حديث مع العماد جوزاف عون بعد مرور نحو 7 سنوات على تولّيه قيادة الجيش

مضت نحو 7 سنوات على تسلّمه قيادة الجيش، سنوات عجاف على مستوى الوطن، لكنّ ما يُدهش أنّها كانت مواسم عطاء وحصاد وفير على مستوى المؤسسة.

سنوات فيها جبال من المسؤوليات والتحديات، نهاراتها ولياليها نبع التعب الذي لا ينفك يتدفق غزيرًا، ويحفر مجاريه في أجساد العسكر ونفوسهم. لا يُحسَد الرجل على الظروف التي رافقت فترة قيادته للجيش، فهي فترة حافلة بالأزمات وضعت قيادة المؤسسة العسكرية في مواجهة أوضاع غير مسبوقة، ومع ذلك، حافظ ا­­لعماد جوزاف عون على صمت لم تخرقه إلا صرخات أطلقها من الميدان، معبّراً عن تخوّفه مما يمكن أن تؤول إليه أحوال البلد بفعل الانقسام والتجاذبات والمصالح…

في الميدان أيضًا، كان له كلام واضح للرجال الأبطال، الذين بثباتهم والتزامهم وإيمانهم وكفاءتهم أثبتوا أنّهم صخرة الوطن. كان إلى جانبهم وبينهم في كل وقت، مواكبًا، داعمًا، مشجّعًا، ومحفزًا.

مع انطلاقة مسيرته في القيادة، كان يأمل تطوير المؤسسة العسكرية من خلال رؤية واضحة تهدف إلى تصحيح هرمية الجيش، وتعزيز قدراته. ولكن مشاريعه التطويرية اصطدمت بظروف حوّلت جهوده إلى مشاريع عنوانها حماية السلم الأهلي والاستقرار الأمني أيًا كانت الأثمان، والحفاظ على تماسك المؤسسة وكرامة العسكريين وتأمين مقومات صمودهم.

وجد إلى جانبه ضباطًا يشاركونه الرؤية ويؤمنون بقدرات جيشهم وبمهارات عسكرييهم، فباتت الأزمات سبيلًا لابتكار الحلول وتطوير القدرة على مواجهة الظروف القاسية.

وعد ووفى، رغم كل شيء.

وعد اللبنانيين بحماية السلم الأهلي ومنع انزلاق الأمور إلى الأسوأ، ووفى.

وعد العسكريين بأنّه لن يتركهم في مواجهة الأزمة، ووفى، رغم أنّ الموازنة المخصصة للجيش ما عادت لتفي بأبسط الحاجات الملحّة، فهو أوجد البدائل ولم يترك من يعتبرهم أبناءه. وفيما كانت البلاد تعيش أزماتها وتئنّ تحت ثقل تحدياتها، بقيت المؤسسة العسكرية خير مثال للتماسك ورصّ الصفوف والوفاء للقسم.

كيف استطاع تجاوز التحديات والمطبّات؟ كيف قاد سفينة المؤسسة في بحر هادر لم تهدأ أمواجه لحظة؟ كيف حافظ على تماسكها ومكّنها من استيعاب الأوضاع لينجو البلد من «قطوع» خطير هنا ومن مشروع فتنة هناك؟ كيف استطاع جنوده أن ينتصروا وهم يقاتلون باللحم الحي على جبهات عديدة منها العسكري والأمني والإنقاذي والاجتماعي والصحي والخدماتي؟

ماذا يقول عن كل ذلك وسواه؟

خصّ العماد جوزاف عون مجلة «الجيش» بهذه المقابلة الحصرية التي أجريناها معه مطلع العام 2024، لكنّ حرب غزة وتداعياتها في جنوب لبنان كانت سبب عدم نشر المقابلة يومها بقرار من العماد عون. اليوم نعود إلى هذه المقابلة التي استعدنا معه فيها أبرز المحطات والتحديات التي واجهته، وعزز نهجه في التعاطي معها الثقة بالجيش. من «فجر الجرود» إلى الأزمة الاقتصادية والمالية والاحتجاجات الشعبية وكارثة انفجار المرفأ، ومواضيع أخرى سواها…

 كيف تصف مسيرة نحو 7 سنوات من قيادتك للجيش؟ وكيف استطعتم مواجهة الأزمات الصعبة التي شهدتها؟

فترة فيها الكثير من التعب والتحديات وفيها الثمار والإنجازات، ويمكن تقسيمها إلى مرحلتين: بين العام 2017 و2019 كانت البلاد في مرحلة استقرار سياسي ولم تكن الأزمة الاقتصادية قد برزت بوضوح، تركّزت جهودنا خلالها على مواجهة خطر الإرهاب، وتُوِّجت بانتصار «فجر الجرود».

أما المرحلة الثانية أي منذ 2019 وحتى اليوم، فهي من أصعب المراحل في تاريخ لبنان، على صعيد المؤسسة وعسكرييها الذين عانوا ما عانوه في ظل تضاعف مهماتهم وتدنّي قيمة رواتبهم. ومع ذلك، فقد صمدنا وما زلنا ملتزمين مبادئ المؤسسة العسكرية وقسمنا، متسلّحين بالإرادة والإصرار على أداء دورنا وواجبنا الوطني. وهذا ما تجلّى في أداء قادة الوحدات على الأرض، إذ اتخذوا مبادرات فاعلة واجترحوا الحلول لمواجهة الواقع الصعب. في المقابل أظهر العسكريون مستوى عاليًا من الوعي وحافظوا على تمسّكهم بالولاء لمؤسستهم مدركين أنّ بقاء البلد ومنع انهياره يعتمد على هذا التماسك كما على صمودهم وصبرهم.

فعلى الرغم من الأزمات السياسية والاجتماعية المتلاحقة والحوادث الخطيرة التي هدّدت الاستقرار، تمكنّا من تحييد الجيش عن الانقسامات السياسية، من خلال التركيز على دورنا الوطني ومسؤولياتنا، فهدفنا هو مصلحة الوطن والمؤسسة ونحن مؤتمنون عليهما، لذلك عملنا على منع التدخل في شؤون المؤسسة وكيفية أدائها لواجباتها.

