ماريتا داغر – معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي
تشكّل أزمة المناخ اليوم أحد أخطر التحديات العالمية التي تواجه البشرية، إذ لم تعد مجرّد مسألة بيئية، بل تحوّلت إلى أزمة اقتصادية واجتماعية وأمنية شاملة. ولم يعد لبنان خارج هذا المسار، بل بات يواجه أزمة مناخية مركّبة تتقاطع مع أزمته الاقتصادية والمالية والمؤسسية، ما يضاعف هشاشته البنيوية ويعمّق مخاطر عدم الاستقرار. فارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الأمطار، والانخفاض الحاد في مخزون المياه السطحية والجوفية، وتكرار موجات الجفاف والحرائق، لم تعد ظواهر معزولة أو مؤقتة، بل أصبحت ”مضاعِفات للمخاطر“
(Risk Multipliers) تُهدّد الأمن المائي والغذائي، وتنعكس ضغوطاً على الاستقرار الاجتماعي والأمني، وتؤدي إلى تآكل متزايد في قدرة المالية العامة على الاستجابة والصمود. ومن هنا يطرح السؤال نفسه: هل دخل لبنان فعلياً في فئة الدول الأكثر عرضة للتداعيات الاقتصادية والاجتماعية غير المتوقَّعة الناجمة عن فترات الضغط المناخي الطويلة، في ظلّ محدودية قدرته على التخفيف والتكيّف المؤسسي؟
وانطلاقاً من أحدث الأبحاث والتوصيات السياسية الدولية، تبيّن المقالة أنَّ دمج آثار التغيّر المناخي منهجيًا في التخطيط الاقتصادي والأطر المالية وسياسات التنمية طويلة الأجل لم يعد خيارًا بيئيًا، بل شرطًا للحفاظ على الاستقرار والسيادة الوطنية.
لبنان في قلب الصراعات المناخية الإقليمية
يقع لبنان اليوم في قلب ما يمكن تسميته بـ«الصراعات الإقليمية المناخية»، حيث تتقاطع آثار التغيّر المناخي مع توترات جيوسياسية قائمة على ندرة الموارد وتحوّلات موازين القوى في الشرق الأوسط. ويُصنَّف حوض شرق المتوسط من بين أكثر المناطق هشاشةً وتعرّضًا لهذه المخاطر، إذ يواجه ارتفاعًا متسارعًا في درجات الحرارة، وموجات جفاف مدمّرة، وعواصف ترابية متكرّرة، إلى جانب أزمات مائية متفاقمة، وذلك في ظلّ محدودية القدرات المؤسسية وضعف آليات التكيّف والتخفيف اللازمة لامتصاص الصدمات المناخية.
وتنعكس هذه التحديات بشكلٍ خاص على التوترات العابرة للحدود في المناطق التي تعاني من ندرة الموارد الطبيعية. ويُعدّ النزاع المستمر بين مصر وإثيوبيا حول قيام الأخيرة ببناء سدّ كهرومائي يقيّد حجم المياه المتدفقة شمالاً مثالاً بارزاً على ذلك. كما يواجه كلٌّ من العراق وسوريا نقصاً متزايداً في الموارد المائية، يعود جزئياً إلى سياسات بناء السدود التي تعتمدها تركيا على نهري دجلة والفرات. وبدلاً من الانخراط في أطر تعاونية لإدارة عادلة ومستدامة للموارد المشتركة، تميل الدول المتجاورة إلى التنافس على السيطرة على حصص المياه، ما يزيد من حدّة التوترات الإقليمية.
وتتفاقم المخاطر المناخية في البيئات الهشّة بفعل الآثار المدمّرة للنزاعات المسلحة. ففي البلدان التي أنهكتها الصراعات، غالباً ما تُستغل ندرة الموارد كـ«سلاح» سياسي، سواء عبر تدمير البنية التحتية للمياه أو من خلال توظيف سوء إدارة الموارد لكسب الدعم الشعبي أو تعزيز الانقسامات.
كما تسهم الهجرة القسرية الناتجة عن الانهيار الزراعي في تفاقم الضغوط على البنى التحتية الحضرية والخدمات العامة، ما يزيد من مخاطر الاضطرابات الاجتماعية والتوترات الطائفية. تُظهر أزمة المياه الأخيرة في إيران بوضوح كيف يمكن لتشابك الخيارات السياسية مع أنماط التخطيط والبنى التحتية التي رجّحت الزراعة كثيفة الاستهلاك للمياه، والتوسع العمراني، والتنمية الصناعية، أن يقوّض الأمن المائي والغذائي، ويزعزع الثقة العامة، ويحوّل إدارة الموارد إلى مسألة تمسّ صميم الأمن القومي.
