إحسان مرتضى -كاتب وباحث
تبرز أهمية البحر الأحمر الاستراتيجية، والإقليمية والدولية، بصفته أحد أهم الممرات المائية في العالم، فهو يربط المحيطين الهندي والأطلسي عبر البحر المتوسط، كما يربط ثلاث قارات، آسيا وافريقيا وأوروبا، وتقع في محيطه مصادر الطاقة الأساسية في العالم التي لا تتحرك عجلة الاقتصاد من دونها. تمر فيه أكثر من 21 ألف سفينة تجارية سنويًا، وأكثر من 2 مليار برميل من النفط. في المقابل تعتبر افريقيا المشاطئة له من أكثر القارات تأزمًا وتفتتًا من الناحية السياسية والاجتماعية، فضلًا عن أنّ معظم دولها تعيش أوضاعًا اقتصادية صعبة، وتضم أكثر من 50 كيانًا هشًا.
كان بن غوريون يردد القول: «إنّ الطريق إلى السلام في المنطقة سوف يتم عن طريق غير مباشر بتقوية علاقاتنا مع شعوب افريقيا وآسيا». وقد استغلت «إسرائيل» إمكاناتها التكنولوجية لتقديم خدمات أمنية وتنموية إلى العديد من الدول الافريقية، مقابل العلاقات الدبلوماسية والأمنية الاستراتيجية معها ودعمها في الأمم المتحدة.
أهداف ”إسرائيل“ في افريقيا
تتلخَّص أهداف «إسرائيل» في الدول الافريقية بحماية خطوط الطاقة الخاصة بها وضمان استمرارية تجارتها وتقليل الاعتماد الحصري على قناة السويس. ومن أهدافها أيضًا، التموضع الأمني والعسكري داخل هذه الدول في شكل قواعد عسكرية في إريتريا وجيبوتي، ومؤخّرًا في أرض الصومال لقربها من السواحل اليمنية، ما يمنحها ميزة عملانية هائلة لم تكن تتوافر لها من قواعدها البعيدة في إيلات. كما تهدف «إسرائيل» إلى نسف أسس ومقومات التضامن العربي – الافريقي والتطويق الجيوسياسي لدول منافسة من خلال السيطرة على نقاط حيوية في القرن الافريقي (إريتريا، أرض الصومال)، وذلك لضمان احتواء النفوذ التركي المتزايد والضغط على مصر عبر دعم إثيوبيا في سياساتها المائية وكسر دعم هذه الدول التقليدي التلقائي للقضية الفلسطينية، والحفاظ على مصالحها التجارية وسفنها، فضلًا عن السعي للتغلغل في اقتصاد الثروات الافريقية الطبيعية كالبترول والماس والذهب واليورانيوم والموارد الأخرى مع فتح أسواق جديدة لصادراتها في القارة. وقد بات أكثر من 20% من التجارة الإسرائيلية يمرّ بالقرن الافريقي، وعبر مضيق باب المندب، الذي تعتمد عليه في تبادلاتها التجارية مع افريقيا وآسيا وأستراليا. وفي المقابل يسعى العديد من الدول الافريقية لإقامة علاقات مع تل أبيب، أملًا بحصولها على احتياجاتها من الخبرات الإسرائيلية في مجالات تقنية وعسكرية وتجارية. والمؤشر الأبرز على تعاظم هذا التأثير هو تهديد تل أبيب العلني للسفراء الأفارقة لديها إذا صوَّتت بلادهم لمصلحة الدولة الفلسطينية، وامتناع خمس دول أفريقية هي جنوب السودان وأوغندا ورواندا وبنين والكاميرون عن التصويت لإدانة القرار الأميركي باعتبار القدس عاصمة لـ «إسرائيل» في العام 2017. وفي هذا السياق يقول البروفسور أرنون سوفير من جامعة حيفا: «إنّ حوض البحر الأحمر وحوض الخليج الفارسي اللذين كانا على هامش الاستراتيجية الإسرائيلية يقتربان ليكونا في مركز الاهتمام الاستراتيجي الآن بسبب أهميتهما الاقتصادية والجيوسياسية». وتحقّق «إسرائيل» في استراتيجيتها هذه، هدف الحركة الصهيونية الاستعماري الأيديولوجي في الهيمنة على خيرات الشرق الأوسط وضمان استمرارية وجودها، من خلال تفتيت دول المنطقة، وديمومة الصراعات الداخلية فيها، واستنزاف مقدراتها وخيرات شعوبها.