وأضاف قائلًا: يعرف الجميع أنّنا في كثير من المواقف والمحطات نعالج تداعيات الانقسام والخلاف السياسي في البلد وانعكاساتهما. لكن وفي مقابل ما يبذله الجيش من جهود، ثمة قرارات ومواقف على السلطة السياسية أن تبادر لاتخاذها لنستطيع النهوض من الأزمة.

ما هو تأثير تدرّجك في الميدان وخبرتك على الأرض في قيادتك للجيش؟

خدمت في الميدان منذ تخرّجي من الكلية الحربية، وتنقّلت بين الوحدات المقاتلة خلال سنوات الحرب، فكانت مسيرتي كلها بين العسكريين على الأرض. هناك عرفت قدراتهم وحاجاتهم وظروفهم، كما عشت همومهم ومشاكلهم، الأمر الذي مكّنني من اتخاذ القرارات التي تخدم مصلحة المؤسسة العسكرية. وحتى الآن، فإنّ أحب اللحظات إلى قلبي هي حين ألتقي العسكريين خلال جولاتي، وبينهم من أعرفه شخصيًّا.

قبل تسلّمي القيادة مثلًا، كنت قائد جبهة عرسال وهذا الأمر سهّل لي التخطيط لمعركة «فجر الجرود». كما أتاحت لي الخدمة في لواء المشاة التاسع في الجنوب، خبرة فهم طبيعة الأرض والوضع الحدودي، فضلًا عن رفع مستوى جهوزية الجيش في الجنوب في مواجهة العدو الإسرائيلي…

الرؤية والأهداف

ما هي الأهداف التي وضعتها عندما تسلّمت القيادة؟ وماذا حقّقت منها؟ وما الذي لم تحققه؟ ولماذا برأيك؟

لقد وضعنا كقيادة أهدافًا استراتيجية وتطويرية عديدة، وعملنا جاهدين على إنجازها. عملانيًا، كان هدفنا الأساسي القضاء على الإرهاب ومعرفة مصير العسكريين المخطوفين، وإقامة مراكز ونشر قوى على الحدود الشرقية، وهذا ما تحقق. على صعيد المؤسسة كان هدفي التفرغ لمعالجة شؤونها الداخلية، والتشدد في اعتماد الكفاءة معيارًا وحيدًا في التعيينات والتشكيلات، وإبعادها عن التجاذبات السياسية، وهذا ما تحقق أيضًا.

في المقابل، هناك بعض الأهداف التي لم تتحقّق بسبب الظروف الطارئة التي حوّلت جهودنا إلى أولويات أخرى. فبعد أن كنا نسعى إلى تعديل قانون الدفاع وإنشاء كلية الدفاع الوطني، فرضت علينا الأزمات المتلاحقة لائحة جديدة من الأولويات، في طليعتها دعم صمود العسكريين لكي تستمر المؤسسة في أداء دورها كضمانة لمنع انهيار البلد.

فجر الجرود: الوقائع والنقاط على حروف التساؤلات!

بعد تسلّم القيادة والاطّلاع مليًّا على وضع الجيش وقدراته، قررت خوض معركة ضد الإرهاب، أطلقت عليها اسم «فجر الجرود». أخبرنا عن القرار الذي اتخذته؟ التحضيرات؟ سير المعركة؟ النهاية وما رافقها من تحليلات وانتقادات؟

كان موضوع تحرير الجرود الشرقية من الإرهاب أولوية بالنسبة لي، نظرًا إلى الخطر الذي يشكله على لبنان. من جهة ثانية، كنت واثقًا بقدرة العسكريين على خوض المعركة التي حددنا لها هدفَين اثنين: تحرير الجرود من الإرهابيين ومعرفة مصير العسكريين الذين كانوا مختطفين لدى المجموعات الإرهابية. وقد أتاحت لي قيادة جبهة عرسال قبل تسلّم قيادة الجيش معرفة طبيعة الأرض ونقاط القوة والضعف لدى الإرهابيين ووسائل دعمهم وكيفية تحرّكهم. هذه المعرفة بالإضافة إلى العمليات التي نفّذتها مديرية المخابرات، أدت دورها في التخطيط للمعركة التي سبقتها مرحلة تجهيز القوى واستدراك الحاجات، وتحضير الأرض من خلال ضرب مراكز مهمة للإرهابيين بالمدفعية والطيران، وتضييق الخناق عليهم بواسطة عمليات نوعية استباقية، ومن ثم انتظار التوقيت المناسب لانطلاق المعركة.

اتُّخذ القرار بتنفيذ العملية، وبحسب الخطة قسّمنا المعركة إلى أربع مراحل، وقد كانت المرحلة الأولى بالغة الصعوبة بسبب الألغام والعبوات التي زرعها الإرهابيون، فسقط جرحى للجيش ما أخّر الهجوم، ولكننا تابعنا بشجاعة العسكريين الذين أصرّوا على عدم التوقّف قبل القضاء على الإرهابيين.

أنجزنا ثلاث مراحل بنجاح، خسرنا عددًا من الشهداء وأصيب عدد من العسكريين، لكنّ خسائرنا كانت محدودة نسبة إلى صعوبة المعركة، وبقي أمامنا أن ننفّذ المرحلة الرابعة والأخيرة، التي كانت مقررة صباح يوم الأحد في 27/8/2017، وتقضي بتحرير المنطقة الممتدة بين خربة داوود ووادي مرطبيا. وهي كانت المرحلة الأصعب بسبب طبيعة الأرض ووجود الكثير من الألغام والعبوات.

قبل انطلاق المرحلة الأخيرة من المعركة، وعند الساعة الواحدة بعد منتصف ليل السبت – الأحد، وردني اتصال مفاده أنّ الإرهابيين يطلبون وقف إطلاق النار. اشترطْتُ للموافقة على ذلك انسحابهم إلى سوريا ومعرفة مصير العسكريين المخطوفين، وأعطيت مهلة للجواب حتى الرابعة فجرًا وإلا فإنني سأتابع المعركة، علمًا أن جميع القوى كانت جاهزة للانطلاق بما في ذلك الطوافات. في الرابعة فجرًا تلقّيت الاتصال وفحواه أنّ الإرهابيين وافقوا على الشرطين، وأنّ الاتصالات تمّت مع الجهات المعنية لينسحبوا إلى سوريا، فقرّرنا وقف إطلاق النار.

