د. ألكسندر أبي يونس – باحث وأستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية
بعد ثلاثة أيام من بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا (24 شباط 2022)، أطلقت ألمانيا مشروع ”نقطة تحوّل“ (Zeitenwende) لإعادة التسلّح، مخصصةً مئات مليارات اليورو لإنشاء أقوى جيش تقليدي في أوروبا مع حلول العام 2029، الأمر الذي اعتُبر أكبر تعزيز وتوسّع عسكري لها منذ الحرب العالمية الثانية. يسعى هذا المشروع الاستراتيجـي إلى استعادة مكانة ألمانيا كقوة عسكرية مهيمنة، مُنهيًا عقودًا من القيود العسكرية، وسط مخاوف من تغيير ميزان القوى الأوروبي وتحوّله نحو الشرق.
يكتسب هذا الموضوع أهمية بالغة في الوقت الراهن، ويطرح فرضية معقّدة بحاجة إلى تفكيك: هل الهدف هو فعلًا «استعادة أمجاد الماضي» بمفهومها القومي القديم، أم هو استجابة لضرورات جيوسياسية حديثة؟ وكيف توازن ألمانيا بين ماضيها المثقل بالحروب وطموحها كقوة جيوسياسية قائدة في أوروبا؟ يبدو أنّ إعادة التسلّح الألماني ليست سعيًا وراء «أمجاد إمبراطورية»، بل هي محاولة لسد فجوة القيادة في القارة الأوروبية وتأمين الاستقلال الاستراتيجي. والذريعة التي يعلنها الألمان كغطاءٍ لتنفيذ مشروعهم هي أنّ العالم يطلب منهم تحمّل مسؤولية أكبر. فالجميع يتوقّعون أن تُرفق ألمانيا وزنها الاقتصادي بقوة دفاعية حقيقية.
في التاريخ الحديث والمعاصر، دخلت ألمانيا في سباق التسلّح مرّتين خلال القرن العشرين وأسهمت باندلاع حربين عالميّـتين، وانهزمت فيهما، وفُرض عليها منذ العام 1945 عقيدة التحفّظ العسكري (Military Restraint). وبعد قطيعة مع التسلّح دامت لفترة ثمانية عقود، بدأ التحوّل في سياستها الخارجية في العام 2022، الأمر الذي أثار نقاشات حول استعادة أمجاد عسكرية ماضية وتأثير ذلك على التحالفات الأوروبية. فهل إعادة التسلّح الألماني اليوم ستؤدّي إلى حرب عالمية ثالثة أم إلى استقرار أوروبي؟
الدوافع الاستراتيجية لإعادة التسلّح
تولّى فريدريش مرتس منصب المستشار الألماني في أيار 2025 عقب انتخابات مبكرة، في وقت تواجه فيه ألمانيا تحديات اقتصادية وسياسية كبيرة. فقرّر تسريع خطة إعادة التسلّح بهدف جعل الجيش الألماني قادرًا على الحرب والدفاع عن حلف الناتو بخاصة في بحر البلطيق. ولا يمكن فهم هذا التحرّك الألماني بمعزلٍ عن البيئة الدولية المضطربة:
– الحرب الروسية – الأوكرانية التي حطّمت الإيمان الألماني بمبدأ «التغيير عبر التجارة».
– تراجع الثقة بالمظلّة الأميركية بعدما ركّز ترامب على المحيط الهادئ، ما أدى إلى اتخاذ برلين قرارًا بضرورة الاعتماد على نفسها.
– التهديد الأميركي للدانمارك بضم غرينلاند ما وضع العلاقة الأوروبية – الأميركية على المحك.
– وجود دافع اقتصادي يتعلّق بعدم إمكان البقاء كعملاقٍ اقتصادي وقزم عسكري إذا أرادت الحفاظ على تماسك القارة الأوروبية.
أمام هذا الواقع، تبنّت ألمانيا استراتيجية «الدولة الإطارية»، التي تعمل على دمج جيوش الدول الأوروبية الصغيرة والمتوسطة ضمن قيادتها وهيكلها التنظيمي. هذا النموذج يُظهر أنّ الطموح الألماني هو «جماعي» أكثر مما هو «فردي»، حيث تسعى برلين لتكون النواة الصلبة للدفاع الأوروبي المشترك.
