المعاون جو تابت

يُعتبر المشي الجبلي، أو ما يعرف بالـ”هايكنغ“، من الأنشطة البدنية التي تزايدت شعبيتها في السنوات الأخيرة، لما لها من فوائد صحية تتجاوز حدود الترفيه لتصل إلى تحسين الصحة النفسية والجسدية بشكلٍ عام. فإلى جانب أهميته كنشاطٍ ترفيهي ورياضة بدنية، يُعد الـ”هايكنغ“ علاجًا نفسيًا إذ يُسهم في تصريف المشاعر السلبية ويعمل على تهدئة النفس، خصوصًا عندما يتم في أحضان الطبيعة وبين الجبال والوديان. في لبنان، باتت هذه الرياضة تلقى إقبالًا كبيرًا نظرًا لتنوع المسارات الطبيعية التي تناسب مختلف مستويات اللياقة البدنية، ما يجعلها وجهة مثالية لمحبّي الطبيعة من مختلف الأعمار.

الـ«هايكنغ» كنمط حياة

أصبح المشي الجبلي جزءًا من نظام حياة كثيرين، خصوصًا أنّه يسهم في تبديل نمط حياتهم، ويزيد من قدرتهم على العمل والإنتاج. وقد أيقن عشاق هذا النشاط البدني أنّ فوائده لا تقتصر على تعزيز اللياقة البدنية والصحة النفسية، بل إنّه يُعد فرصة رائعة لاكتشاف الطبيعة الساحرة، والتمتع بسياحة داخلية تُغني ثقافة الفرد وتعرّفه على حضارة وطنه وتاريخه العريق.

يُعد الـ«هايكنغ» تمرينًا ممتازًا للقلب، إذ يُنشّط الجسم بالكامل ويحسّن أداءه بشكلٍ عام، محفزًا عملية حرق السعرات الحرارية على مدار اليوم. وقد أظهرت الدراسات أنّه يساعد أيضًا في علاج مرض السكري والكولسترول والضغط. إلى ذلك، تسهم رياضة الـ«هايكنغ» في تقوية العضلات وزيادة القدرة على التحمّل، نظرًا إلى المجهود البدني الذي يُبذل في صعود الجبال ونزولها. كذلك يُعتبر هذا النشاط مناسبًا بامتياز لاكتساب الفيتامين «د»، إذ إنّ ممارسي هذه الرياضة يقضون وقتًا طويلًا في الهواء الطلق ويتعرضون لأشعة الشمس.

تشمل فوائد الـ«هايكنغ» الصحة النفسية أيضًا. فالسير في الطبيعة بين أودية وجبال تزخر بالهواء النقي، يقلل من مستوى التوتر بشكلٍ كبير، ما يحسّن نوعية النوم ليلًا ويُخفف الشعور بالقلق والاكتئاب. بالإضافة إلى ذلك، يساعد التجول في الطبيعة في تنشيط الفكر والتركيز، إذ يتيح للسائرين التركيز على نبضات قلبهم وأصوات عناصر الطبيعة المحيطة بهم.

ومن الناحية الاجتماعية، يُعتبر الـ«هايكنغ» فرصة ممتازة للتواصل مع الآخرين عند ممارسته ضمن مجموعات. فهو يوفّر بيئة مثالية للتفاعل الاجتماعي، ويعزز الشعور بالدعم، ما يعود بفوائد إيجابية على الصحة الذهنية.

رياضة مناسبة للجميع

من ميزات رياضة الـ«هايكنغ» أنّها متاحة للجميع نظرًا إلى اختلاف مستويات الصعوبة في المسارات الطبيعية الخاصة بها. ومع ذلك، فإذا كان الشخص يعاني حالات صحية معينة، يجب عندئذٍ اتخاذ احتياطات لتخفيف الآثار السلبية. كذلك، يحتاج التخطيط لهذا النوع من الرحلات إلى بعض المهارات والخبرة، مثل تخطيط الموقع ومسار المشي، إضافة إلى استخدام أجهزة تحديد الموقع الـ(GPS) Global Positioning System، خصوصًا في المناطق الجبلية النائية حيث يكون الاتصال بالإنترنت ضعيفًا.

مسارات رائعة في الطبيعة

يقدم لبنان، بجغرافيته المتنوعة وطبيعته الساحرة، عدة مسارات رائعة لممارسة الـ«هايكنغ»، نذكر منها:

درب الجبل اللبناني:

هو أطول المسارات في لبنان. يمتدّ من عندقت شمالًا إلى جديدة مرجعيون جنوبًا على طول 470 كيلومترًا، ويمرّ في أكثر من 75 قرية على ارتفاعات تراوح بين 570 مترًا و2011 مترًا فوق مستوى سطح البحر. يتميز الدرب بتنوّع مناظره الطبيعية، إذ يمر عبر غابات كثيفة وأماكن تاريخية قديمة، وهو يعتبر خيارًا مثاليًا للباحثين عن تجربة شاملة لاكتشاف التنوّع الجغرافي والطبيعي والثقافي في لبنان.