هناك من قال إنّنا تركناهم يغادرون بسهولة في الباصات المكيّفة، وهناك من تساءل لماذا لم يواصل الجيش المعركة؟ لقد كان همّنا من الأساس أن نحقق هذَين الهدفَين بأقل خسائر ممكنة. بالنسبة إليّ أرواح العسكريين على الجبهة هي أمانة في عنقي، وقد قلت لهم عند إعلان ساعة الصفر: «انتبهوا عَ حالكن». أردت تحقيق النصر بأقل ما يمكن من الخسائر، فالقائد يتحمل مسؤولية إنسانية تجاه رجاله. وهذا ما فعلته وضميري مرتاح.

العوامل الحاسمة

وعن العوامل التي كانت حاسمة في تحقيق الانتصار في المعركة، قال:

في طليعتها الإرادة والشجاعة التي يتمتع بها الجندي اللبناني، وإيمانه بحقّه المقدّس في الدفاع عن لبنان. واستخدام القدرات المتاحة بأفضل الوسائل والطرق الممكنة ضمن خطة عسكرية محكمة. والالتفاف الشعبي العارم حول الجيش الذي حرم الإرهابيين أي بيئة حاضنة، فضلًا عن الرعاية الرسمية للجيش، والدعم العسكري الذي تلقاه من الدول الصديقة.

انتصر الجيش ورفع الراية اللبنانية عاليًا فوق الجرود، وباتت قواه منتشرة على الحدود الشرقية، لكن هل يعني ذلك زوال خطر الإرهاب في لبنان؟ 

يقول العماد عون في هذا السياق: «الإرهاب شقَّان: الأول يتمثّل بالمسلحين والبنى التحتية والأرض التي كان الإرهابيون يحتلونها، وقد ضربناه عسكريًّا. أما الثاني فهو البنية الفكرية والعقائدية التي يقوم عليها، وهي ما زالت موجودة، والقضاء عليها يتطلب وقتًا وتضافر جهود كبيرة ليس فقط في لبنان وإنما على صعيد الدول، خصوصًا في ظل ما تُتيحه وسائل التواصل الحديثة من فرص لنشر الأفكار الإرهابية. والجهود التي أشرنا إليها لا تقتصر على محاربته عسكريًا وإنما تشمل عدة مجالات، سياسية وتربوية واقتصادية واجتماعية…

ضرب البنى التحتية للإرهاب في لبنان حجّم إمكاناته ولكن هذا لا يعني إلغاء فكره وعقيدته، ومن المستحيل أن تكون أي دولة في العالم آمنة 100% من شروره. لقد قمنا بعمليات استباقية وفككنا شبكات وخلايا، ونواصل جهودنا للحؤول دون السماح بتهديد وطننا، ويمكننا القول إنّنا نسيطر على الوضع.

الاحتجاجات الشعبية: تدخّلنا في الوقت المناسب

سنة ٢٠١٨ بدأت مؤشرات الأزمة المالية والاقتصادية، وصولًا إلى التحركات الشعبية التي انطلقت في ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩. كيف تصف هذا الاستحقاق وكيف واجهته؟

نبدأ من الأزمة الاقتصادية التي ظهرت أولى بوادرها على الجيش مع ما أفرزته الموازنة في العام 2018 من وقف التطويع بصفة جنود أو تلامذة ضباط ووقف التسريح، الأمر الذي أنذر بانعكاسات سلبية على المؤسسة العسكرية بدءًا من ضرب هيكليتها وهرميتها، مرورًا بالخلل في توازنات الترقيات… وعلى الرغم من تأثير هذا القرار السلبي على المؤسسة إلّا أننا أصرّينا على إزالة العقبات واجتراح الحلول. فمع إقفال باب التطويع، أفسحنا المجال أمام ذوي المؤهلات من العسكريين الإناث والذكور لدخول الكلية الحربية.

أمّا في ما يتعلّق بالتظاهرات، فإنّ الجيش اللبناني كما هي حال الجيوش عادةً لا يتدرب لمواجهة مثل هذه الأحداث، وقد كنّا أمام 3 خيارات: إما عدم التدخل وترك الأمر لقوى الأمن المعنية بمعالجة الموقف، ولكن حجم التظاهرات كان يتطلّب أن نؤازر هذه القوى. والخيار الثاني اعتماد الأساليب العسكرية القتالية، وهو أمر مُستبعد لأنّنا في مواجهة أهلنا ولسنا في حرب ضد عدو أو إرهاب. أمّا الخيار الأخير فكان استيعاب الوضع بتروٍّ والتعامل معه وفق القانون الذي يرعى التظاهرات، وهو بالطبع الخيار الذي اعتمدناه. اعتبرنا أنّ للمتظاهر وغير المتظاهر حقًا علينا، كفلنا حرية التعبير ومنعنا التعدي على المؤسسات والأملاك العامة والخاصة، ووجهنا رسالة مفادها أنّ المتظاهر الذي يستخدم العنف يفقد حقه في الحماية. لقد كنا نخشى دخول عناصر غريبة مدسوسة إلى التظاهرات لذلك تصرفنا بحذرٍ ورويّة.

لكن الجيش دفع ثمنًا كبيرًا مقابل هذا الخيار سواء على مستوى عدد الإصابات بين العسكريين، أو في ما يتعلّق باتهام البعض لكم بعدم التدخل لفتح الطرقات…

نعم، كلّفنا ذلك شهيدًا وأكثر من 600 جريح، بالإضافة إلى الاتهامات التي تعرضنا لها من الطرفين. لكنّنا في المحصلة النهائية حافظنا على السلم الأهلي، وعلى المؤسسات وكفلنا حق المتظاهرين وغير المتظاهرين وأنقذنا لبنان من الانزلاق إلى الأسوأ. اتُهمنا بالسماح بإقفال الطرقات، وهذا منافٍ للواقع. لم نسمح بإقفال الطرقات الرئيسية والجميع فهم ذلك، وكنا نتدخل في الوقت المناسب وحين نرى أنّ التظاهرة باتت تُشكّل خطرًا. وقد تميّـز تدخلنا بالمرونة والتدرج في استعمال القوة، والحرص على أرواح الناس.