وفي هذا السياق، يجد لبنان نفسه محاطاً بدول تعاني بدورها من الإجهاد المائي والغذائي، ومن نزاعات وحدود غير مستقرة، وتدفّقات لجوء مرتبطة جزئياً بعوامل مناخية، الأمر الذي يجعل هشاشته البيئية تتداخل مع هشاشته السياسية والأمنية. وهكذا يصبح التغير المناخي ليس فقط تحدياً تنموياً داخلياً، بل بُعداً من أبعاد الأمن القومي والإقليمي، يضع لبنان في موقع حسّاس ضمن صراعات مستقبلية قد تتمحور حول السيطرة على الموارد، إدارة الأحواض المائية، وأمن الطاقة في شرق المتوسط.
تقييم المخاطر المناخية
من أجل تقييم المخاطر البيئية في لبنان والتخفيف من آثارها بصورة فعّالة، يقتضي التمييز بين مستويين متكاملين من التأثيرات المناخية. فمن جهة، هناك الصدمات الجوية التي تتخذ شكل تقلّبات قصيرة الأمد وغير متوقّعة في كميات الأمطار أو درجات الحرارة، ويمكن للنظام البيئي والاقتصادي أن يستوعبها نسبياً عبر تعاقب سنوات جيّدة وأخرى سيئة. ومن جهة أخرى، يواجه لبنان تحوّلًا مناخيًا بنيوياً طويل الأمد يتمثّل في تغيّر متوسط الظروف المناخية على مدى عقود، وما يرافقه من ازدياد في تواتر وحدّة الظواهر المتطرّفة، كالجفاف المطوّل، وحرائق الغابات الواسعة، والفيضانات المفاجئة.
لا تقتصر آثار هذه التحوّلات البطيئة على البيئة فحسب، بل تمتد لتشمل تراجع الإنتاجية الزراعية، وارتفاع كلفة تأمين المياه والطاقة، وتآكل آفاق النمو الاقتصادي، الأمر الذي قد يفاقم التوترات الاجتماعية في بلد يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية ومؤسسية متراكمة. كما يمكن لهذا التفاعل أي تداخل الضغوط البيئية مع اختلالات تنموية وأثارها الاجتماعية أن يولّد دوّامة من عدم الاستقرار، ويحوّل إدارة الموارد الطبيعية إلى مسألة أمن وطني بامتياز.
التحدي الأساسي اليوم يتمثّل في الانتقال من مقاربة تقتصر على إدارة الصدمات العابرة إلى إدماج التقلّبات المناخية قصيرة الأمد والتحوّلات المناخية الطويلة الأمد في صلب التحليلات الاقتصادية الرسمية، تقييمات المخاطر المالية، وأطر التخطيط طويل الأجل. النماذج الاقتصادية الكلية التقليدية قابلة للتكيّف، لكنها تتطلّب جهودًا منسّقة لدمج البيانات المناخية والتوقعات طويلة الأجل.
التكلفة الخفيّة: مثال على تأثير الجفاف على الموازنة العامة والقدرة الشرائية للمواطن.
تشير أبحاث «مغري» إلى أنَّ إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعدّان من أكثر المناطق تأثّرًا بالجفاف، إذ يعيش نحو 60% من سكانها في مناطق تُعاني من ضغط مائي مرتفع أو شديد الارتفاع. وتنبع هذه الهشاشة أساسًا من الاعتماد الكبير على الأنشطة الاقتصادية الحسّاسة للمناخ، ولا سيما الزراعة المطرية، فضلًا عن محدودية القدرات المالية على الاستجابة للكوارث، ممّا يفرض قيوداً صارمة على الحيّز المالي لهذه الدول.
الانكماش الاقتصادي الكلّي وتآكل المالية العامة
وفقاً لصندوق النقد الدولي، يؤدّي الجفاف في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية إلى خفض نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بأكثر من 1% في سنة حدوثه، نتيجة فقدان مواسم زراعية كاملة، فضلًا عن الآثار غير المباشرة التي تنتقل إلى قطاعات أخرى مرتبطة بالزراعة، مثل الصناعات الغذائية.