أبرز ملامح مشروع إعادة التسلّح الألماني
يمكن اختصار أبرز ملامح مشروع إعادة التسلّح الألماني بالآتي:
– إنفاق قياسي: من المتوقع أن تنفق ألمانيا 153 مليار يورو سنويًا على الدفاع بحلول 2029، أي نحو 3,5% من الناتج المحلي، وهو أضخم توسّع عسكري منذ إعادة توحيدها.
– تحديث شامل: رصد 100 مليار يورو كصندوقٍ خاص لتحسين البنية التحتية العسكرية، شراء طائرات مسيّرة هجومية، ودبابات ليوبارد 2، و50 مقاتلة 35F- الأميركية من أجل المحافظة على المشاركة النووية ضمن الناتو. وتطوير فرقاطات وغواصات حديثة لحماية خطوط التجارة في بحر الشمال والبلطيق. وتحديث نظم الاتصالات والذكاء الاصطناعي لسد الفجوة التقنية للجيش الألماني.
– صناعة دفاعية: توجيه الاستثمارات لدعم الإنتاج الدفاعي المحلي.
– استثمارات فضائية: خصصت ألمانيا نحو35 مليار يورو لتحديثات عسكرية فضائية ما بين العامين 2025 و2030 لأنّها باتت ترى الفضاء عنصرًا أساسيًا في الأمن القومي الألماني والردع العسكري. فقد أصبح الفضاء ساحة معركة حيث تشغّل القوات المسلّحة الألمانية عشرة أقمار صناعية، تُستخدم لأغراض الاستطلاع والاتصالات. وبما أنّ هذه الأقمار قد تتعرّض للهجوم، وضعت الحكومة الألمانية خطة رادعة تمثلت باستحواذ جيشها في بداية العام 2026 على نظام الاستطلاع الفضائي SPOCK الذي يُتيح مراقبة وتقييم التحرّكات والتغيّرات على الأرض في أي طقس وفي أي وقت. يُضاف إلى ذلك وسائل يمكن من خلالها منع الخصم من استخدام أنظمته الفضائية بفعالية. من جهة أخرى، انضمت ألمانيا إلى «اتفاقيات أرتميس» التي أطلقتها الولايات المتحدة، وبموجبها التزمت مبدأ عدم التسبب بحطام فضائي. ما يعني أنّه لا يمكن إسقاط قمر صناعي معادٍ إلّا بقرارٍ سياسي. وتستعد ألمانيا لتنفيذ مشروع «ساتكومب 4» الذي يعتبر من أهم المشاريع الفضائية في تاريخ القوات المسلّحة الألمانية. وهو يهدف إلى ربط الدبابات والسفن والطائرات الألمانية كما الجنود الألمان في جميع أنحاء العالم، عبر الاتصالات الفضائية، وتأمين العمليات على الجناح الشرقي لحلف الناتو، بما في ذلك اللواء الألماني في ليتوانيا.
وأعلنت ألمانيا أنّ الجيش الألماني أمامه ثلاث سنوات للحصول على المعدات اللازمة للدفاع عن البلاد ضد هجوم روسي محتمل على أراضي دول الناتو بحلول العام 2028. لذلك خصصت حكومة مرتس المليارات من اليورو للإنفاق الدفاعي من أجل تيسير معاملات شراء المعدات العسكرية الثقيلة مثل دبابات سكاي رينجر المضادة للطائرات أو النموذج الذي سيستبدل مركبة النقل المدرعة Fuchs.
جعل فريدريش مرتس إعادة تسليح الجيش الألماني الذي عانى من نقص في التمويل لفترة طويلة، أولوية لائتلافه الحكومي مع الحزب الديموقراطي الاشتراكي، ليصبح «أقوى جيش تقليدي في أوروبا»، بخاصة بعد التهديدات الأميركية بشأن غرينلاند وفي ظلّ إعلام الرئيس ترامب دول حلف شمال الأطلسي بعدم اعتمادهم بعد اليوم على القوة الأميركية في الدفاع. لذلك رأت ألمانيا الفرصة سانحة لها لإعادة التسلّح والتحرّر من المعاهدات التي قيّدتها عسكريًا بعد الحرب العالمية الثانية.
بدأت عملية إعادة التسلّح فعليًا خلال عهد حكومة أولاف شولتس بعد اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية في شباط 2022، لكن الواقع الجيوسياسي الجديد أرغم البلاد على تسريعها، فأعلن وزير الدفاع أن الجيش الألماني بحاجة لما بين 50 إلى 60 ألف جندي جديد في السنوات المقبلة للاستجابة للزيادة في قدرات الدفاع التي يطلبها الحلف الأطلسي. فعديد الجيش بلغ أكثر من 180 ألف جندي سنة 2024 والهدف هو إيصاله إلى 230 ألفًا بحلول العام 2031.