الصمود في وجه الأزمة الاقتصادية

في الوقت الذي كانت خلاله الساحات والشوارع تغلي على وقع الاحتجاجات، كان العسكريون يؤدون واجبهم بينما هم يعانون كالمواطنين وأكثر تحت وطأة الأوضاع الاقتصادية، كيف نجحتم في التعامل مع هذا الوضع؟

عملنا بسرعة على تعزيز صمود العسكريين وتخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية عليهم، وذلك من خلال إجراءات عديدة توزّعت على ثلاثة محاور:

الطبابة: كانت الأولوية لدعم الطبابة العسكرية من خلال تخصيص جزء كبير من المساعدات لتعزيز خدماتها، فتابعت تقديم هذه الخدمات على أفضل وجه، لا بل أنشأت أقسامًا جديدة وطوّرت أخرى كانت موجودة، كما تمّ تطوير طبابات المناطق وإنشاء مستوصفات في مناطق نائية، فشعر العسكري بالأمان على صحته وصحة عائلته.

المدارس: بفضل دعم أشخاص ومؤسسات للجيش تمكنّا من تأمين جزء من الأقساط لعدد كبير من التلامذة من أولاد العسكريين، وما زلنا نسعى إلى تأمين المزيد من الدعم في هذا المجال، على أمل أن نغطّي كل الأقساط. 

النقل والمساعدات الغذائية: وضعنا خطة للنقل واستقدمنا عشرات الباصات لنقل العسكريين من منازلهم إلى مراكز عملهم في المناطق البعيدة. وتمكنّا من تأمين مساعدات نقدية وأخرى غذائية للعسكريين بفضل الدعم الذي تلقيناه من اللبنانيين ومن المجتمع الدولي.

بدورهم، أدى قادة الوحدات دورًا أساسيًا إذ كانت لهم مبادرات إنتاجية مثمرة. كل هذه المبادرات وسواها، معطوفة على إدراك العسكريين لحجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهم ووفائهم لقسمهم ومؤسستهم، أتاح لنا أن نصمد وأن نظل الركيزة الصلبة لهذا الوطن الذي نفتديه بدمائنا.

لكن كل ذلك ما كان ليتحقق من دون التصميم على إيجاد الحلول واعتماد الشفافية وحسن الإدارة وترشيد الإنفاق، وهذا ما أثمر ثقة بالمؤسسة على الصعيدين المحلي والدولي، وأتاح لنا الحصول على المساعدات. هذه الثقة كانت رافعة أساسية.

استجابة سريعة وفاعلة

جائحة كورونا وتداعياتها. كيف واجهها الجيش؟

كانت استجابة الجيش لمواجهة جائحة كورونا سريعة وفاعلة بفضل الجدية والمتابعة والعمل الاستباقي، بالإضافة إلى ما تلقيناه من مساعدات. ففي الوحدات، بذل الضباط جهودًا جبارة لتوعية عناصرهم والمحافظة على سلامتهم من خلال التوجيهات الدائمة، فضلًا عن المبادرة إلى تصنيع مستلزمات الوقاية لتكون بمتناول جميع العسكريين.

في موازاة ذلك، كان للطبابة العسكرية الفضل الأكبر من خلال رؤيتها الاستباقية لمواجهة هذه الجائحة وتقدير الحاجات الطبية اللازمة. إذ تم تأمين الأدوية، واللقاحات وأجهزة التنفس (معظم المستشفيات لم يكن لديها سوى 4 أو 5 أجهزة، بينما كان لدينا 84) وسواها من مستلزمات، كذلك استحدثنا مستشفى ميدانيًا لمعالجة حالات كورونا. بطل هذه المرحلة كان الجسم الطبي من دون منازع، فقد أبدى الأطباء والممرضون كفاءة عالية واستثنائية وجهوزية تامة، وعمل المختبر بقدرة عالية. مع الإشارة إلى أنّه لم تُسجّل أي حالة وفاة لدى مرضى كورونا الذين عولجوا في المستشفى العسكري المركزي، فقد نالوا أفضل رعاية وخصص ممرض لكل حالة. 

أما على الصعيد الوطني، فقد أسهمت تدابير الجيش في الحد من انتشار الفيروس عبر التوعية بوسائل مختلفة عن طريق إطلاق حملة إعلامية وصولًا إلى استخدام الطوافات والمناداة بواسطة المكبرات الصوتية، ورمي المناشير وتنفيذ دوريات راجلة ودعم المستشفيات المدنية ببعض المستلزمات الطبية وبخاصة أجهزة التنفس والبلازما.

تعلّمنا كيف نواجه

انفجار المرفأ وتداعياته، أربك الدولة بكلّ أجهزتها، في حين كان الجيش بكلّ أجهزته وبقرار من قيادته يرفع الأنقاض ويعيد الحياة للمرفأ ولشوارع بيروت ويتولّى ملف المساعدات. لماذا تدخّل الجيش بهذا الملف؟ وكيف تمكّن من نيل الثقة؟

كارثة انفجار المرفأ كانت تحديًا صعبًا للغاية، وقد استجاب لها الجيش بسرعة وكفاءة أدهشت المجتمع الدولي وخفّفت من وقع الكارثة على اللبنانيين. عملنا منذ اليوم الأول على عزل البقعة وإنقاذ الجرحى وانتشال الجثث، وإزالة الأنقاض وتنظيف الطرقات، والكشف على الأبنية المتضررة، إلى جانب تسلّم المساعدات التي رفضت الدول تسليمها إلّا للجيش ومن ثم توزيعها… ولعل الأمر الأبرز كان عودة المرفأ إلى العمل بعد بضعة أيام من الانفجار بفضل همة العسكريين وتفانيهم، يومها كان الأمر أشبه بمعجزة وهو أعطى اللبنانيين جرعة أمل وسط الكابوس الذي خلّفه الانفجار.

وفي وقفة تأملية يشير العماد عون إلى أنّ التعامل مع الأزمات الكثيرة التي اضطر الجيش للتصدي لها ليس من واجباته ولا يقع ضمن مهماته الأساسية، ولكننا وجدنا أنفسنا مجبرين على التعاطي معها في ظل عدم قدرة المؤسسات والأجهزة المعنية، وتعلّمنا كيف نواجهها، كنا كل يوم نتعلّم ونكتسب خبرات جديدة. هذه هي المدرسة العسكرية التي تعلّمنا التحدي والتضحية، والجيوش تُبنى لمواجهة الظروف الصعبة. لا يمكننا الوقوف متفرّجين أمام ما يصيب شعبنا. لقد أقسمنا أن نقوم بواجبنا كاملًا تجاه وطننا، لذلك نتدخل حيثما تدعو الحاجة بدافع من التزامنا وضميرنا، حتى ولو كان ذلك خارج نطاق مهماتنا الأساسية.