خصوصية شرق افريقيا والقرن الافريقي
تعود الأطماع الإسرائيلية في القارة الافريقية إلى تاريخ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا (1897)، حيث تداول القادة الصهاينة فكرة إنشاء كيانهم في أوغندا التي عرضها عليهم وزير المستعمرات البريطانية تشمبرلين. وعلى الرغم من اختلاف توجهات الحكومات الإسرائيلية نحو افريقيا إلّا أنّ تولّي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة منذ العام 2009، كان بمثابة نقطة تحوّل كبيرة في العلاقات الإسرائيلية الافريقية التي شهدت تغيرًا ملحوظًا تجسّد في الزيارات التي قام بها إلى افريقيا، وهي الأولى من نوعها لرئيس وزراء إسرائيلي منذ 50 عامًا، تحت شعار «إسرائيل تعود إلى افريقيا». وتشكّل دول شرق افريقيا والقرن الافريقي بالنسبة لـ «إسرائيل» أهمية استراتيجية في غاية الأهمية، باعتبارها تمتلك ممرات ومنافذ بحرية حيوية مطلة على المحيط الهندي والبحر الأحمر اللذين يشكِّلان أهمية بالغة بالنسبة للمصالح الإسرائيلية التجارية والاستراتيجية. وتتمثّل هذه المصالح في إقامة شبكات أساسية للبنى التحتية، من سكك حديدية وخطوط تجارة برية وأخرى بحرية، ومدّ أنابيب النفط والغاز من الشرق الأوسط، وبالتحديد من الخليج، على الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر، إلى البحر المتوسط. وبذلك تتحوّل الموانئ والشواطئ الإسرائيلية إلى حلقة الوصل بين الشرق الأوسط وأوروبا، وتكون «إسرائيل» هي المستفيدة الأولى ماديًا من هذه الخطوط والحامية لها، فتصبح مصلحة الدول المصدّرة للغاز والنفط أو المُستقبِلة للبضاعة الأوروبية الاستهلاكية، مرتبطة عضويًا بالحفاظ على مصالحها ووجودها الدائم، من دون أي حساب لحقوق الفلسطينيين خاصة والعرب عامة. وبالتالي، مخطئ من يعتقد بأنَّ «كلّ ما تريده إسرائيل هو الاعتراف بوجودها أو شرعية وجودها»، فمخطّطاتها الاستعمارية أكبر من ذلك.
”إسرائيل“ والقرن الافريقي
فيما كانت «إسرائيل» تعزز وجودها العسكري في عموم القارة الافريقية، أولت اهتمامًا خاصًا لمنطقة القرن الافريقي الذي يُعتبر رابع أكبر شبه جزيرة في العالم، بهدف الوصول إلى مضيق باب المندب ومدخل البحر الأحمر الجنوبي، الذي تعتبره «إسرائيل» فضاءً جغرافيًا مهمًا لوجودها، لا على الصعيد العسكري فحسب، بل من الناحية الاقتصادية، لا سيما في ظل طموحاتها بشق ما يعرف بقناة بن غوريون (بين المتوسط والأحمر)، لتكون بديلًا عن قناة السويس. وهو ذو أهمية جيوسياسية فائقة أيضًا، بسبب قربه الجغرافي من اليمن، حيث تكمن إشكالية الحوثيين كأداة مهددة للأمن الملاحي الإسرائيلي بخاصة في البحر الأحمر. كما تحاول «إسرائيل» زرع الفتنة في القرن الافريقي، من خلال اعترافها باستقلال «صومالي لاند» التي تُعتبر إحدى مناطق الصومال الـ 18، وهي حركة انفصالية تواجهها الدولة الأم، وتسعى لإرجاعها بالوسائل السلمية منذ أكثر من ثلاثة عقود، فيما «إسرائيل» تعمّق هذا الشرخ الداخلي. والشاهد على ذلك أنّ الاتحاد الافريقي استشعر قلقًا بالغًا من جراء هذا الإجراء، معتبرًا أنّه سيقود بالفعل إلى محاكاة مماثلة وسلسلة من ردود الأفعال المشابهة من قبل انفصاليين في دول نظيرة أخرى.
تحديات تواجهها الدول العربية
تسعى «إسرائيل»، من خلال تدخلها في الشؤون الافريقية، إلى تحقيق مكاسب في مناطق ذات حساسية للأمن القومي العربي، وتشمل القرن الافريقي وحوض النيل والبحر الأحمر، وعبر إنشاء مواطئ قدم دائمة لها في نقاط الاختناق الجيوسياسية كمضيق باب المندب وقناة السويس، الأمر الذي يفسّر توطيد علاقاتها مع إثيوبيا وكينيا وأوغندا والكونغو وإريتريا. وهذا ما يطرح على الدول العربية تحديات كبيرة لناحية الاستثمار في مشاريع التنمية الاقتصادية في هذه البلدان وضخّ استثمارات حقيقية يمكن أن تُفضي إلى نتائج إيجابية ملموسة على الأوضاع الاجتماعية لشعوبها، وبالتالي على مواقفها السياسية.