كما أعلنت وزارة الدفاع الألمانية في 28 تشرين الأول 2025 تعليق تحويل 187 موقعًا عسكريًا إلى استخدامات مدنية بسبب الحاجة المتزايدة لهذه المواقع، في ظل خطط توسيع الجيش الألماني. ومن المقرّر أن تُدرج هذه المواقع ضمن «الاحتياطي الاستراتيجي لعقارات الجيش الألماني»، إذ يمكن للجيش استخدامها فورًا عند الحاجة.
القاعدة الألمانية في ليتوانيا: تحوّل عسكري استراتيجي
في خطوة هي الأولى من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية، أنشأت ألمانيا في العام 2023 أول قاعدة عسكرية خارجية لها في ليتوانيا. جاء بناء القاعدة في إطار الاتفاق الألماني – الليتواني الذي يقضي بنشر 4800 عسكري و200 موظف مدني ألماني و2000 مركبة. وقد أصبحت القاعدة الألمانية أكبر منشأة عسكرية في تاريخ ليتوانيا، وذلك بتكلفة تصل إلى مليار يورو. وتريد ألمانيا الوصول إلى القدرة التشغيلية الكاملة لها بحلول العام 2027.
تقع هذه القاعدة في الممر الصغير الرابط بين ليتوانيا وبولندا، والمعروف باسم فجوة «سوالكي»، والتي يُنظر إليها كأضعف نقطة في حلف شمال الأطلسي. وتمتد فجوة سوالكي على طول 70 كيلومترًا تقريبًا وهي تتمتع بأهمية استراتيجية، فهي نقطة حاسمة ووحيدة لإمدادات الناتو العسكرية البرية من بولندا لدول البلطيق الثلاث: ليتوانيا، ولاتفيا، وإستونيا. وهذا ما يسمح لروسيا وبيلاروسيا بفصل دول البلطيق بريًّا عن باقي دول الناتو في حال شنّتا هجومًا على فجوة سوالكي.
يأتي قرار ألمانيا بإنشاء قاعدة في ليتوانيا ضمن جهود أوروبية أوسع لملء الفراغ الأمني الناتج عن أي انسحاب أميركي محتمل بعد أن شرعت واشنطن في سحب 11,900 من أصل 37,000 جندي من ألمانيا. كما يؤكد القرار استعداد ألمانيا المتزايد لتولّي دور عسكري استباقي داخل الناتو، بخاصة وأنّه يأتي عقب إعلان برلين عن استراتيجية الأمن القومي الجديدة، بما يمكّنها من الدفاع عن نفسها ويجعلها أكثر استقلالية في قرارها عن واشنطن. وتأتي تلك الخطوة أيضًا ضمن خطة استراتيجية لحلف الناتو استجابةً للمخاوف الأمنية المتزايدة في أوروبا الشرقية تجاه أنشطة روسيا العسكرية، وبينما تقدّم الولايات المتحدة الدعم العسكري لبولندا، تدعم بريطانيا إستونيا، وتقود كندا الدعم في لاتفيا، وتتولّى ألمانيا قيادة الدعم لليتوانيا.
ستعمل القاعدة الجديدة على تسهيل نشر المعدات الثقيلة، وتعزيز قدرة ألمانيا على الاستجابة السريعة للتهديدات في المنطقة، إذ طلبت الحكومة الألمانية 2,93 مليار يورو من البرلمان لشراء 105 دبابات ليوبارد لتجهيز القاعدة الليتوانية. وليس من المستبعد أن تعلن ألمانيا عن قواعد عسكرية أخرى لها في المستقبل خارج حدودها، بخاصة لدى أعضاء في دول حلف الناتو في شرق أوروبا.
في المقابل، عملت روسيا وبيلاروسيا على نشر قوات وأسلحة استراتيجية كرد فعل على بناء القاعدة الألمانية. وحذّرت روسيا من أنّ نشر القوات الألمانية في ليتوانيا سيؤدّي إلى «إجراءات انتقامية»، واعتبرت القاعدة جزءًا من «السياسة العدوانية» لحلف شمال الأطلسي. فيما هدّد الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو بنشر أسلحة نووية روسية في بيلاروسيا ردًا على القاعدة الألمانية وأنشطة الناتو الأخرى بالقرب من حدودها.