العلاقة مع اليونيفيل وترسيم الحدود

تربط الجيش وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان – اليونيفيل علاقة متينة، ماذا أضَفت إلى هذه العلاقة؟

علاقتنا باليونيفيل ممتازة ونعمل دائمًا على تعزيزها من خلال التنسيق وتنفيذ الدوريات المشتركة. ولكي نسهّل اتخاذ القرارات بشأن أي إشكال ونحول دون تفاقمه، أعطينا قادة الوحدات المنتشرة صلاحية المبادرة إلى التواصل المباشر مع وحدات اليونيفيل على الأرض. إلى ذلك، عملنا على تعزيز العلاقة بين اليونيفيل والمجتمع المحلي، وكنا حريصين على منع أي احتكاك قد يزعزع هذه العلاقة.

في ما يخص ملف ترسيم الحدود البحرية وما رافقه من مفاوضات، هل ترون أنّه كان مجحفًا بحق لبنان؟ أم أنّه منح البلد فرصًا جديدة؟

كل ما يهمنا في الأمر هو مصلحة الوطن، نحن قمنا بواجبنا من خلال إنجاز الشق التقني. أما في ما يتعلق بالاتفاق بحد ذاته ففي أي تفاوض لا توجد حلول مثالية، وبالتالي فإنّ ما حقّقناه جيّد والأهم في الموضوع هو التنقيب والاستثمار لتكملة النجاح.

الحرب على المخدرات

الحرب على المخدرات موضوع آخر يستأهل التوقّف عنده، فقد أعطيتموه حيزًا واسعًا من الجهد وكلّفكم دماء عدة شهداء، لكنكم تتابعون خوض هذه الحرب رغم ضغط المهمات الأمنية وسواها، ورغم الأوضاع الحياتية الصعبة للعسكريين، لماذا اليوم؟

الحرب على المخدرات ليست من صلب مهمات الجيش، ولكن خوضنا لهذه الحرب نابع من قناعة شخصية. فهذه الآفة تفتك بمجتمعنا وشبابنا، وتهدّد مستقبلهم وحياتهم، وقد دخلت بيوتنا وجامعاتنا وحتى مدارسنا، وهي تهدد بالقضاء على مستقبل أجيال. لم نستطع الوقوف متفرجين على ما يحصل وترك الساحة لعصابات المخدرات التي تفتك بشبابنا وتشوه صورة لبنان في المنطقة والعالم. لذلك قررنا محاربتها بكل ما نستطيع، نعم دفعنا دماء غالية في عدة مداهمات وعمليات، لكننا استطعنا القضاء على عصابات خطيرة. وهنا أحب أن أشير إلى أنّ حربنا ضد المخدرات لم تقتصر على ملاحقة المتورطين وتفكيك مصانع الإنتاج ومصادرة المواد المخدرة وتلف المزروعات، وإنما تعدتها لتشمل معالجة المدمنين، وإعادة تأهيلهم، بالشراكة مع المجتمع المدني. ونحن نواصل جهودنا في هذا المجال بالتنسيق مع الجهات المعنية، ونرى أنّه من الضروري أن تقوم جميع الأطراف بواجبها لنصل إلى النتيجة المرجوة، بما في ذلك السلطات السياسية والقضائية والدينية والهيئات الاقتصادية والجهات التربوية والأهلية… نحن لا نملك جميع الحلول ولا نتحمل المسؤولية الكاملة في هذا المجال.

احتاج التعامل مع الاستحقاقات والأزمات ليس فقط إلى الجهود والتضحيات الكبيرة، وإنما الجرأة والحكمة والتروي والقدرة على التكيّف، أخبرنا عن ذلك، وعن ما دفعه الجيش من أثمان في بعض المنعطفات ليحمي الاستقرار ويمنع انهيار البلد.

يبدأ جواب العماد عون من العبارة التي انتهى بها السؤال، فيقول بنبرة لا تخلو من الاعتراض:

الأثمان التي دفعناها؟ من يفكّر بالثمن الذي يقتضيه الواجب الوطني في مرحلة مصيرية كالتي نمرّ بها؟ لقد قمنا بما يمليه علينا الواجب الوطني، نحن مؤتمنون على البلد وهذا هو الأساس الذي يحكم قراراتنا وأداءنا. كل الأثمان رخيصة مقابل الحفاظ على لبنان.

المرأة في الجيش

عزّزتَ دور المرأة في الجيش ومنحتَها فرصًا عديدة لإثبات نفسها، هل نجَحَت هذه التجربة؟

كنت مؤمنًا أنّ المرأة اللبنانية قادرة على إثبات كفاءتها في مجالات مختلفة إذا أُعطيت الفرصة، ومن بينها المجال العسكري كما هو الحال في جيوش أخرى. وقد أظهرت التجربة نجاح الإناث في المهمات كافةً التي كُلّفن بها على صعيد وحدات القيادة، على المستوى الإداري وفي الوحدات الطبية واللوجستية، إذ نجحن في رفع مستوى الأداء الإداري وأسهمن في تطويره من خلال استيعابهنّ السريع للوسائل التقنية الحديثة التي أُدخلت إلى الجيش، وذلك بفضل المستوى العلمي الذي يتمتّعن به وجعلهنّ بمستوى العسكريين الذي راكموا الخبرات لسنوات طويلة. وفي بعض المواقع كان أداء الإناث أفضل من أداء الذكور، وكنّ أكثر اندفاعًا. على هذا الأساس قررنا توسيع مجال انخراطهن في الحياة العسكرية ليشمل مختلف المجالات.

