في ما يأتي النص الكامل لخطاب القسم الذي ألقاه الرئيس عون في مجلس النواب بعد أدائه اليمين الدستورية:

دولة رئيس مجلس النواب

دولة رئيس مجلس الوزراء

السادة النواب والوزراء

السادة رؤساء وأعضاء السلك الدبلوماسي

أيتها اللبنانيات، أيها اللبنانيون،

أيها الحضور الكريم، 

لقد شرّفني السادة النواب بانتخابي رئيسًا للجمهورية اللبنانية، وهو أعظم الأوسمة التي أحملها وأكبر المسؤوليات، فأصبحت الرئيس الأول بعد المئوية الأولى لقيام دولة لبنان الكبير، في وسط زلزال شرق أوسطي تصدّعت فيه تحالفات وسقطت أنظمة وقد تتغيّر حدود!

ولكن لبنان بقي هو هو، على الرغم من الحروب والتفجيرات والتدخلات والعدوان والأطماع وسوء إدارة أزماتنا، لأن لبنان هو من عمر التاريخ، ولأن الأديان فيه متكاملة، ولأن الشعب واحد، ولأن هويتنا على تنوّع فئاتنا وطوائفنا هي لبنانية، نحب الإبداع كمتنفس أساسي للحياة ونتعلّق بأرضنا كمساحة أساسية للحرية، صفتنا الشجاعة، قوّتنا التأقلم، نصنع الأحلام ونعيشها، ومهما اختلفنا، عند الشدّة نحضن بعضنا لأنه إذا انكسر أحدنا انكسرنا جميعًا.

أيها الشعب الحبيب،

لقد وصلنا إلى ساعة الحقيقة. 

نحن في أزمة حكم يفترض فيها تغيير الأداء السياسي في رؤيتنا لحفظ أمننا وحدودنا، وفي سياساتنا الاقتصادية، وفي تخطيطنا لرعاية شؤوننا الاجتماعية، وفي مفهوم الديمقراطية وفي حكم الأكثرية وحقوق الأقليات، وفي صورة لبنان في الخارج وعلاقاتنا بالاغتراب، وفي فلسفة المحاسبة والرقابة وفي مركزية الدولة والإنماء غير المتوازن وفي محاربة البطالة وفي مكافحة الفقر والتصحّر البشري والبيئي.

هي أزمة حكم وحكّام وعدم تطبيق الأنظمة أو سوء تطبيقها وتفسيرها وصياغتها!

لذا عهدي إلى اللبنانيين أينما كانوا وليسمع العالم كلّه،

اليوم تبدأ مرحلة جديدة من تاريخ لبنان، أقسمت فيها أمام مجلسكم الكريم وأمام الشعب اللبناني يمين الإخلاص للأمة اللبنانية، وأن أكون الخادم الأول في الحفاظ على الميثاق ووثيقة الوفاق الوطني والتزامي بتطبيقها بما يخدم المصلحة الوطنية العليا، وأن أمارس صلاحيات رئيس الجمهورية كاملة كحكم عادل بين المؤسسات، هدفه حماية قدسيّة الحريّات الفردية والجماعية التي هي جوهر الكيان اللبناني.

هذه الحريات التي يجب أن تستند إلى حكم القانون وإلى حوكمة تحفظ الحقوق وتضمن المحاسبة وتساوي بين جميع المواطنين، لأنه إذا أردنا أن نبني وطنًا علينا أن نكون جميعًا تحت سقف القانون وتحت سقف القضاء حيث لا صيف ولا شتاء على سطح واحد بعد الآن، ولا مافيات أو بؤر أمنية ولا تهريب أو تبييض أموال أو تجارة مخدرات ولا تدخل في القضاء ولا تدخل في المخافر ولا حمايات أو محسوبيات ولا حصانات لمجرم أو فاسد أو مرتكب. العدل هو الفاصل وهو الحصانة الوحيدة بيد كل مواطن وهذا عهدي!

عهدي أن أعمل مع الحكومة المقبلة على إقرار مشروع قانون جديد لاستقلالية القضاء، بشقه العدلي والإداري والمالي، وتطوير عمل النيابات العامة وإجراء التشكيلات القضائية على أساس معايير النزاهة والكفاءة، وتفعيل هيئة التفتيش القضائي، وتبسيط أصول المحاكمات وإصلاح السجون وتسريع البت بالأحكام بما يضمن الحريات والحقوق ويشجع الاستثمارات ويكافح الفساد.

وعهدي أن أطعن بدستورية أي قانون يخالف أحكام الدستور وأن أحترم فصل السلطات، فأمارس دوري الرقابي عليها بأمانة وموضوعية ومن خلال حقي في رد القوانين والمراسيم التي لا تخدم المصلحة العامة، تاركًا لمجلس النواب أو لمجلس الوزراء أن يعيد النظر بها.

