تنسيق ميداني يعزّز الجهوزية ويختبر قدرات مركز البحث والإنقاذ

باسكال معوّض بو مارون

في عرض البحر قبالة الساحل اللبناني، لم يكن المشهد مجرد نشاط تدريبي روتيني، بل اختبارًا عمليًا لقدرة الوحدات البحرية والجوية على العمل المشترك في لحظة طارئة. فخلال زيارة الفرقاطة الفرنسية Forbin إلى لبنان، نُفِّذ تمرين مشترك مع القوات البحرية والجوية ومركز البحث والإنقاذ المشترك في الجيش اللبناني، في خطوة تعكس مستوى التعاون البحري القائم بين البلدين، وتهدف إلى تعزيز السلامة البحرية والاستجابة السريعة للحوادث في البحر.

هذا التمرين، الذي يندرج ضمن سلسلة نشاطات مشتركة بين الجيشين اللبناني والفرنسي، شكّل فرصة لاختبار آليات التنسيق بين مختلف الجهات المعنية بعمليات البحث والإنقاذ، بدءًا من تلقي نداء الاستغاثة وصولًا إلى إدارة العملية ميدانيًا وإنقاذ الضحايا.

تعاون بحري طويل الأمد
يوضح قائد القوات البحرية العميد الركن البحري مصطفى العلي أنّ زيارة الفرقاطة الفرنسية والتمارين التي رافقتها تأتي في إطار تعزيز السلامة البحرية والاستعداد الدائم لعمليات البحث والإنقاذ، مشيرًا إلى أنّ هذه الأنشطة «مخطّطة ومنسّقة بالكامل مع الجيش اللبناني وتعكس التعاون الدفاعي الطويل بين لبنان وفرنسا».
ويضيف أنّ الهدف يتجاوز مجرد التدريب، «إذ يسهم التمرين في تأمين سلامة الأرواح في البحر وتعزيز الأمن البحري والاستجابة السريعة للتهديدات من خلال التنسيق بين الجهات المختلفة، مثل القوات الجوية وفوج مغاوير البحر، إضافة إلى مختلف الأجهزة والإدارات المعنية بالشأن البحري». ويشدّد على أنّ الجيش اللبناني يبقى الجهة المسؤولة بالكامل عن السيادة والأمن البحري، وأنّ جميع النشاطات تتم تحت إشرافه.

مركز البحث والإنقاذ المشترك: محور العمليات
في صلب هذا النشاط يبرز الدور المحوري لمركز البحث والإنقاذ المشترك في البحر، وهو الجهة التي تتولّى تنسيق العمليات عند وقوع حادث بحري. ويوضح رئيس المركز العقيد الركن البحري رفيق أبو رجيلي، أنّ التمرين يهدف قبل كل شيء إلى تعزيز التنسيق في مجالات البحث والإنقاذ البحري ورفع قدرات الاستجابة للحوادث والكوارث البحرية التي قد تواجه الدولة اللبنانية.
ويشرح أنّ السيناريوهات التدريبية التي يعتمدها المركز تُصمَّم لتكون أقرب ما يمكن إلى الواقع. فالهدف هو محاكاة الظروف التي قد تواجهها الفرق البحرية في حالات الطوارئ، بدءًا من تلقّي نداء الاستغاثة وصولًا إلى تنسيق الجهود بين مختلف الوحدات المشاركة لإنجاح مهمة الإنقاذ.
ويشير العقيد أبو رجيلي إلى أنّ المركز يتولى مهمة التنسيق بين جهات متعددة، منها: القوات البحرية، فوج مغاوير البحر، الدفاع المدني، الأمن العام، قوى الأمن الداخلي والجمارك، إضافة إلى إمكان الاستعانة بطوافات القوات الجوية عند الحاجة، ضمن ما يُعرف بوحدة البحث والإنقاذ .SRU
ويؤكّد أنّ عمليات الإنقاذ البحري لا تعتمد فقط على الإمكانات الوطنية، بل أيضًا على التعاون مع السفن الموجودة في محيط الحادث. فوفق الاتفاقيات الدولية، ولا سيما اتفاقية SOLAS الخاصة بسلامة الأرواح في البحار، تلتزم جميع السفن التي تتلقّى نداء استغاثة بتقديم المساعدة. وفي هذه الحالة، يُعيَّن قائد ميداني للعملية يعرف باسم On Scene Commander )OSC( يتولى إدارة الجهود في موقع الحادث.