ويتابع العماد عون قائلًا: «في الكلية الحربية حلّت أنثى في طليعة الدورة لسنتين متتاليتين. كذلك في القوات الجوية نجحت المرأة على صعيدي قيادة الطائرات والعمل في المجال الفنّي، إذ شاركت بفاعلية في مشروع إعادة طوّافات AB212 إلى الخدمة، فضلًا عن تعهّد طائرات السوبرتوكانو. وفي القوات البحرية لدينا ضباط إناث في اختصاص الغطس، كذلك الأمر في الوحدات الخاصة حيث نجحت المرأة وبرهنت امتلاكها القدرات التي تخوّلها تنفيذ المهمات القتالية بكفاءة. لقد أرادت النزول إلى الميدان ونحن أفسحنا لها المجال. باختصار هي تجربة أكثر من ناجحة، وأنا أعتقد أنّها أسهمت في تمكين المرأة اللبنانية وإعطائها دافعًا للتقدم في جميع المجالات».

قارب الجيش في السنوات الأخيرة قضايا إنمائية وثقافية تراثية، وسط كل التحديات كيف تمكّنتم من ذلك؟

وفق قانون الدفاع الوطني، يتولّى الجيش إلى جانب الدفاع عن الوطن وحفظ أمنه، مهمات إنمائية، وهذا ما يقوم به. خلال السنوات الأخيرة، حتّمت الأوضاع اضطلاعه بدورٍ كبير في مجال التنمية لتخفيف العبء عن المواطنين، وقد توسّع هذا الدور ليشمل حماية التراث والممتلكات الثقافية بعد أن باتت لدينا القدرات الضرورية لذلك. وهذه القدرات متوافرة لدى خمسة جيوش في العالم فقط، وبعضها أراد الإفادة من خبراتنا في هذا المجال.

الجيش وحقوق الإنسان

رغم الضرورات العسكرية يحرص الجيش على التزام موجبات حقوق الإنسان، أين تكمن صعوبات المواءمة بين تنفيذ المهمات والحفاظ على هذه الحقوق؟

نحن جيش نظامي يتميّز بالمناقبية والانضباط ويلتزم القوانين، وقد أنشأنا مديرية القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، نتيجة الحرص على التزام موجبات هذا القانون. ومن مهمات هذه المديرية الإشراف علي تدريب العسكريين على استخدام القوة خلال عمليات حفظ الأمن مع مراعاة المعايير الإنسانية. لكن لهذا الالتزام ثمنه الغالي الذي دفعه العسكريون بدمائهم أكثر من مرة، خلال توقيف إرهابيين ومداهمة عصابات المخدرات، لأنّهم كانوا حريصين على أرواح نساء وأطفال احتمى بهم المجرمون. خلال التظاهرات أيضًا دفعنا الثمن شهداء وجرحى، إذ كان حرصنا على عدم التعرّض للمتظاهرين السلميين سببًا لإصابة عدد كبير من العسكريين. هنا تكمن الصعوبة، مع ذلك نحرص على عدم تعريض الأبرياء للخطر، وتعليماتنا في هذا الإطار صارمة، وفي مطلق الأحوال عند حصول أي تجاوز من قبل عناصر الجيش، يتم إجراء تحقيق داخلي، ومن يخالف التعليمات تُتخذ في حقّه الإجراءات اللازمة.

ضمانة الوحدة والاستقرار

لماذا حازت المؤسسة العسكرية هذا القدر من الثقة؟

تعمل المؤسسة العسكرية لمصلحة الوطن بعيدًا من الطائفية والفئوية، وهي بالنسبة إلى اللبنانيين ليس فقط رمز السيادة، وإنما ضمانة أمنهم واستقرارهم وتجسيدًا لوحدتهم، صورتها في وجدانهم إيجابية مشرقة منذ تأسيسها. في ظل الظروف التي نمرّ بها تعزّزت الثقة وازدادت الصورة رسوخًا بفضل نهج العمل المؤسساتي المعتمد على الكفاءة والشفافية بعيدًا من الفساد، ما جعل المؤسسة العسكرية مصدر الأمل في إعادة بناء مؤسسات الدولة ونهوض الوطن. الجيش هو من الشعب، واللبنانيون يقدّمون له خيرة أبنائهم، ويثقون به.

أمّا بالنسبة إلى الثقة الدولية، فهي نتيجة الأداء المحترف والشفافية وإدارة الموارد بأفضل ما يمكن بعيدًا من الهدر والفساد، والقناعة بأنّ أي مساعدة تقدم للجيش هي استثمار ناجح وفي المكان الصحيح.

التعبير الأسمى

للشهداء وعائلاتهم مكانة خاصة في وجدانك. ما هو السبب؟ وما هي الرسالة التي توجهها لعائلات الشهداء؟

الشهداء هم التعبير الأسمى والأكثر إشراقًا عن قدسية روح الجندية الحقّة، واهتمامنا بهم هو تعبير عن شعور الوفاء والعرفان بالجميل لمن قدّموا حياتهم للوطن. أمّا وفاؤنا لهم فيكون في الاستمرار بحمل شعلة القضية التي استشهدوا من أجلها، وفي ملاحقة كل من اعتدى عليهم، والاهتمام بعائلاتهم.

أما رسالتي لهم فهي: أنتم فخرنا وأمانتنا الغالية ما دام في القلب نبض وفي الجسم روح، فلولا تضحية الشهداء لما كنّا هنا ولما بقي لنا وطن.

الشجاعة والتواضع

يُعرف عنك أنك مغوار جريء وشجاع، متمسك بمواقفك إلى حد القسوة أحيانًا، لكنك أيضًا تتمتع بالطيبة والتواضع، وتتميز بأنك واقعي ومتفائل وتعالج الأمور والمشاكل برويّة. كيف لهذه الصفات أن تجتمع من دون أن يلغي بعضها البعض الآخر؟

يُطلق العماد عون ضحكة تصعد من الأعماق، ويقول:

من أخبركم أنّ المغوار من دون قلب؟ المغوار يجمع بين القوة والشجاعة والعزم والشهامة والنخوة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لكل إنسان طباعه وشخصيته، وأنا بطبعي متفائل وواقعي. لا أحب تعقيد الأمور وأفضّل معالجة المسائل بهدوء ورويّة، فمن أهم صفات القائد القدرة على تحمل الضغوط لاتخاذ القرار المناسب.