يمكن تقسيم المسار إلى مراحل مختلفة استنادًا إلى مستوى الصعوبة والوقت المخصص للمشي.

محمية أرز الشوف الطبيعية:

تُعدُّ محمية أرز الشوف من بين أكبر المحميات الطبيعية في لبنان، إذ تبلغ مساحتها حوالي 160 كلم2 ، وهي آخر امتداد للأرز اللبناني جنوبًا، وموئل مهم للطيور المهاجرة. في العام 2005، أعلنتها منظمة الأونيسكو مع القرى الـ 22 المحيطة بها، محمية محيط حيوي تغطي مساحة 500 كلم2.

تضم المحمية مجموعة من المسالك التي تراوح بين السهلة والمتوسطة، وهي مثالية لعشاق الطبيعة والحياة البرية، إذ تُمتع أنظار الزوار بإطلالات خلابة على غابات الأرز وتتيح لهم مشاهدة أنواع مختلفة من الطيور والحيوانات.

وادي قنوبين:

وادي قنوبين، المعروف أيضًا بوادي القديسين، يقع في منطقة بشري شمال لبنان، وهو جزء من وادي قاديشا. يُعد هذا الوادي من أعمق الوديان وأجملها في لبنان، ويتميز مساره بالمناظر الطبيعية الرائعة والتضاريس الوعرة، كما يُـتيح استكشاف الكنائس القديمة والمغاور التاريخية التي تعود إلى العصور الأولى للمسيحية.

يبلغ طول المسار 7.9 كيلومتر ويُعتبر صعبًا إلى حد ما، يستغرق إكماله حوالي الثلاث ساعات.

محمية وادي الحجير:

على مساحة 26 كلم2، تمتد محمية وادي الحجير، الإرث التاريخي المميز، بين أقضية مرجعيون وبنت جبيل والنبطية. تشتهر بتنوّعها البيئي الفريد، حيث تنمو في أرجائها مجموعة واسعة من النباتات والأشجار، بما فيها أشجار السنديان والبلوط والصنوبر. كما تُعتبر موطنًا لعديد من الحيوانات البرية والطيور المهاجرة، ما يجعلها وجهة مثالية لمحبي الطبيعة والمهتمين بالتنوع البيولوجي.

لوادي الحجير أيضًا أهمية تاريخية وثقافية، ما يعزز من مكانته كوجهة للسياحة البيئية والتاريخية.

مسار بحيرة شوان:

يقع في محمية جبل موسى، ويبلغ طوله 3.2 كيلومتر ذهابًا وإيابًا. يميل مستواه إلى الصعوبة، ويستغرق إكماله ساعة وعشرين دقيقة تقريبًا.

تُعرف بحيرة شوان أيضًا باسم جنة شوان، إذ تتمتع بطبيعة خلابة ومساحاتٍ خضراء، كما تحيط بها الأشجار الكثيفة على ضفتَي نهر إبراهيم مثل البلوط والصنوبر بالإضافة إلى أنواع مختلفة من النباتات.

مسار أرز جاج:

هو أحد المسالك الطبيعية الرائعة التي تأخذك في رحلة عبر غابات الأرز العريقة. يقع هذا المسار في قضاء جبيل، ويُعد مكانًا مثاليًا لعشاق الطبيعة والتاريخ. يتميز بتنوعه الطبيعي وإطلالاته الساحرة على البحر.

يبلغ طول المسار حوالي سبعة كيلومترات، وهو مناسب لهواة المشي من جميع المستويات لوجود عدة مسارات تندرج من السهل، إلى الصعب، فالأكثر صعوبة، ما يتيح للزائر الاستمتاع بالتنزه بين أشجار الأرز واستنشاق الهواء النقي في جوٍّ من الهدوء والسكينة.

مسار تنورين – اللقلوق:

يمتد عبر منطقة تنورين وصولًا إلى اللقلوق، وهو من المسالك المفضلة لعشاق الـ«هايكنغ» في فصل الصيف. يتميز بجغرافيته المتنوعة التي تشمل: غابات الأرز، الوديان العميقة، الممرات الجبلية الصخرية، والبحيرات، ويمنح زواره فرصة اكتشاف الكهوف المنحوتة في الصخور أو التي تحدث بشكل طبيعي، بالإضافة إلى الزهور النادرة. يُعتبر مناسبًا لذوي المستوى المتوسط والذين يبحثون عن تجربة مميزة في قلب الطبيعة اللبنانية.

يراوح طول مسار تنورين – اللقلوق ما بين 10 و12 كيلومترًا، وذلك بحسب اختيار نقاط الانطلاق والوصول.