وعهدي أن أدعو إلى استشارات نيابية سريعة لتكليف رئيس حكومة هو شريك في المسؤولية لا خصم، نمارس صلاحياتنا بروح إيجابية تهدف إلى استمرارية المرفق العام وتفضيل الكفاءة على الزبائنية،  والوطنية على الفئوية والفاعلية على البيروقراطية والحزم على الهروب من المسؤولية، والشفافية على الصفقات ومعاصرة التطور العالمي على التمترس خلف صراعات الماضي.

عهدي مع المجلس النيابي ومجلس الوزراء أن نعيد هيكلة الإدارة العامة، وأن نقوم بالمداورة في وظائف الفئة الأولى في الإدارات والمؤسسات العامة، وأن يتم تعيين الهيئات الناظمة، بما يعيد للدولة وللموظفين هيبتهم ويحفظ كرامتهم ويستقطب النخب لتأسيس إدارة حديثة إلكترونية رشيقة فعّالة حيادية لاحصرية ولامركزية، تحسن إدارة أصولها، لا عقدة لديها من القطاع الخاص، تمنع الاحتكار ولا خوف لديها من فتح دفاترها لصاحب حق أو رقيب، وتعزز المنافسة وتحمي المستهلك وتمنع الهدر وتفعّل أجهزة الرقابة وتحسن التخطيط وإعداد الموازنة وإدارة الدين العام، لأن لا قيمة لإدارة عامة لا تقدّم خدمات نوعية للمواطنين بأفضل الأسعار كشرط أساسي للحفاظ على كرامة اللبناني وإنعاش الاقتصاد وخلق فرص عمل.

عهدي أن أمارس دوري كقائد أعلى للقوات المسلّحة وكرئيس للمجلس الأعلى للدفاع بحيث أعمل من خلالهما على تأكيد حق الدولة في احتكار حمل السلاح. دولة تستثمر في جيشها ليضبط الحدود ويساهم في تثبيتها جنوبًا وترسيمها شرقًا وشمالًا وبحرًا ويمنع التهريب ويحارب الإرهاب ويحفظ وحدة الأراضي اللبنانية، ويطبق القرارات الدولية، ويحترم اتفاق الهدنة ويمنع الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، جيش لديه عقيدة قتالية دفاعية يحمي الشعب ويخوض الحروب وفقًا لأحكام الدستور.

عهدي أن أسهر على تفعيل عمل أجهزة القوى الأمنية على اختلاف مهامها كأداة أساسية لحفظ الأمن وتطبيق القوانين. 

عهدي أن أدعو إلى مناقشة سياسة دفاعية متكاملة كجزء من استراتيجية أمن وطني على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية بما يمكّن الدولة اللبنانية، أكرّر الدولة اللبنانية، من إزالة الاحتلال الإسرائيلي وردّ عدوانه عن كافة الأراضي اللبنانية. 

عهدي أن نعيد إعمار ما هدّمه العدوان الإسرائيلي في الجنوب والبقاع والضاحية وجميع أنحاء لبنان بشفافية، وبإيمان أنّ شهداءنا هم روح عزيمتنا، وأنّ أسرانا هم أمانة في أعناقنا، فلا نفرّط بسيادة واستقلال لبنان، وبأنّ وحدتنا هي ضمانة مناعتنا وبأن تنوّعنا هو غنى تجربتنا، وبأنه آن الأوان لنراهن على لبنان في استثمارنا لعلاقاتنا الخارجية، لا أن نراهن على الخارج في الاستقواء على بعضنا البعض.

وعهدي بأن نتمسّك جميعًا بمبدأ رفض توطين الأخوة الفلسطينيين حفاظاً على حق العودة وتثبيتًا لحل الدولتين الذي أُقرّ في «قمة بيروت» وفقًا لمبادرة السلام العربية، وأن نتمسّك أيضًا بحق الدولة اللبنانية في ممارسة سلطتها على كافة الأراضي اللبنانية، ومن ضمنها مخيّمات لجوء الأخوة الفلسطينيين والحفاظ على كرامتهم الإنسانية. 

عهدي أن أقيم أفضل العلاقات مع الدول العربية الشقيقة انطلاقًا من أن لبنان عربي الانتماء والهوية، وأن نبني الشراكات الاستراتيجية مع دول المشرق والخليج العربي وشمال أفريقيا، وأن نمنع أي تآمر على أنظمتها وسيادتها وأن نمارس سياسة الحياد الإيجابي، وأن لا نصدّر لها سوى أفضل ما لدينا من منتوجات وصناعات وأن نستقطب السواح والتلامذة والمستثمرين العرب لنواكب تطورهم ونغنيهم بطاقاتنا البشرية ونبني اقتصادات متكاملة ومتعاونة.