وأنا كقائد يجب أن أوازن جيدًا بين المواقف التي تقتضي الحزم والجدّية والصرامة في كل ما يتعلّق بالأمور الأساسية والمهمات انطلاقًا من المسؤولية التي أتحملها، وتلك التي ينبغي أن أتصرف فيها كأب يرعى ويحمي ويوجّه، إذ تقتضي بعض المواقف التعامل الإنساني خارج المهمات والإطلاع على أوضاع العسكريين وحاجاتهم، والبقاء إلى جانبهم.

خلال فترة قيادتك للجيش، ابتعدت عن المناسبات باستثناء الوطنية والعسكرية منها، هل القرار ناتج عن طبيعتك؟ أم بسبب الظروف والتحديات التي عاشها الجيش؟

إنه قرار شخصي، فمركز القيادة يحمّلني مسؤولية، أنا أحترم خصوصيات الوظيفة، وحياتي ليست ملكي بل ملك المؤسسة العسكرية، هذا ما أؤمن به وأتصرف انطلاقًا منه. من جهة أخرى، إنّ الظروف العصيبة التي تُرهق المواطنين والعسكر تحتّم عليّ الانصراف الكامل لعملي وواجباتي وعائلتي.

عسكريونا شجعان مندفعون

كيف ترى الجيش اليوم؟ هل أنت راضٍ؟ وفي ظلّ كل التحديات التي واجهتموها، كيف تقيّم الضباط والعسكريين؟

أفتخر بأنّني قائد هذا الجيش المحترف. الإنجازات تُقاس بالإمكانات المتوافرة. نحن حققنا ما حققناه بالإمكانات القليلة المتاحة لنا. الانضباط والإرادة والاحتراف، عوامل عوّضت النقص في الموارد وفي المعدات. عسكريونا شجعان مندفعون لا يترددون، هذا ما أراه كل يوم في تنفيذهم للمهمات الموكلة إليهم. في أسوأ الظروف برهنوا عن عزم وصلابة وحافظوا على جهوزيتهم واندفاعهم. كم من مرة سمعت من مسؤولين عسكريين أجانب كبار عبارة: لو أنّ أي جيش آخر عاش الظروف التي عشتموها لما استطاع أن يصمد، ولكان انهار!

القيادة مسؤولية

ابتعدت عن الإعلام وإجراء المقابلات طوال السنوات الماضية، واقتصرت رسائلك على المواقف التي كنت تطلقها خلال جولاتك الميدانية في الوحدات العسكرية من دون أن تردّ على ما تتعرض له من افتراءات وشائعات، لماذا؟

من واجبي أن أقوم بجولات ميدانية لأواكب أحوال القطع والوحدات وسير العمل ولأعطي التوجيهات للعسكريين وأعلي الصوت منبّهًا إلى خطورة الأوضاع وضرورة التحرّك لمعالجتها، أما في ما عدا ذلك فإنّ جهودي تتركز على الهدف الأساسي، الحفاظ على السلم الأهلي وتجنيب البلد الوقوع في الفتنة كما ذكرت سابقًا. كنا نردّ على الافتراءات والإشاعات بالأعمال ولا ننظر خلفنا، اللبنانيون الذين يحبون جيشهم ويحرصون عليه ويثقون به كانوا يتولون الرد من دون أن نحتاج إلى الكلام. في كل جولاتي الميدانية أقول للعسكريين لا تردّوا على الشائعات، فالتاريخ سينصفنا، ركّزوا على مهمتنا الأساسية.

نجحت في إدارة المؤسسة العسكرية في ظروف لم يشهد لبنان لها مثيلًا. ما هي المبادئ التي وظّفتها عمليًا في القيادة؟

كان لا بد من التركيز على فهم السياق الوطني والتحديات التي يواجهها لبنان في هذه المرحلة، وعلى المسؤولية الوطنية التي تتحمّلها المؤسسة للحفاظ على الاستقرار ومنع انزلاق الأوضاع إلى الانهيار الذي يهدد كيان لبنان. انطلاقًا من هنا عملت على عدة أمور:

– وضع رؤية واضحة مستدامة وواقعية تعكس تطلعات المؤسسة وكيفية أدائها لدورها والحفاظ على سمعتها ومصداقيتها وثقة الشعب بها، مع اعتماد المرونة للتأقلم مع أي مستجدات أو تغيّرات.

– تحفيز العسكريين والحفاظ على معنوياتهم سواء من خلال منع التدخلات السياسية في شؤون المؤسسة، أو عبر تأمين المتطلبات والبيئة المناسبة للعسكري لينفّذ مهمّته على أفضل وجه. 

– الإصرار على التطوير والتحديث رغم الوضع الصعب، فقد استثمرنا في المشاريع المهمة والضرورية ذات الأولوية من أجل تعزيز كفاءة العمل وتحسين الخدمات. ومثال على ذلك، كل التحديثات التي حصلت في الطبابة العسكرية، والمشاريع التطويرية العديدة في مختلف القطع والوحدات.

– المشاركة في تحمّل المسؤولية الاجتماعية، بحيث أولينا اهتمامًا كبيرًا لقضايا تهمّ المواطنين، وتخفّف من وطأة الأزمات عليهم، عبر تنفيذ المشاريع وتقديم الخدمات، خصوصًا في المناطق النائية. 

– مواجهة التحديات الاقتصادية من خلال اعتماد سياسات التقشّف وترشيد الإنفاق وتحقيق مشاريع الكفاية الذاتية والاستدامة المالية للمؤسسة.

– تعزيز التعاون مع القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، لتحقيق الأهداف المشتركة بما فيه مصلحة لبنان وأبنائه.

هذا النهج ساهم في تحقيق نجاح المؤسسة التي صمدت في وجه ظروف غير مسبوقة في تاريخ لبنان.

في بلد مثل لبنان تدخل السياسة في كل شيء، وموقعك وإن كان عسكريًا يُقارب السياسة قليلًا، ما هي الأسس التي ارتكزت عليها في المنعطفات الحرجة التي تتطلّب توازنًا دقيقًا بين الاعتبارات العسكرية والمعطيات السياسية الحساسة؟ 

منذ البداية حددت مبادئ انطلقت منها في قراراتي ومواقفي، أولها التزام اليمين التي أقسمتها، وثانيها لا مساومة في ما يخص الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار، وثالثها عدم السماح لأي طرف بالتدخّل في شؤون المؤسسة، مع البقاء على مسافة واحدة من الجميع والتواصل مع جميع الأطراف. هذا النهج ساعدني في تخطي المطبات والمنعطفات الحساسة وفي أداء الواجب وفاءً لقسمي.

