّ من يطلب لنفسه منفعة شخصية، يدخل معترك المُحاصصة ويصبح ضعيفًا.
رحل الرئيس الحص في 25 آب الفائت عن عمر يناهز 95 عامًا، تاركًا بصمة لا تُمحى في تاريخ لبنان المعاصر. فقد أرسى نمطًا فريدًا في الحكم قائمًا على النزاهة والإدارة الحكيمة والإرادة الوطنية، بفلسفة المفكّر النقي وببعد وطني عربي خالص مؤمن بالقضايا الوطنية والعربية ومدافع عنها بشراسة.