للمرة الثالثة، ألمانيا تقود سباق التسلّح وسط تخوّف أوروبي ودولي
أعلن فريدريش مرتس خلال مؤتمر ميونيخ للأمن في 13 شباط 2026 أنّ النظام الدولي القائم على القواعد «انتهى». وألمح في خطابه الناري إلى أنّ الولايات المتحدة لا تملك القوة للوقوف بمفردها من دون دعم حلفاء الناتو في الفترات الشديدة. كما أعرب مرتس عن دعم ألمانيا الكامل للدانمارك في نزاعها مع ترامب حول غرينلاند، مؤكدًا مرة أخرى عزمه على تعزيز القوات المسلّحة الألمانية لتصبح أقوى جيش أوروبي تقليدي جاهز لحماية الجناح الشرقي للبلاد ضد روسيا. وتعهّد مرتس بمزيد من الإجراءات لضمان أمن أقصى الشمال، كاشفًا عن أولى طائرات يوروفايتر الألمانية German Eurofighter Typhoons.
ويشهد ميزان القوى في أوروبا اليوم تحوّلًا جذريًا مع سعي ألمانيا إلى أن تصبح القوة العسكرية الأولى في القارة، في خطوة تُربك فرنسا، وتُثير حذرًا تاريخيًا في بولندا. فبينما كانت المعادلة غير المعلنة لعقود تقوم على أنّ «برلين تمسك بالاقتصاد وباريس تمسك بالجيش»، بدأ هذا التفاهم التاريخي يتفكّك مع إعادة تسلّح ألمانيا على نطاق غير مسبوق، الأمر الذي قلب توازن القوى، وأعاد إلى الواجهة أسئلة ظنّ الأوروبيون أنّهم طووا صفحتها قبل 80 عامًا. واليوم، تجد فرنسا نفسها في سباق مع الزمن كي تحافظ على دورها العسكري المركزي، بينما تنظر بولندا إلى هذا التحوّل بعين القلق تارةً، وبعين الترحيب تارةً أخرى، معتبرةً الشراكة الألمانية – البولندية هي السبيل الواقعي لردع روسيا، رغم التاريخ الدموي بينهما الذي يصعب محوه من الذاكرة.
تريد ألمانيا إنفاق 153 مليار يورو على التسلّح بحلول العام 2029، وتنفق فرنسا بالمقابل نحو 80 مليار يورو فقط بحلول العام 2030، بينما تخوض بولندا سباق تسلّح خاصًا بها، إذ خصّصت 44 مليار يورو لسنة 2026، لتصبح الدولة الأعلى إنفاقًا في الناتو. كما أنّ الفرنسيين يعانون من دَين عام يتجاوز 117% من الناتج المحلي، وعجز يتخطى 5%، بينما تبدو قدرة ألمانيا على الاقتراض وتمويل هذا التوسّع غير قابلة للمنافسة. أمام هذا الواقع، وُصف التحوّل الألماني بالزلزال الحقيقي وأهم حدث على مستوى الاتحاد الأوروبي. فألمانيا تُعيد تشكيل سياستها الدفاعية على أساس مصلحة وطنية خالصة، وهي ترفض منح المفوضية الأوروبية دورًا أكبر في مشتريات السلاح، وتتمسّك باستخدام المادة 346 من معاهدة الاتحاد الأوروبي التي تسمح بتجاوز قواعد المنافسة لمصلحة العقود المحليّة.
وتريد برلين تمرير عقود دفاعية بقيمة 83 مليار يورو عبر البرلمان بحلول نهاية العام 2026، تشمل كل ما يتعلّق بالجيش من دبابات وفرقاطات إلى أقمار صناعية وطائرات مسيّرة وأنظمة رادار. وهذه ليست سوى المرحلة الأولى إذ توجد قائمة ضخمة تشمل أكثر من 320 برنامج تسليح للجيش الألماني بقيمة 377 مليار يورو. وجدير بالملاحظة في هذه العقود أنّ أقل من 10% فقط ستذهب لشركات أميركية، في انعكاس لتراجع الاعتماد على واشنطن، بينما سيدور معظم الباقي داخل أوروبا، بخاصة داخل ألمانيا نفسها.
ينظر الفرنسيون إلى إعادة التسلّح الألماني بقدرٍ كبير من الشك، وربما الخوف بسبب احتلال ألمانيا لأرضهم في الحرب العالمية الثانية. وتراوح النظرة الفرنسية إلى ألمانيا بين «اليقظة والتهديد»، فالهيمنة الألمانية القادمة ستجعل التعاون بين البلدين أكثر صعوبة، أما القلق الفرنسي الأكبر فيتعلّق بالصناعة.