دعم متواصل
وإلى جانب الجهود الوطنية المبذولة لتطوير قدرات البحث والإنقاذ البحري، يحظى المركز بدعمٍ فرنسي بارز. فالعلاقة بين البحرية اللبنانية والبحرية الفرنسية ليست وليدة اليوم؛ إذ شكّلت المبادرات المشتركة والزيارات الدورية للسفن الحربية الفرنسية إلى لبنان خلال السنوات الماضية ركيزةً أساسية لتطوير قدرات القوات البحرية اللبنانية، ولا سيما في مجال عمليات البحث والإنقاذ.
ويؤكّد العقيد أبو رجيلي أنّ البحرية الفرنسية تُعدّ الداعم الأساسي لمركز البحث والإنقاذ المشترك الذي بدأ عمله في العام 2019، وقد أُنشئ على صورة نظيره في فرنسا. ويضيف أنّ هذا المشروع يحظى باهتمامٍ خاص من الجانب الفرنسي حتى أنّهم يعتبرونه «مشروع منارة» Projet Phare، وقد أسهموا في تمويله إلى جانب الاتحاد الأوروبي.
كما تُرسل فرنسا مستشارًا بحريًا إلى لبنان لتقييم عمل المركز واحتياجاته، فيما تحرص الفرقاطات الفرنسية التي تزور لبنان بمعدل مرتين إلى ثلاث مرات سنويًا على تنفيذ تمارين مشتركة مع البحرية اللبنانية، بما يعزز قدرات الطواقم البحرية والجوية لدى الطرفين.

تدريب واكتساب خبرات
لم يقتصر التمرين على الضباط والبحارة العاملين، بل شكّل أيضًا فرصة تدريبية للتلامذة الضباط في السنة الثانية اختصاص بحرية، الذين شاركوا في النشاط بصفة مراقبين، بعد أن أبحروا ثلاثة أيام على متن الفرقاطة الفرنسية.
ويؤكد أحد التلامذة الضباط أنّ التعاون بين الفريقين «مهني ويعزّز الثقة المتبادلة من خلال تبادل الإرشادات والخبرات»، فيما يشير زميل له إلى أنّ المشاركة في مثل هذه التمارين تتيح تطوير المهارات التقنية والعمل الجماعي والانضباط، فضلًا عن التعرف إلى الإجراءات الحديثة للملاحة وعمليات الإنقاذ.

اختبار الجهوزية وكشف الثغرات
يوضح العقيد أبو رجيلي أنّ الهدف الأساسي من التمارين المشتركة لا يقتصر على التدريب فحسب، بل يشمل أيضًا اختبار الجهوزية وكشف الثغرات في آليات العمل؛ ففي هذا التمرين، برزت الحاجة إلى توحيد إجراءات العمل القياسية المعروفة بـ SOP ضمن الخطة الوطنية للبحث والإنقاذ.
ويضيف أنّ أهمية المركز تكمن في كونه جهة تنسيق قبل أي شيء آخر. فالمركز لا ينفّذ عمليات الإنقاذ بنفسه بالضرورة، بل يدير العملية ويجمع المعلومات ويحدد المنطقة المحتملة للحادث ويطلب المساعدة من الجهات القادرة على التدخل، سواء كانت سفنًا قريبة أو دولًا مجاورة.
ويشرح أنّ المركز يستخدم نظامًا خاصًا بعمليات البحث والإنقاذ SAR Operation System، وهو برنامج يحلّل المعطيات المتوافرة مثل حالة الطقس والتيارات البحرية واتّجاه الرياح، ليحدّد نمط البحث الذي ستتبعه الطوافات والزوارق في أثناء مسح المنطقة.

