د. لمياء المبيّض بساط*
الربط بين السياسات العامة
وبين الموازنات وخيارات صرف الأموال العامة
1 – تصميم سياسات مالية شاملة الجميع تأخذ في اعتبارها السياق السياسي والاجتماعي وتدعم الاستدامة على المدى الطويل.
2 – تعزيز القدرة على التنبؤ والبرمجة المالية من خلال بناء أطر متوسطة الأجل تسمح بتنبؤ دقيق للإيرادات والنفقات، مما يساعد في تخصيص الموارد بشكلٍ أكثر فعالية وفق الأولويات الوطنية.
3 – تركيز الموارد على الأولويات التنموية بطريقةٍ تعزز التنمية الاجتماعية والاقتصادية، مما يسهم في تحقيق الأمن الاجتماعي ويقلل من التوترات والنزاعات.
4 – تحسين الشفافية والمساءلة بما يضمن أن تكون عمليات تخصيص الموارد العامة وإدارتها شفّافة وقابلة للمساءلة، ويعزز فعالية الإنفاق العام ويقلل من الفساد.
5 – تعزيز التعاون مع المانحين والمنظمات الدولية لتطوير معايير فعّالة لإدارة المساعدات وضمان تحقيق الأهداف التنموية.
المراجع
١ .هذا النصّ مبني على وثيقة أمميّة أعدّتها الكاتبة بعنوان « Sound public financial management in fragile and conflict-affected settings to eradicate poverty in all its forms» في إطار مساهمتها في لجنة الأمم المتحدة للخدمة العامّة. يمكن مراجعة الأصل على الرابط:
https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n24/029/33/pdf/n2402933.pdf
2 . مبيض، لمياء، جاكسون، بول، أوت، كاتارينا (2024) الادارة المالية العامة السليمة في البيئات الهشة والمتأثرة بالنزاع للقضاء على الفقر بجميع أشكاله.
3 . مركز التنمية الدولية، (شباط 2024)، أعداد الفقراء في البلدان المعرضة للهشاشة والنزاعات.
Moubayed Bissat,Lamia, (2024), Blog On SDG16 : Addressing poverty in fragile and conflict-affected settings: The central role of sound public financial management
*رئيسة معهد باسل فليحان المالي والإقتصادي
ونائبة رئيسة لجنة خبراء الأمم المتحدة في الادارة العامة
بين الفقر والنزاعات علاقةٌ متشابكة ومعقدة، تعمل كحلقةٍ مفرغة في اتجاهين متداخلين. هذا الترابط بين الفقر والنزاعات يظهر بوضوح في العديد من البلدان التي تعاني الأزمات المستمرة حيث يسهم الفقر في تأجيج النزاعات والحروب، بينما تعمّق الحروب والنزاعات معاناة الفقراء.
في حالات أخرى، تزداد حدة النزاعات والتدخلات الأجنبية عندما تصل العوامل المحليّة إلى نقطة التحوّل نحو الصراع. فالفجوات الاجتماعية والاقتصادية تسهم في تعزيز الشعور بالتمييز والإقصاء وبالتالي في تأجيج النزاعات العرقيّة والسياسيّة الداخليّة، مما يؤدي إلى تفشي الفقر وزيادة التوترات في ما يشبه دورة مأساويّة أزليّة.
على المستوى العالمي، ووفق صندوق النقد الدولي، يعيش أكثر من مليار شخص في أكثر من 40 دولة تحت تأثير النزاعات أو خطر تجدّدها. هذه البلدان تكون أكثر عرضة لتصاعد النزاعات بسبب تعقيدات الصراعات المستمرة وتطور التكنولوجيا الحربيّة، بالإضافة إلى تفلّت أسواق الأسلحة من الرقابة، خصوصًا الأسواق الثانويّة.
بالإجمال، الفقر وحده ليس سببًا مباشرًا للنزاعات أو لاستمرارها، بل غالبًا ما يحصل ذلك نتيجة تراكمات مختلفة على خلفيّة سياسيّة هشّة وانهيارات اجتماعية. فالفقر يتفاعل مع هذه الخلفيات ليتسبب في تفاقم الصراعات. وعندما تفتقر المجتمعات إلى الموارد الأساسية، يتصاعد التوتر بين الفئات المختلفة بسبب التفاوت في توزيع الموارد، فتزداد الفجوات على اختلافها. في هذا السياق، يتفاعل الفقر والنزاعات في دورة سببيّة تؤدي إلى استمرار المعاناة.
الفساد والفقر
بين الفقر والفساد أيضًا علاقةٌ مترابطة، حتى أنّ معظم الدراسات والمؤسسات الدوليّة تشير إلى ضرورة مكافحة الفساد كجزءٍ أساسي من الجهود للحدّ من الفقر والجوع والمرض. فحيث يستشري الفساد، تُحوّل الموارد من الفقراء إلى الأغنياء، مما يؤدي إلى تفاقم أزمات الفقر ويزيد من المعاناة. يعيق هذا الأمر تقديم الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحيّة، فيسهم في تكريس دائرة الفقر ويزيد من حدّة التوترات الاجتماعيّة والإتنيّة.