وما يزيد الخلاف بين فرنسا وألمانيا هو مشروع المقاتلة الأوروبية المشتركة بينهما (FCAS) والتي هي من الجيل السادس وتُعتبر سحابة قتالية تشمل أنظمة غير مأهولة وأجهزة استشعار وقدرات محاكاة. كان يُفترض أن يكون هذا المشروع جوهرة التعاون الفرنسي – الألماني – الإسباني وبتكلفة 118 مليار دولار. لكنه اليوم أصبح محور خلاف شديد، بعد تأخير وصراع حول حجم المشروع ومن يحصل على الحصة الأكبر من العمل. وفي الأسابيع الأخيرة، بدأ مسؤولون ألمان يتحدّثون عن بدائل مثل التعاون مع السويد أو بريطانيا أو حتى مع إسبانيا وحدها، وصرّح مرتس أنّ هذه الطائرة تناسب احتياجات الجيش الفرنسي أكثر من الجيش الألماني. أثار هذا التصريح رعب باريس لأنّها ترى المشروع جزءًا من منظومة ردعها النووي، ودليلًا على قيادتها العسكرية الأوروبية، بينما برلين «لا تريد حاليًا طائرة تحمل أسلحة نووية». وما يُؤكد توتر باريس، هو توقيع بريطانيا عقد شراء مع ألمانيا بقيمة 70 مليون دولار، بهدف الحصول على نظام مدفعية متطوّر مثبت على مركبات مدرّعة. وقد أعلنت وزارة الدفاع البريطانية أنّ الصفقة ستزوّد الجيش البريطاني نموذجًا تجريبيًا مبكرًا من نظام المدفعية (155 RCH) الألماني الذي ستصنّعه شركتان فرنسية وألمانية. يتمتّع (155 RCH) بقدرة على إطلاق ثمانية مقذوفات في الدقيقة في أثناء التنقل، والعمل بطاقمٍ مكوّن من فردين فقط، إضافة إلى قطع مسافة تصل إلى 700 كلم من دون الحاجة إلى إعادة التزوّد بالوقود.
وعلى عكس فرنسا، تنظر بولندا إلى إعادة التسلّح الألماني باعتباره خطوة ضرورية لكنّها متأخرة، وقد أعلنت أنه «لا يمكننا أن نطالب الجميع بزيادة الإنفاق الدفاعي ثم نقول: لكن ليس أنت يا ألمانيا». إلّا أن الذاكرة التاريخية لا تترك وارسو ترتاح تمامًا، ففي كل مرة تجمع فيها ألمانيا بين قوتها الاقتصادية والعسكرية، كانت أوروبا تدفع الثمن. وبولندا كانت الدولة الأولى التي اجتاحتها القوات الألمانية بليلة واحدة مع بداية الحرب العالمية الثانية سنة 1939. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الأمور تغيّرت بالنسبة إلى بولندا التي كشفت عن امتلاكها أكبر جيش بري في أوروبا اليوم. وبالتالي فإنّ خطط تحديث الجيش الألماني يجب أن تُفهم في سياق إعادة تسلّح شامل يجري في كل أوروبا.
تغيير هائل يصعب استيعابه
تتخوّف بولندا من الحزب اليميني المتطرّف في ألمانيا (AFD) الذي يدعو لعلاقاتٍ مع روسيا، ويطالب باستعادة أراضٍ بولندية، وهو ما تعتبره وارسو تهديدًا لا يمكن تجاهله. حتى الآن، يبدو صعود ألمانيا وكأنّه «عودة إلى تحمّل المسؤولية»، وليس رغبة في الهيمنة، لكن حتى الدبلوماسيين الداعمين لذلك يعترفون بأنّ حجم التغيير «هائل وصعب الاستيعاب».
لا تسعى ألمانيا لاستعادة أمجاد الماضي العسكرية (البروسية أو النازية)، بل تسعى لتعريف جديد للقوة المسؤولة. إعادة التسلّح هي ثمن البقاء كقوة اقتصادية وسياسية في عالم لم يعد يؤمن بالدبلوماسية وحدها. يضاف إلى ذلك وجود عوائق وقيود أمام ألمانيا لإعادة تسليح نفسها، منها تشكيك جزء كبير من الشعب الألماني في القوة العسكرية، والبطء الشديد في عمليات الشراء العسكرية، فضلًا عن قلق دولي ومحلّي من تسلّل عناصر راديكالية إلى الجيش، ما يجعل مصطلح «أمجاد الماضي» حساسًا جدًا ومقبولًا لدى البعض، مع أنّه مرفوض في الخطاب الرسمي.