وتنعكس هذه الصدمة الاقتصادية سريعًا على المالية العامة من خلال:
- انخفاض الإيرادات: إذ يؤدّي تآكل القاعدة الضريبية الناتج عن تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع الإنتاج الزراعي إلى انخفاض الإيرادات الحقيقية بنسبة قد تصل إلى 4.5% في سنة الجفاف، وهو تراجع يفوق نسبة انكماش الناتج المحلي الإجمالي.
- تدهور الميزان الأولي وارتفاع الدين العام: رغم الحاجة الملحّة للاستجابة للكوارث، غالبًا ما يبقى الإنفاق العام راكدًا، بسبب ضيق الحيّز المالي وارتفاع كلفة الاقتراض. ويؤدي الجمع بين انخفاض الإيرادات والإنفاق المحدود إلى تدهور الميزان الأولي بنحو 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع الدين العام بنحو 1.4% على المدى القصير.
تُبيّن التجارب المقارنة أنَّ قدرة أي بلد على الوصول إلى المساعدة الإنمائية الرسمية (ODA) تشكّل عاملًا حاسماً في التخفيف من حدّة الصدمات، إذ إنَّ الدول التي تحظى بمستويات أعلى من هذا الدعم تكون أقل تعرّضاً للآثار السلبية الاقتصادية والاجتماعية، وأكثر قدرة على امتصاص الأزمات وبناء مسارات تعافٍ واستقرار.
الضعف الحضري والاجتماعي
تتسم آثار الجفاف بطابع عميق ومتعدّد الأبعاد، إذ تتجاوز القطاع الزراعي لتطال مجمل البنية الاقتصادية والاجتماعية. وفي لبنان، تتجلّى هذه الآثار بشكل غير متكافئ، حيث تتحمّل الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما النساء والأطفال والعمّال ذوي الدخل المحدود، القسط الأكبر من الأعباء، ما يفاقم معدلات الفقر، ويغذّي الهجرة القسرية من الأرياف إلى المدن، ويؤدي إلى تدهور التربة وازدياد ندرة المياه، بما يهدّد الأمن الغذائي والصحة العامة والقطاعات كثيفة الاستهلاك للمياه، ومن ضمنها السياحة.
وتتعرض المراكز الحضرية اللبنانية، التي تعاني أصلًا من ضعف البنى التحتية والخدمات الأساسية، لمخاطر متزايدة نتيجة الإجهاد المائي، إذ ينعكس شحّ المياه على إنتاج الكهرباء، ولا سيما في ظلّ الاعتماد الجزئي على الطاقة الكهرومائية، ويؤدّي إلى انقطاعات إضافية في التيار، وتفاقم الأعباء الصحية والبيئية. وتؤكد التجارب المقارنة في مدن أميركا اللاتينية، حيث يشكّل الإنتاج الكهرومائي أكثر من 50% من الكهرباء، إن َّصدمات الجفاف الكبيرة والممتدة تؤثّر سلبًا على أسواق العمل، فتقلّ فرص التوظيف، وتنخفض الأجور، ويتراجع دخل العاملين، مع تعرّض العمال غير الرسميين بشكلٍ خاص. كما تؤدي ندرة المياه إلى انقطاع التيار الكهربائي، وتفاقم التحديات الصحية، بما يضعف إنتاجية العمل وازدياد الهشاشة الاجتماعية، ما يجعل الجفاف عاملًا ضاغطاً إضافياً على الاستقرار الحضري والاقتصادي في آن واحد.
ضرورات السياسة العامة: من منطق إدارة الأزمات إلى المرونة الاستباقية
تتطلّب مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية التي يفرضها الجفاف تحوّلًا جذريًا في السياسات، من منطق الاستجابة التفاعلية للأزمات إلى بناء مرونة استباقية قائمة على تحليل المخاطر والتخطيط طويل الأجل.
أ. الحوكمة الاستراتيجية والجاهزية المالية: إطار وطني متكامل لإدارة مخاطر التغير المناخي. وفقًا لـ «تسيجاي» ينبغي أن تقوم سياسات الجفاف الوطنية على ثلاث ركائز مترابطة: أنظمة إنذار مبكر فعّالة، وتقييمات دقيقة للمخاطر ومواطن الضعف، وتدابير وقائية تُنفّذ قبل وقوع الأزمات، لا في أعقابها.
من منظور مالي، يقتضي الأمر دمج اعتبارات التخفيف من المخاطر المناخية ضمن البنية الاقتصادية والمالية للدولة، وذلك من خلال:
- بناء هوامش أمان مالية: يتعّين على الدول التي تواجه مستويات مرتفعة من التعرّض للمخاطر المناخية إعطاء الأولوية لإنشاء هوامش مالية وقائية، تتيح الاستجابة الاستباقية للأزمات، وتوفّر حماية أفضل للفئات الأكثر هشاشة.
