باسكال معوّض بو مارون

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة اليومية وتتشعّب الأدوار، تبدو المرأة اليوم مطالَبة بأن تكون كل شيء في آن واحد: ناجحة في عملها، حاضرة في بيتها، متألقة اجتماعيًا، وداعمة لكل من حولها… غير أنّ هذه الصورة المثالية تخفي وراءها ضغطًا نفسيًا متراكمًا يُعرف بـ ”متلازمة المرأة الخارقة“. حول هذا المفهوم وأبعاده النفسية والاجتماعية، تتحدث الدكتورة سيسيليا ضومط، شارحةً أسبابه وانعكاساته وسبل الحد منه.

تُعرّف الدكتورة ضومط متلازمة المرأة الخارقة بوصفها شعورًا داخليًا لدى المرأة بأنّها قوية إلى حدّ البطولة، قادرة على القيام بكل المهام بمفردها، وأنّ لا أحد يستطيع أداء ما تقوم به بالكفاءة نفسها. هي لا تطلب المساعدة، ولا تعترف بتعبها أو عجزها، بل تعتبر أنّ إظهار الضعف قد يُفسَّر على أنّه فشل. وتوضح أنّ هذا المفهوم برز بشكل أوضح في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، في ظل تنامي تعليم المرأة ودخولها بقوة إلى سوق العمل والحياة العامة، إذ شعرت كثيرات بضرورة إثبات قدراتهن في مجتمع ما زال يحمل سمات ذكورية واضحة.
وتشير إلى أنّ المرأة التي تعاني هذه المتلازمة تميل إلى العمل الفردي، وتجد صعوبة في تفويض المسؤوليات، بل تشعر بالفخر حين تنجز كل شيء بنفسها، حتى وإن كان ذلك على حساب صحتها. هي تقبل جميع المهام الموكلة إليها، سواء في العمل أو في المنزل، ولا تستطيع رفض أي طلب؛ إذ يتمثّل خوفها الأساسي في أن يُنظر إليها كضعيفة إذا طلبت الدعم، لذلك تضع لنفسها توقّعات مرتفعة جدًا، غالبًا ما تتجاوز حدود قدرتها الواقعية. لذا فهي تعيش في حالة تحدٍّ دائم، كأنّها في سباق مستمر مع الذات لإثبات كفاءتها.

معايير غير واقعية
وترى ضومط أنّ العوامل الاجتماعية والثقافية تلعب دورًا أساسيًا في تغذية هذا النمط. فكلما انخرطت المرأة أكثر في الحياة المهنية والاجتماعية داخل مجتمعات يغلب عليها الطابع الأبوي، ازدادت حاجتها إلى إثبات ذاتها داخل المنزل وخارجه. كما أنّ وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تسويق صورة مثالية للمرأة التي تنجح في جميع الأدوار من دون تعب أو تقصير؛ وهذه الصورة المبالَغ فيها تدفع الكثيرات إلى مقارنة أنفسهن بمعايير غير واقعية، ما يزيد من شعورهن بالضغط.
ورغم أنّ «المرأة الخارقة» تبدو من الخارج قوية ومتماسكة، إلّا أنّ الداخل غالبًا ما يكون مثقلًا بالإجهاد؛ فالإفراط في العطاء بلا حدود يؤدي إلى استنزاف طاقتها النفسية والجسدية. تبدأ المعاناة بضغطٍ عصبي دائم، وصعوبة في النوم، وشعور متواصل بعدم الراحة. ومع تراكم المسؤوليات، قد يظهر القلق والتوتر المزمن، وأحيانًا أعراض اكتئابية، إضافة إلى إحباط داخلي وشعور بالوحدة. فهي تعطي الجميع، لكنها لا تمنح نفسها الوقت الكافي للعناية بذاتها، كما تربط قيمتها الذاتية بمدى رضا الآخرين عنها.
وتنعكس هذه الضغوط أيضًا على حياتها الزوجية والأسرية. فحين تتّجه طاقتها بالكامل إلى الخارج لإثبات نجاحها وكفاءتها، قد يحدث تقصير غير مقصود في علاقتها بالشريك أو الأولاد. ومع الوقت، قد تنشأ توترات وصراعات، لا بسبب غياب الحب، بل بسبب الإرهاق المزمن الذي تعيشه.
وتؤكد الدكتورة ضومط ضرورة التمييز بين المرأة العاملة الناجحة وبين المرأة التي تعاني هذه المتلازمة. فالنجاح بحد ذاته ليس مشكلة، بل تبدأ الإشكالية عندما يتحوّل إلى معركة يومية لإثبات الذات، وعندما يصبح العطاء المفرط وسيلة للحصول على الاعتراف والتقدير.
ورغم أنّ هذا النمط يمنح صاحِبته شعورًا بالقوة والثقة بالنفس، ويحصد لها الثناء من المحيطين بها، إلّا أنّ هذه المكاسب الظاهرية قد تتحول إلى فخٍّ إذا كانت قائمة على الاستنزاف المستمر. فالمحيط قد يعتاد الاتكال عليها ويلقي بمسؤوليات إضافية على عاتقها، ما يفاقم العبء؛ في حين تشعر بالعجز عن التراجع.

ضعفٌ أم نضج؟
وحول سبل التخفيف من هذه الحالة، تشدّد الدكتورة ضومط على أهمية الوعي أولًا؛ داعيةً المرأة إلى الإدراك أنّها إنسانة عادية، وأنّ القدرة على طلب المساعدة ليست ضعفًا بل دليل نضجٍ ووعي. كما تنصح بتعلّم تفويض المهام، والتخلي عن الرغبة في التحكّم بكل التفاصيل، وقبول أنّ الأمور لن تسير دائمًا وفق المخطط. فكلّ شخصٍ مسؤول عن حياته الخاصة، والمساعدة تصبح ضارّة حين تتحول إلى تحمّلٍ كامل لأعباء الآخرين.
وتلفت أيضًا إلى دور الزوج والعائلة في تخفيف الضغط، من خلال توزيع المسؤوليات وعدم الاتكال الكامل على المرأة لمجرد أنها قادرة على الإنجاز، فإظهار القدرة لا يعني بالضرورة تحمّل كل شيء.
وتختم ضومط بالإشارة إلى البعد الثقافي للمسألة، موضحة أنّ المرأة في المجتمعات الشرقية غالبًا ما تسعى إلى إثبات قوّتها أمام الآخرين، فتتحمّل أعباءً إضافية على حساب راحتها الشخصية، في حين تُشجَّع في مجتمعات أخرى على التركيز على التطوّر الفردي وتحقيق التوازن.
في المحصّلة، فإنّ متلازمة المرأة الخارقة ليست تعبيرًا عن قوة حقيقية بقدر ما هي محاولة مستمرة لإثبات الذات في بيئة ترفع سقف التوقعات. والقوة الحقيقية، تكمن في التوازن: أن تنجح المرأة من دون أن تستنزف نفسها، وأن تعطي من دون أن تفقد ذاتها.