أليس من المثير والمشوّق أن تتعاطى المخدرات؟ مع هذا السؤال الذي وجّهه إليّ أحد الأصدقاء بدأت قصتي.
دخلت عالم تدخين الحشيش من باب الفضول، وكان تأثيره مشوّقًا إذ كان يأخذني في رحلةٍ قصيرة إلى عالم الخيال، فأصبحت أدخن يوميًا، لما يمنحني ذلك من أحاسيس جديدة كالثقة بالنفس والقدرة على القيام بأمور كنت أتردد في القيام بها. بعد فترة، لم يعد يكفيني تدخين بضعة براعم من الحشيش وأصبحت أبحث عن شيء ذي تأثير أقوى.
بدأت باستخدام الأدوية المهدئة لكنّ الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. أكملت المشوار بالبحث عن أنواعٍ مختلفة من المخدّرات حتى توصلت إلى استخدام الأنواع الثقيلة منها. وتلك الثقة بالنفس التي اكتسبتها مع مرور الوقت، دفعتني إلى الانخراط في سلوكيات فاسدة لم أكن أتخيل أن أقوم بها يومًا.
أصبحت مدمنًا على الحشيش، القنّب، السالفيا، الهيروين، الـfreebase، الـspeed والأدوية المخدّرة والحبوب المهدئة، حتى الأدوية التي كانت تصفها لي المعالجة النفسية، كنت أعتبرها مخدرات. باختصار، كنت مدمنًا على كل المواد التي تُشعرني بالارتياح.
لم أكن قادرًا على قبول المساعدة
بعد سنوات من التعاطي، وجدت نفسي يومًا في المستشفى، أخضع لعلاج إزالة السموم بعد جرعةٍ زائدة. في وقتٍ قصير، فقدت عملي، وتوقفت عن إكمال دراستي، كما فقدت أصدقائي الذين لا يتعاطون المخدرات والذين كانوا دائمًا يحاولون مساعدتي. كنت أدفعهم عنّي شيئًا فشيئًا، حتى صديقتي المقرّبة تخلّت عنّي. وحدها عائلتي ظلت تحاول مساعدتي وكنت أرى نظرات الحزن والشفقة في عيون الجميع، لكنني لم أكن قادرًا على قبول مساعدتهم ولا حتى مساعدة نفسي. خسرت كثيرًا من وزني، وشعرت بألمٍ دائم في أسناني وعظامي. أصبحت رئتاي مملوءتين بالثقوب، ونبضات قلبي لم تعد منتظمة، حتى مشاعري وأحاسيسي تغيّرت، لقد تدمّرت بالكامل.
بعد أوّل علاج لإزالة السموم وأوّل محاولة التحاق ببرنامج تأهيلي (دام لشهرٍ واحدٍ فقط)، تعرّضت لانتكاسةٍ وبدأت أكتشف للمرّة الأولى أنّ إدماني أصبح خارجًا عن السيطرة. كنت أعتقد أنّني أستطيع التوقّف عن التعاطي في أي وقت، وأنني مسيطر على الموقف، والواقع أنني كنت أخدع نفسي. لقد منحتني المخدرات شعورًا زائفًا بالقوة، كنت أشعر أنني أفضل من الجميع. خلال سنوات طويلة، لم أستطع تركها لأنّها أعطتني ما لم أملكه في حياتي.
وفي النهاية، وجدت نفسي محاصرًا في ظلام الإدمان..
الثمن الباهظ
حين انضممت إلى برنامجٍ تأهيلي، كنت أشعر بأنّني أحتاج إلى مساعدة لكنني لم أعرف كيف أطلبها. والأسوأ أنني لم أستطع التأقلم في مركز التأهيل، وكان الحلّ الأسهل هو الاستسلام، فخرجت من البرنامج!