الموقف الأصعب

ما هو أصعب موقف واجهته في قيادة الجيش؟  وما هو أفضل ما حصل خلالها؟

واجهت الكثير من المواقف الصعبة طوال هذه السنوات، لكنّ أكثر ما يؤلمني هو سقوط شهداء، فهؤلاء لا تخسرهم عائلاتهم وحدها بل تفقدهم المؤسسة العسكرية أيضًا. معاناة العسكريين، والحوادث التي كادت أن تفجّر الأوضاع في البلد كانت أيضًا مواقف صعبة للغاية، أما أفضل موقف عشته فكان الانتصار في معركة «فجر الجرود». كان القرار صعبًا، وفيه قدر كبير من التحدي والإصرار، وبالنتيجة تحوّل الموقف الصعب إلى محطة فخر واعتزاز للجيش.

لو عدنا إلى الوراء هل من قرار ندمت على اتخاذه، أو قرار ندمت على عدم اتخاذه؟

لا أندم على أي قرار اتخذته، فلكل قرار يُتخذ ظروفه وحيثياته، وأي من هذه القرارات يمكن تطبيقه في ظرف معين ولا يُطبَّق في ظرف آخر مختلف. ولكن الأهم هو أنه بعد كل خطوة نقوم بها، نجري تقييمًا يسمح لنا باستخلاص العبر وتجنّب الأخطاء.

بم تفتخر أنّك حققت للجيش ولعناصره؟

كل ما حقّقناه في المؤسسة كان بفضل الضباط والعسكريين كافة الذين يزداد فخري واعتزازي بهم يومًا بعد يوم. لقد حافظوا على مقومات الصمود وعلى تماسكهم في ظل هذه الأزمات والظروف الصعبة. لقد بذلوا الجهود وكانوا شركاء «عالحلوة والمرة»، وبفضلهم حققنا ما حققناه. إذا أردتُ التعبير عن فخري بشيء فهو فخري بهم.

إلى أي حد كان صعبًا عليكم تأمين الموارد اللازمة لتسيير شؤون المؤسسة ودعم صمود العسكريين في ظل الشح في الموازنة؟

هنا لا بد من كلمة حق تُقال، لقد برهن اللبنانيون مقيمون ومغتربون مدى استعدادهم لاحتضان جيشهم وحرصهم عليه وثقتهم به، فكانت مساعداتهم للمؤسسة موردًا مهمًا، يُضاف إلى ذلك طبعًا المساعدات النوعية التي تلقيناها من دول شقيقة وصديقة، وهي أيضًا نتيجة الثقة، والقناعة بأنّ أي مساعدة تقدم للجيش هي استثمار ناجح وفي المكان الصحيح. وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الاستقرار في لبنان هو حاجة دولية وليس فقط مصلحة محليّة. ولم يحصل في تاريخ المؤسسة العسكرية أن تلّقت من الدعم والمساعدات ما تلقيناه في هذه المرحلة.

حين اتُهمت بمخالفة القانون على خلفية المساعدات التي أمنتها للجيش، قلت: إذا كان في ذلك مخالفة للقانون فسأرتكبها مرة أخرى من أجل جنودي، لو عادت الأيام إلى الوراء هل كنت تكرر الأمر نفسه؟

أكيد «بعيدا وبكررا». عمليًّا لم تكن مخالفة قانون بل تخطيًا للأمور البيروقراطية والإدارية لتسريع العمل الإداري من أجل إيجاد حلّ للأزمة. لا يهمّني ما يقوله الآخرون، وإذا اعتبروا أن جهدي لتأمين مقومات صمود العسكر هو «شحادة»، فأنا أفتخر بذلك. من واجباتي كأب للعسكريين أن أحافظ على كرامتهم وأؤمّن لهم الظروف التي تخفّف من أعبائهم.

هل تخاف على الجيش؟ وعلى لبنان؟

بطبيعة الحال الخوف موجود. خوفي مصدره الوضع الاقتصادي وعدم تأمين الموارد والمقومات التي تحتاج إليها المؤسسة، ولكن ثقتي كبيرة بالعسكريين وبقدراتهم وتفانيهم والتزامهم. أما بالنسبة للبنان فثمة خوف بسبب ما يعانيه من أزمات، وتأثيرها على شبابه الذين هاجر قسم كبير منهم، بينما القسم الآخر يفتقد المقومات التي يحتاجها لتحقيق طموحاته. هذا الخوف ضروري لأنّه يحثّنا على ابتكار الحلول، ولا بد من العمل بجدية لإنتاج حلول للوضع القائم.

ما هي الرسالة التي توجهها في هذه المرحلة إلى جنودك؟ وإلى الشباب اللبناني؟

رسالتي إلى العسكريين هي كلمة من القلب أقولها لهم دائمًا وفي كل مناسبة ولقاء: أنتم عمود لبنان الفقري وخشبة خلاصه وسبب بقائه، تمسكوا بقدسية مهمتكم وحافظوا على مهنيتكم واحترافكم ومناقبيتكم، واعتنقوا البزّة العسكرية طائفةً لكم، لأنّ في ذلك خلاص بلدنا.

وللشباب اللبناني أقول أيضًا، لبنان أمانة بأعناقكم، أنصحكم بالخروج من وحش الطائفية لتستطيعوا بناء وطن يليق بأحلامكم، وليكن إيمانكم الأكبر بلبنان، وليكن الوطن قضيتكم. تمسّكوا بمحبة وطنكم وبالقيم الوطنية والأخلاقية. لبنان وطنكم وأنتم أيضًا مدعوون للمشاركة في الدفاع عنه.

كلمة أخيرة؟
الجيش جيش لبنان، يعمل لمصلحة الوطن من دون أي تمييز بين جهة وأخرى. أقسمنا يمين الولاء للوطن والحفاظ عليه، ونمضي في مسيرتنا ملتزمين شعار “شرف تضحية وفاء”.
أقوم بواجبي ولا ألتفت إلى الوراء. وعندما أنجز واجباتي حيال وطني، سأمضي إلى ضيعتي وأقيم مرتاح الضمير.