روجينا خليل الشختورة

في لبنان، حيث تتعانق المآذن وأجراس الكنائس، يشكّل الصوم محطةً روحيةً جامعة، تتخطّى البعد الديني لتلامس القيم الإنسانية والوطنية المشتركة. فبين الصوم الكبير لدى الطوائف المسيحية، الذي يُختَتم بعيد الفصح المجيد، وصوم شهر رمضان لدى المسلمين، الذي يُتوّج بعيد الفطر السعيد، تتجلّى معاني العطاء والتضحية، والتكافل، ولمّة العائلة.

يُعتبر الصوم الكبير من أهم الأزمنة الليتورجية في الكنائس المسيحية، ويمتدّ أربعين يومًا استعدادًا لعيد القيامة. هو زمن توبة وتأمُّل وعودة إلى الذات، يركّز على الامتناع عن بعض المأكولات، لا سيما اللحوم ومشتقات الحيوان (الألبان والأجبان)، إضافة إلى تكثيف الصلاة وأعمال الرحمة. ويُختتم بـعيد الفصح، أو ما يُعرف شعبيًا بـ «العيد الكبير»، الذي يحتفل بقيامة السيد المسيح.
في لبنان، تتجلّى خصوصية هذا العيد بعادات متوارثة، منها: حضور قدّاس العيد فجرًا، تلوين البيض الذي يرمز إلى الحياة الجديدة، تحضير المعمول والكعك وتبادل الزيارات العائلية ولمّة الأقارب حول مائدة العيد. والعيد هنا ليس مجرد مناسبة دينية، بل مساحة فرح جماعي تجدد التأكيد على الروابط العائلية والاجتماعية.
كذلك، يأتي صوم شهر رمضان لدى المسلمين كأحد فرائض الدين الأساسية. يمتنع المسلمون خلاله عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب، في تجربة روحية تعزّز الصبر والانضباط والشعور مع المحتاجين.
وتتجلّى روح الشهر في موائد الإفطار، وصلاة التراويح، وأعمال الخير والصدقات، لا سيما زكاة الفطر. ومع انتهاء الشهر الفضيل، يحلّ عيد الفطر، حاملًا معه أجواء الفرح والامتنان.
ومن أبرز العادات اللبنانية في هذه المناسبة: صلاة العيد صباحًا، إعداد المعمول والحلويات التقليدية، توزيع العيدية على الأطفال وزيارات الأهل وتبادل التهاني.

المائدة اللبنانية… تقشّف وتنويع
على الرغم من اختلاف الطقوس الدينية، إلا أن المشهد اللبناني يوحّد القيم.
في الصوم الكبير، تتبدّل المائدة اللبنانية لتصبح نباتية الطابع، فتبرز أطباق مثل المجدّرة، الفتوش بزيت الزيتون، الحمص والفول، اليخنات الخالية من اللحوم والكبّة بالصينية النباتية في بعض المناطق. ويتحوّل الامتناع إلى مساحة إبداع في المطبخ، حيث تحافظ العائلة على نكهة التراث مع الالتزام الروحي.
في المقابل، تشهد مائدة شهر رمضان بعدًا يوميًا احتفاليًا عند الإفطار، فتجتمع الأسرة حول التمر والماء كبداية تقليدية، فالشوربة (لا سيما العدس أو الفريكة) والفتوش وأطباق الأرز واللحوم والحلويات مثل القطايف والمفروكة وغيرها.
الاختلاف في طبيعة الطعام يقابله تشابه في المعنى: المائدة مساحة اجتماع، وليست مجرّد تلبية حاجة جسدية.

الطقوس الشعبية
ارتبط شهر رمضان تقليديًا بظهور المسحّراتي الذي يجول ليلًا لإيقاظ الناس للسحور، في مشهد تراثي ما زال حاضرًا في بعض المناطق. وثمة مشهد آخر له مكانته ويتمثّل بتزيين الشرفات بالفوانيس، واكتساب الأسواق حيوية ليلية خاصة.
أما في الصوم الكبير، فتتجلّى الخصوصية اللبنانية في رتبة «درب الصليب» مساء كل جمعة، وفي المشاركة الكثيفة بأسبوع الآلام، حيث تمتلئ الكنائس بالمؤمنين في أجواء خشوعية عميقة.
المقارنة هنا تُظهر أن كِلا التقليدَين يخلقان إيقاعًا اجتماعيًا مختلفًا عن بقية السنة: فرمضان يُحيي الليل، والصوم الكبير يُكثّف لحظات التأمل المسائي.

الأطفال والتنشئة على القيم
في البيوت اللبنانية، يُدرَّب الأطفال تدريجيًا على الصوم وفق أعمارهم. في شهر رمضان، قد يصوم الطفل لساعات محددة تشجيعًا له، ويتلقى «العيدية» في عيد الفطر كمكافأة رمزية.
وفي الصوم الكبير، يتعلّم الأطفال معنى الامتناع عن الطعام، ويشاركون في تلوين البيض وتحضير المعمول استعدادًا لعيد الفصح.
العيد في الحالتين هو لحظة فرح للأطفال، ما يرسّخ في ذاكرتهم أنّ الالتزام يقود إلى البهجة.

الزيارات وتعزيز الروابط
يشكّل العيدان مناسبة لتعزيز الروابط العائلية والاجتماعية، كتبادل الزيارات صباح العيد وزيارة المدافن والصلاة على نية الراقدين وتوزيع الحلوى على الجيران وتبادل أطباق المعمول بين العائلات من مختلف الطوائف.
وفي العديد من المناطق اللبنانية، يشارك الجيران بعضهم بعضًا فرحة العيد، في مشهدٍ يعكس خصوصية العيش المشترك اللبناني، حيث يتحوّل التنوع الديني والاجتماعي إلى تقليدٍ يومي طبيعي.

الفرح الجماعي
سواء في قدّاس الفجر يوم الفصح، أو في صلاة العيد صباح الفطر، يخرج الناس بلباس العيد، في صورة تعبّر عن الفرح الجماعي. وتكتسب الساحات والطرقات حيوية خاصة، بينما تمتلئ البيوت بالأقارب.
تكشف المقاربة بين الصومين، في بُعدهما اللبناني، أنّ التقشّف يقود إلى العطاء، والانضباط يفضي إلى الفرح، والتنوّع يصبّ في وحدة أعمق.
فبين صوت المسحّر وتراتيل أسبوع الآلام، وبين مائدة الإفطار وغداء الفصح، يبقى الصوم مدرسةً أخلاقيةً مشتركة، تعزّز تماسك المجتمع وترسّخ رسالة لبنان: وطنٌ يتنوّع في إيمانه ويتوحّد في قيمه.