كلّفتني المخدرات ثمنًا باهظًا جدًا، فقد خسرت صديقًا كان بمنزلة أخٍ لي، توفي صديقي من جراء جرعةٍ زائدة، ولم أكن قادرًا على تجاوز هذه الخسارة، تملّكني الشعور بالذنب واكتشفت أنّ تعاطي المخدرات طريق لا يقود إلّا إلى الدمار.
قطعت وعدًا على نفسي بأنّني سأترك المخدرات من أجلنا سويًا، وكان هذا أصعب قرار اتخذته في حياتي، لكنّني مضيت به على الرغم من ذلك، وأتمنى أن يكون صديقي فخورًا بي حيث هو.
على مدى 14 عامًا من تعاطي المخدرات، تعرضت لعدة جرعات مفرطة كما واجهتُ مشكلات قانونيّة، قبل أن أكتشف أنّ مشواري كان وهميًا، وأنّ قناع القوّة الذي ارتديته لسنواتٍ كان مستعارًا وسقط. أدركت أنّني خسرت هويتي ونفسي، فقرّرت حينئذٍ أنّ الوقت قد حان للتوقف.
هكذا نجحت
التحقت ببرنامجٍ تأهيلي مرّة أخرى، لكن هذه المرّة كنت عازمًا على النجاح. قبلت مساعدة فريق العمل والمقيمين في المركز، وحاولت مواجهة ضعفي عبر التحدّث عنه وتقبّله. فهمت يومها أنّ سبب إدماني لم يكن الفضول، وإنّما كان صعوبة تقبّل حقيقتي وحقيقة عائلتي. كان الأمر مؤلمًا لدرجة أنّني كنت أحتاج إلى المخدرات كبنجٍ لألمي. كان التحدث عن ضعفي، خوفي، قلقي، أحاسيسي ومعتقداتي تحديًا جديًا ومخيفًا. ومع ذلك، لم تكن صدفة أن المدمنين السابقين مرّوا بهذه المرحلة ونجحوا. لذلك كان عليّ أن أستغلّ هذه الفرصة الأخيرة. كنت خائفًا جدًا وكانت لدي أحكام مسبقة بأنّني لن أنجح أبدًا. كانت فكرة العودة إلى المخدرات بعد انتهاء إعادة التأهيل ترعبني وتلاحقني. شيئًا فشيئًا تعلّمت مشاركة حياتي اليومية مع زملائي واكتشفت أنّني لست الوحيد الذي تنتابه تلك المخاوف، كما لمست مشاركة وتفهّمًا لقلقي، ما ساعدني على البدء بتقبّل ذاتي.
كان علي أن أعيد النظر في حياتي منذ البداية، وبعد تحليل الحقائق والأحداث التي مررت بها، تعلّمت أن أكون مسؤولًا عن صحتي العقلية. لم يعد يحق لي إلقاء اللوم على الآخرين وعلى الظروف. حتى ولو كانت الظروف صعبة، فهي لم تجبرني على اللجوء إلى المخدرات، لقد سلكت هذه الطريق بنفسي. قررت منذ تلك اللحظة، أن أضع نفسي كأولويّة وأن أحصن ذاتي ضدّ أي موقف قد يهدد صحتي.
إنّ عدم العودة إلى المخدرات بعد العلاج، يستوجب مراعاة عدة جوانب أساسية في حياة المدمن السابق. فمن الضروري احترام مشاعره وأحاسيسه، وحفاظه على علاقة قوية مع العائلة. كما يجب إحاطته بأشخاص يدعمونه ويدفعونه نحو تحقيق مزيد من الإنجازات، والمضي قدمًا. وبالطبع، فإنّ بناء علاقة إيمان قوية مع الخالق تمنحه الأمل الدائم. لكنّ مفتاح الحياة السليمة هو الصدق مع الذات. لقد كنت أطمح دائمًا إلى أن يكون لدي هدف، ثقة قوية، وشعور بالرضا. واليوم، حققت ما كنت أطمح إليه، ومن دون اللجوء إلى المخدرات.