وانطلاقًا من المتغيّرات الإقليمية المتسارعة، لدينا فرصة تاريخية لبدء حوار جدّي وندّي مع الدولة السورية بهدف معالجة كافة المسائل العالقة بيننا، لا سيما مسألة احترام سيادة واستقلال كل من البلدين، وضبط الحدود في الاتجاهين، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي منهما، وملف المفقودين وحل مسألة النازحين السوريين لما لها من تداعيات وجودية على الكيان اللبناني، والتعاون مع الأخوة السوريين والمجتمع الدولي لمعالجة هذه الأزمة، بعيدًا عن الطروحات العنصرية أو المقاربات السلبية، والسعي مع الحكومة المقبلة والمجلس النيابي الكريم إلى وضع آلية واضحة قابلة للتنفيذ الفوري تعيدهم إلى وطنهم.

عهدي أن ننفتح على الشرق والغرب، وأن نقيم التحالفات وأن نفعّل علاقة لبنان الخارجية مع الدول الصديقة والمجتمع الدولي وذلك بناءً على قاعدة الإحترام المتبادل بما يحفظ سيادة لبنان وحرية قراره.

عهدي أن يفتخر كل مغترب بلبناننا كما يفتخر لبنان بمغتربيه، فحقهم في التصويت هو حق مقدّس يحوّل غربتهم إلى انتماء جديد لكل قرية ومدينة من لبنان، فيعود منهم من يرغب ومن يقدر وتتحوّل الهجرة الدائمة إلى فكرة عابرة لا حاجة لها.

عهدي أن أدفع مع الحكومات المقبلة باتجاه تطوير قوانين الانتخابات بما يعزز فرص تداول السلطة والتمثيل الصحيح والشفافية والمحاسبة، وأن أعمل على إقرار مشروع قانون اللامركزية الإدارية الموسعة بما يخفف من معاناة المواطنين ويعزز الإنماء المستدام والشامل.

عهدي أن أتمسّك بالحفاظ على الاقتصاد الحر والملكية الفردية، اقتصاد تنتظم فيه المصارف تحت سقف الحوكمة والشفافية، مصارف لا حاكم عليها سوى القانون ولا أسرار فيها غير السر المهني، وعهدي أن لا اتهاون في حماية أموال المودعين.

عهدي أن أسعى إلى تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، لا سيما الضمان الاجتماعي والخدمات الصحية، وأن أجهد للحفاظ على البيئة وأن أحترم حريّة الإعلام وحريّة التعبير ضمن الأطر الدستورية والقانونية.

عهدي أن نستثمر في العلم ثم العلم ثم العلم، وفي المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية وفي الحفاظ على التعليم الخاص وحريته. 

عهدي هو عهدكم أيها النواب الكرام وعهد كل لبناني يريد أن يبني دولة قوية واقتصادًا منتجًا وأمنًا متماسكًا ومستقبلًا واعدًا.

لا مجال لإضاعة الوقت بعد الآن أو لإضاعة الفرص. أدعوكم إلى أن لا تفكّروا بالانتخابات المقبلة، بل فكّروا بما سيؤول إليه مستقبل أولادكم وكرامة شيوخكم. واجبنا أن نكون نساء ورجال دولة، نفكّر بمستقبل أجيالنا لا بمصالحنا الذاتية، وأن نعتبر أنفسنا ملك لبنان وليس لبنان ملكًا  لنا.

إلى رفاق السلاح، في هذه اللحظة أخلع عني البزّة المرقّطة، وألبس اللباس المدني، ولكنّي أبقى منكم ولكم أفتخر بانتمائي لمدرستكم الوطنية، مدرسة الشرف والتضحية والوفاء، وأحفظ في قلبي وعقلي ووجداني تضحياتكم وبطولاتكم، أنتم المؤسسة التي يُبنى على أكتافها الوطن، وتحمي وحدته، لم تخذلوا الشعب يوماً وأنا بدوري لن أخذلكم.

وإلى أحبائي اللبنانيين أقول: عهدي هو عهدكم، ورش العمل كثيرة ولا قدرة لي عليها لوحدي، إنها مسؤوليات السادة النواب والوزراء والقضاء والأحزاب والمجتمع المدني. وعهدي أن أعمل مع هؤلاء جميعًا للدفاع عن المصلحة العامة وعن حقوق اللبنانيين أفرادًا وجماعات، وأن نثبت للعالم أنه لا وجود لكلمة فشل في القاموس اللبناني. هذا زمن إبداعكم وزمن أن تجعلوا العالم ينحني احترامًا لروح العزيمة فيكم، وزمن السلم والوعي والعمل والتضامن بينكم، لا فضل لطائفة على أخرى ولا ميزة لمواطن على آخر. هذا عهد احترام الدستور وبناء الدولة وتطبيق القوانين، هذا عهد لبنان!

عشتم… عاش لبنان​