الفساد لا يقتصر فقط على تحويل الموارد، بل يخلق أيضًا ثقافة الرشوة ويشوّه الإنفاق العام، مما يعمّق أزمات الفقر. وفي الهند، أظهرت تقارير كيف أنّ الرشوة والمحسوبية تؤديان إلى سوء توزيع المشاريع التنموية، إذ يتم توجيه الموارد إلى المشاريع التي تخدم مصالح الأثرياء أو المسؤولين بدلًا من تلبية احتياجات الفقراء. هذا الفشل في توزيع الموارد بشكلٍ عادل يغذي النزاعات الاجتماعيّة ويزيد الانقسامات داخل المجتمع، مما يؤدي إلى تفشي الفقر وعدم الاستقرار.
مخاطر برامج مكافحة الفقر
في سعيها لتحقيق خفض مستدام لمعدلات الفقر وتعزيز أمن وسلامة مجتمعاتها ضمن إطار أهداف التنمية المستدامة الـ17 المدرجة في أجندة التنمية للعام 2030، تلجأ الدول ذات البيئات غير المستقرة والتي تعاني تقلبات شديدة في الدخل، إلى برامج تحويلات نقديّة مباشرة للفقراء، أو ما يُعرف ببرنامج «مساعدات الفقراء» Direct Cash Transfers. قلّة فقط من هذه الدول، تستثمر في بنية حماية اجتماعيّة مصادرها ذاتيّة تتغذى من الموارد العامّة للدولة. إنّ برامج مكافحة الفقر، رغم أهميتها، تحمل مخاطر كبيرة على الصحة الماليّة للدول المعرّضة للهشاشة، إذ عادةً ما تدفع حالات غياب الاستقرار المالي إلى اعتماد استراتيجيات غير مستدامة لتمويل برامج مكافحة الفقر، مثل الاستدانة المفرطة لتغطية العجز أو الاعتماد الكبير على المساعدات الدولية.
وقد أثبتت التجارب أنّ استهداف الفئات المستحقة قد يشوبه نقص في الفعاليّة أو ممارسات تمييزية. ففي بعض الدول كالبرازيل مثلًا، استفادت الفئات الأعلى دخلًا من برامج دعم أسعار الوقود التي هدفت في الأصل إلى مساعدة الفقراء، ما أدى إلى إهدار الموارد وعدم تحقيق الأهداف المرجوّة، وارتفاع مستويات الديون وانخفاض قيمة العملة.
وعلى سبيل المثال أيضًا، أدت الأزمات السياسيّة والإنسانيّة في اليمن إلى تقلبات كبيرة في مستوى تدفّق المساعدات الدوليّة. هذه التقلبات أثّرت على قدرة الدولة في الحفاظ على برامج المساعدات النقديّة المباشرة، ما فاقم معاناة الفقراء. وفي الأرجنتين، أدى برنامج التحويلات النقدية إلى زيادة الطلب على المواد الغذائيّة والسلع الأساسيّة، ما أسهم في ارتفاع أسعارها بشكلٍ كبير. هذه الزيادة في الأسعار أثّرت سلبًا على القدرة الشرائيّة للفقراء، وحدّت من فعاليّة البرنامج.
عدم الشفافية في إدارة الموارد الماليّة لبرامج الفقر يمكن أن يؤدي إلى سوء استخدام الأموال وإضعاف الثقة في البرامج، تمامًا كما حصل في كينيا حيث أشارت تقارير عدّة إلى فساد في إدارة صندوق «التحويلات الاجتماعية للأسر الفقيرة»، مما أثر على فعالية البرنامج وزاد تكاليفه الإداريّة.
في بعض الدول، تمّ اعتماد سياسة التوسّع في التوظيف في القطاع العام كوسيلةٍ لتخفيف الفقر ولامتصاص النقمة الشعبيّة الناتجة عن ازدياد معدلاته. لقد ثبُت أنّ هذا الخيار ينطوي على مخاطر كبيرة مثل الفساد، وسوء استعمال النفوذ، والرشوة في آليات التوظيف، ويسهم في الممارسات التمييزية وعدم الشفافية. على سبيل المثال، في نيجيريا، كما في عدّة بلدان أفريقيّة، أدى التوظيف السياسي إلى توسيع القطاع العام، وخلق وظائف وهميّة، وزيادة الفساد، ما أضعف فعاليّة البرامج الاجتماعيّة وزاد الأعباء الماليّة على الدولة، فضلًا عن تآكل الثقة في الحكومة.