رحلة التعافي ليست بمشوارٍ سهل بل تتضمّن كثيرًا من الصعوبات والتحدّيات. فهي تفرض إعادة تنظيم حياتنا من خلال التزام جدولٍ يومي للنوم والاستيقاظ، وملء النهار بالورش، وتحمل المسؤولية، إضافةً إلى العمل على المواجهة، والتحدّث عن كل المشاعر التي تنتابنا. صحيح أنّ هذا الأمر ليس بالسهل، ويحتاج إلى الكثير من الجرأة، لكنّه يمنحنا السلام الداخلي ويدفعنا إلى تجاوز الماضي والسير قدمًا نحو المستقبل.
عن رحلة التعافي في المركز
أولاً وقبل كل شيء، لدي شعور كبير بالانتماء إلى ذلك المنزل الذي استقبلني غير مرة. غالبًا ما أفتقد الوقت الذي قضيته هناك وأود أن أزوره من حين إلى آخر، لما يمنحني من شعورٍ بالأمان والحب.
كما لا يمكنني أن أنكر الجهد الذي بذله فريق العمل في مركز «سي.دي. أل.أل.» من أجل مستقبلٍ أفضل. لقد قبلوني في أسوأ الأوقات وفي أسعدها، ولطالما جعلوني أشعر بأهميتي وسمحوا لي بمشاركة ما يدور في ذهني من دون خوف، لأنّهم لم يحكموا عليّ قطّ. لقد تعلمت منهم الكثير وساعدتني خبراتهم ونصائحهم في رحلة التعافي. رأيت كيف يبذلون قصارى جهدهم ليكونوا إلى جانبي، سواء الفريق الموجود في المركز أو في المكاتب. في بعض الأحيان، ربما شعرت بعدم الارتياح، لكن لا يمكنني أن أنكر أن كل ما فعلوه كان لمصلحتي. كما أنني لا أنسى أبدًا الليالي التي قضوها للاطمئنان على الجميع، ليس من المركز وحسب، بل من منازلهم أيضًا. كانوا في قلقٍ دائمٍ علينا، ما يعكس محبتهم واهتمامهم.
لم يقبل الفريق أبدًا ترك أي شخص يعاني آلامًا جسديةً من دون اصطحابه إلى الطبيب والقيام بكل ما يلزم ليشعر بتحسن. وأعتقد أنهم سيكونون دائمًا إلى جانبنا في أثناء مواجهتنا لأي مشكلة نفسية أو جسدية.
لقد عملوا معنا ولمصلحتنا، ولا يمكننا أن ننسى مبادرتهم بالعمل أيضًا مع عائلاتنا وتوعيتهم حول مختلف جوانب الإدمان، كي نتمكن من التواصل بشكلٍ أفضل مع محيطنا.
أخيرًا، لا يمكنني أن أنكر أنّ فريق العمل رافقنا وأحاطنا بكل الطرق الممكنة لمساعدتنا على التحرّر من الإدمان. لقد فعلوا ذلك على المستويات كافة: الروحية، العائلية، النفسية، الجسدية، والاجتماعية. وبالطبع كانوا دائمًا يحفزوننا على تحقيق أهدافنا اليومية بغية الوصول إلى الهدف الأكبر.
تعمل جمعية سي.دي.أل.أل في مجال تنمية المجتمع والوقاية وكذلك علاج الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الصحة النفسية والإدمان. من خلال برامجها المتعدّدة، تقدم خدمات اجتماعية متكاملة للأطفال والمراهقين والشباب ومقدّمي الرعاية، في المدارس وفي المجتمعات وفي مراكز يوث كاب – Youth Cap التابعة لها في بيروت وحالات. وتهدف من خلال تعاونها مع مجلة «الجيش» إلى المساهمة ببناء وطن متعافٍ وخالٍ من المخدّرات.