تعاون مهني وتكامل في الخبرات
من الجانب الفرنسي، يشدّد الضباط المشاركون في التمرين على أهمية هذه الأنشطة المشتركة في تعزيز الفعالية العملياتية وتبادل الخبرات بين البحريتين اللبنانية والفرنسية.
وفي هذا الإطار يؤكّد المقدم البحري أروان كرموبان المستشار الفرنسي البحري لدى القوات البحرية أنّ لتمرين SAREX أهدافًا متعددة، أبرزها تعزيز الروابط بين فرنسا ولبنان وترسيخ التعاون المشترك بينهما. ويشرح أنّ هذا النوع من التمارين يركّز على كيفية العمل ضمن تنظيمٍ مشترك لإدارة العمليات والوصول إلى الأشخاص الذين قد يسقطون في البحر والعمل على إنقاذهم بالتنسيق مع القوات البحرية اللبنانية.
كما يوضح المقدم كرموبان أنّ تمرين SAREX لا يقتصر على محاكاة عمليات البحث والإنقاذ فحسب، بل يهدف أيضًا إلى تعزيز الروابط القائمة بين فرنسا ولبنان وترسيخ التعاون العملي بين البحريتين، مشيرًا إلى أنّ التمرين يركّز بشكلٍ أساسي على كيفية العمل ضمن تنظيمٍ مشترك لإدارة العملية، بما يسمح بتنسيق الجهود بسرعة وفعالية للوصول إلى الأشخاص الذين قد يسقطون في البحر والعمل على إنقاذهم. ويلفت إلى أنّ هذه التدريبات تمنح الطواقم فرصة لاختبار قدرتها على العمل ضمن فريق متعدّد الوحدات والوسائط البحرية والجوية، بما يعزز الجهوزية في الحالات الطارئة.
بدوره، يوضح العقيد البحري بيار باسكو (قائد الفرقاطة) أنّه يشارك مع زملائه البحارة في مهمة تمتد أسبوعًا لمواكبة تعزيز قدرات مركز البحث والإنقاذ في لبنان، مؤكّدًا أنّ التدريبات الميدانية المشتركة تتيح للطواقم العمل جنبًا إلى جنب مع نظرائهم اللبنانيين، ما يسهم في تطوير آليات التنسيق خلال عمليات الإنقاذ البحري.
أما الرائد البحري مارك ميشال، فيشير إلى أنّ العلاقة بين البحرية الفرنسية والقوات البحرية اللبنانية «علاقة تاريخية وفي الوقت نفسه طموحة»، موضحًا أنّ الضباط اللبنانيين الذين تلقّوا تدريبهم في فرنسا يتمتّعون بقدرةٍ عالية على الإندماج سريعًا في بيئةٍ عملياتية مشتركة. ويرى أنّ هذا العامل يسهم في تسهيل التنسيق الفوري والفعال بين الجانبين خلال تنفيذ المهمات في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ويعزّز الاستفادة المتبادلة من الخبرات والتجارب العملياتية لدى الطرفين.
في المحصّلة، لا يقتصر هذا النوع من التمارين على محاكاة حادثٍ بحريٍّ عابر، بل يشكّل جزءًا من منظومة تعاون أوسع تهدف إلى تطوير القدرات العملياتية وتعزيز ثقافة التنسيق بين مختلف الجهات المعنية بسلامة الملاحة البحرية. وبين الخبرة الفرنسية المتراكمة والجهود اللبنانية المتواصلة لتطوير قدراتها، تبدو مثل هذه المناورات محطة أساسية لترسيخ الجهوزية المشتركة وضمان الاستجابة السريعة عند وقوع أي حادث في البحر.

سيناريو المناورة: محاكاة حادث غرق قبالة عمشيت
حاكى التمرين حادث غرق زورق قبالة بلدة عمشيت، حيث وصل نداء استغاثة إلى مركز البحث والإنقاذ المشترك، الذي بدأ فورًا تنسيق الجهود بين القوات البحرية والجوية.
انتشر زورقان تابعان للبحرية لتأمين منطقة المناورة، فيما جرى تقسيم منطقة العمليات إلى قطاعات وتعيين ضابط ميداني مسؤول عن الموقع OSC، كما استخدمت الطوافات في عمليات البحث والرفع بالحبل من على سطح السفن.
وفي إحدى مراحل السيناريو تمّت محاكاة سقوط شخص في البحر، فتم إرسال طوافة لإنقاذه ونقله إلى الفرقاطة الفرنسية، حيث تبيّن أنّه يحتاج إلى رعاية طبية عاجلة، فجرى إخلاؤه جوًا إلى مستشفى قريب.
شمل التمرين أيضًا إنشاء منطقة بحث وإنقاذ يديرها المركز عن بعد، مع اعتماد نظام تحليل المعطيات لتحديد موقع الحادث بدقة ورسم مسارات البحث للطوافات والزوارق. وانتهى بإجراء تصوير جوّي للوحدات المشاركة قبل إعلان إنتهاء العمليات، في خطوةٍ عكست مستوى التنسيق بين مختلف الجهات المشاركة في هذا النشاط المشترك.