- دمج التوقعات المناخية: يتعيّن على صانعي السياسات تعزيز كفاءة إدارة المالية العامة، من خلال إدماج توقّعات مناخية عالية الدقّة ضمن أطر الاقتصاد الكلّي والمالية العامة متوسّطة الأجل. ويُسهم ذلك في توفير تقديرات أكثر واقعية للاحتياجات والقدرات المالية اللازمة للاستعداد للكوارث الطبيعية والتعامل مع آثارها.
من منظور الحوكمة، يسهم تحسين جودة التنظيم وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة في الحدّ من الآثار الاقتصادية والاجتماعية للكوارث المناخية، عبر بناء مؤسسات قادرة وفعّالة، وتطوير أطر قانونية وتنظيمية واضحة، وإرساء آليات مساءلة وشفافية تعزّز الثقة، وتضمن كفاءة التخطيط والاستجابة وتوجيه الموارد نحو الوقاية والتكيّف على نحو مستدام. تحسين جودة التنظيم وتعزيز الحوكمة الرشيدة يقلّل من الأثر الاقتصادي والاجتماعي للكوارث المناخية، من خلال مؤسسات فعّالة، أطر تنظيمية واضحة، وآليات مساءلة شفافة.
ب. التعاون العابر للحدود والدعم الدولي
نادراً ما تتقيّد المخاطر المناخية بالحدود السياسية، ولا سيّما في ما يتعلّق بإدارة الموارد المائية المشتركة. ويشكّل اعتماد بروتوكولات لتبادل البيانات، وأنظمة إنذار ورصد مبكر، وأطر حوكمة إقليمية واضحة، ركيزة أساسية لتعزيز العمل الجماعي الوقائي والحدّ من المخاطر. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في لبنان، نظراً لارتباط أمنه المائي بأحواض وأنهار مشتركة مع دول الجوار، الأمر الذي يجعل إدارة المياه قضية تتجاوز المقاربات القطاعية الضيّقة لتندرج ضمن نطاق السيادة والأمن القومي، بما لها من انعكاسات مباشرة على الاستقرار الوطني في المديين المتوسط والطويل.
ونظرًا للطابع العالمي لتداعيات تغيّر المناخ، يصبح التعاون العابر للحدود شرطًا لا غنى عنه لتعزيز المرونة الجماعية في مواجهة المخاطر المناخية المتصاعدة. وقد أكّد المجتمع الدولي، ولا سيّما في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحّر، أنّ الجهود الوطنية وحدها لم تعد كافية للتعامل مع هذا الخطر النظامي، وأنّ توسع آفاق التعاون الإقليمي، مقروناً بدعم دولي مستدام على المستويين المالي والتقني، يشكّل ركيزة حيويّة لتعزيز القدرة على الصمود، ولا سيّما في الاقتصادات الهشّة والمتأثرة بتعدّد الصدمات وتداخلها.
الخاتمة
أضحى الأثر الاقتصادي الكلّي لتغيّر المناخ تهديدًا متناميًا للاستدامة المالية ومسارات التنمية، ولا سيما في الاقتصادات الهشّة. فعلى الرغم من إمكانية تعافي معدّلات النمو بعد الصدمة الأولية، تبقى الضغوط المالية قائمة من خلال تراجع الإيرادات العامة، وتضييق هوامش الإنفاق، وارتفاع مخاطر المديونية. ويستدعي هذا الواقع تحوّلًا جوهريًا في مقاربة السياسات العامة، يقوم على الانتقال من إدارة الأزمات التفاعلية إلى نهج استباقي يدمج المخاطر المناخية في صميم السياسات الاقتصادية والمالية.
ويشمل هذا النهج: (1) تعزيز الهوامش المالية الوقائية، (2) تحسين جودة الأطر التنظيمية والمؤسسية، (3) تشجيع التعاون العابر للحدود، و(4) إدماج علوم المناخ في أطر صنع القرار الاقتصادي.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في الدول الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط، حيث إنّ القدرة على بناء اقتصادات أكثر صمودًا في مواجهة الضغوط البيئية، وحماية السكان من التداعيات الأشد للكوارث الطبيعية، تشكّل عاملًا حاسمًا في الحفاظ على الشرعية المؤسسية والاستقرار الوطني على المديين المتوسط والطويل.