معالجة الفقر بحُسن إدارة المال العام
إنّ الفساد وسوء الإدارة المالية يعمقان النزاعات الداخلية ويقوّضان شرعية الدولة، مما يعرّض المجتمعات لتأثيرات النزاعات والتدخلات الأجنبية. في هذا السياق، يتعيّن على البلدان المعرضة للهشاشة استثمار كل فلس من المال العام، سواء كان مصدره داخليًا أو خارجيًا، بطريقة تعزز الأمن الاجتماعي وتدفع للتقدّم في مسارات التنمية المستدامة.
وبالتركيز على قضايا الموازنة العامة، من المفيد التذكير بضرورة تجاوز أطرها التقليدية المتقادمة. فهي ليست مجرد بيان تقديري لنفقات الحكومة وإيراداتها خلال فترة زمنية محددة، ولا صكًا تشريعيًا يجيز الجباية والإنفاق، بل هي أداة ماليّة حيويّة للسياسات العامة تعبّر عن توجهات الحكومة وأولوياتها. وبالتالي، من المهم الانتقال إلى منهجيات التخطيط المالي الاستراتيجي المبني على الأدلّة والبيانات وتعديل أطر الموازنة إلى متوسطة الأجل، وتعزيز القدرة على توقّع الإيرادات واستشراف النفقات المخطَّط لها، بما يقلّل من الفجوات بين التقديرات الفعليّة والمخطط لها. وهذا يؤدي بدوره إلى تخصيص الموارد بشكلٍ أكثر فعالية وفق الأولويات والفئات المختلفة من السكان. كما يمكن لأطر التنبؤ والبرمجة المالية متوسطة الأجل، التي تعتمد على بيانات دقيقة وتحليلات مستندة إلى الأدلة، أن تساعد الحكومات في اتخاذ قرارات مستنيرة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بخاصةٍ الهدف الأول (Sustainable Development Goal – SDG1) المتعلق بالقضاء على الفقر.
في البيئات الهشّة، حيث يكون غموض تخصيص الموارد والفساد شائعين، تصبح مصداقية الموازنة أمرًا حاسمًا لتحديد خيارات صرف الأموال العامة من خلال أطر متوسطة الأجل قائمة على التنبؤ والموضوعية.
من الأبعاد الأساسية الأخرى التي يجب تعزيزها، الشفافية والمساءلة. ووفق مبادئ إطار الإنفاق العام والمساءلة المالية (PEFA – Public Expenditure and Financial Accountability) وتوصيات لجنة خبراء الإدارة العامة التابعة للأمم المتّحدة (CEPA – Committee of Experts on Public Administration)، فإنّ الشفافية في الموازنة تعزز قدرة المواطنين على متابعة كيفية تخصيص الموارد العامة، مما يزيد من الرقابة الشعبية ويقوي مساعي محاربة الفساد. كما تسهم تقارير المراجعة المستقلّة والتقييمات المنتظمة في تعزيز المساءلة وضمان تنفيذ السياسات بفعالية. وهذا الأمر يساعد في تجنب النزاعات الناتجة عن الممارسات التمييزية أو الإقصائية.
على سبيل المثال، في أيرلندا، ساعدت الإصلاحات في إدارة الموازنة العامة على تحسين الشفافية وتقليل الفجوات بين التقديرات المخطَّط لها والواقع الفعلي، وألغت الممارسات التمييزيّة، مما عزّز الثقة في الحكومة وأسهم في تحسين مستويات المعيشة.
إنّ تحقيق التقدم في مسار القضاء على الفقر في البيئات المتأثرة بالنزاعات هو مسار طويل يستدعي استجابات متعددة الأبعاد لمعالجة الأسباب الجذرية للفقر والنزاعات، أبعاد تتضمن تحسين أطر الحكم، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتوفير الموارد والخدمات الأساسية بشكلٍ منصف، وتطبيق سياسات إنمائية مندمجة تعالج القضايا الاقتصادية والاجتماعية بشكلٍ متكامل بما في ذلك أطر شاملة للحماية الاجتماعيّة. ومن الضروري أن تكون السياسات الوطنيّة والمساندة الدوليّة مصمّمة لتعزّز بناء القدرات المؤسساتية.
وفي هذا الإطار، يشكل الاستثمار في القدرات المعنيّة بحسن إدارة المال العام على المستويات المركزيّة والمحليّة خطوة أساس للحدّ من الفقر والتخفيف من حدّة الصراعات الداخليّة. ويتطلب تحقيق هذا الهدف المزدوج نهجًا متوازنًا واستراتيجيًا، مع التركيز على الحوكمة الماليّة الفعّالة والتخطيط المالي الاستراتيجي لضمان الاستدامة المالية. ويتطلب ذلك من المانحين والمصارف الإنمائية متعددة الأطراف اتّباع سياسات مستنيرة تستثمر في بناء هذه القدرات، وتربط المساعدة الإنمائية الرسمية بمعايير صارمة لحسن إدارة المال العام، الأمر الذي من شأنه أن يحدّ من تسييس الفقر، ويسهم في تحقيق تنمية مستدامة.