على كلٍّ، ألمانيا تجهّز جيشها لكي يصبح قادرًا على خوض حرب تقليدية واسعة النطاق لضرورات استراتيجية، أهمها ردع «روسيا عن شن حرب واسعة في أوروبا». ولتحقيق ذلك، على ألمانيا الإسراع بإقرار التمويل والتشريعات، كما على الصناعات الدفاعية تسريع الإنتاج، مقابل إقناع المجتمع بأنّ الاستعداد العسكري لا يتناقض مع القيم الديمقراطية. وهذا ما أظهرته آخر استطلاعات رسمية إذ تبيّن أن نحو ثلثي الألمان يعتبرون أنّ روسيا تشكّل تهديدًا عسكريًا، ويؤيّد معظمهم زيادة الإنفاق الدفاعي بخاصة بعدما تراجعت الثقة الأوروبية في الولايات المتحدة كحليفٍ موثوق في ظلّ سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي انتقدت الحلفاء الأوروبيين وقلّصت الدعم لأوكرانيا، مما عزّز القناعة بضرورة استعداد أوروبا للدفاع عن نفسها.
وفي هذا السياق، أتى إنشاء ألمانيا قاعدة عسكرية لها في ليتوانيا لصد أي هجوم روسي من تلك الجبهة. هذه الخطوة تعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن ألمانيا باتت حجر الزاوية في أي دفاع قاري. فأوروبا تعيش اليوم مرحلة «لا حرب ولا سلام»، تتخلّلها هجمات سيبرانية، وتوغلات بالطائرات المسيّرة، وأعمال تخريب للبنى التحتية، تُنسب إلى روسيا بخاصة بعد المناورات الروسية – البيلاروسية في أيلول 2025 التي تضمّنت سيناريوهات استخدام السلاح النووي في رسالة ضغط واضحة على دول الناتو. ولمواجهة هذا الواقع، تعيد ألمانيا هيكلة شاملة للجيش، بهدف تشكيل 3 فرق قتالية مكتملة بحلول العام 2032. وأمام هاتين الجبهتين، يعكس التوسّع في التسلّح مخاوف أوروبية متزايدة من اتساع رقعة الحرب، في وقت يحذّر فيه مراقبون من أنّ هذه التطورات قد تفضي إلى سباق تسلّح طويل الأمد يعيد القارة الأوروبية إلى أجواء الحرب الباردة.
ألمانيا وسباق التسلّح عشية الحربين العالميتين والمعاهدات التي قيّدتها عسكريًا
قادت ألمانيا سباق تسلّح محموم عشية الحربين العالميتين (1914-1918) و(1939-1945)، إذ ركّزت قبل الحرب الأولى على البناء البحري لمنافسة بريطانيا، وقبل الحرب الثانية على إعادة التسلّح الشامل للجيش في انتهاك لمعاهدة فرساي، ما جعل التسلّح عاملًا حاسمًا في اندلاع الحربين.
فخلال حكم الأمبراطور Wilhelm II (1888-1918)، سعت ألمانيا إلى تحويل قوّتها الصناعية إلى نفوذ سياسي عالمي. بدأت بالتركيز على التسلّح البرّي بدءًا من سنة 1912، ومن ثم أنشأت البحرية الألمانية لمنافسة البحرية البريطانية التي أطلقت بارجتها Dreadnought سنة 1906. ومع نهاية العام 1914، امتلكت بريطانيا 45 بارجة بينما امتلكت ألمانيا 26. أدى هذا التنافس إلى إنشاء معسكر الحلفاء من بريطانيا وفرنسا وروسيا لمواجهة دول المحور وهي ألمانيا والنمسا والمجر والسلطنة العثمانية.
هُزمت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وفُرضت عليها معاهدة فرساي سنة 1919 للحد من تسلّحها والتي قلّصت جيشها لـ 100 ألف جندي وألغت التجنيد الإجباري، ومنعت عنها سلاح الجو والغواصات واستيراد الأسلحة أو تصديرها، وقيّدت أسطولها البحري بــ 30 قطعة فقط، وحظّرت تصنيع الأسلحة الثقيلة، وألزمتها بتدمير المعدات الثقيلة من دبابات ومدافع، وتجريد منطقة Rhineland من السلاح والتحصينات.
مع تعيينه مستشارًا لألمانيا سنة 1933، سارع أدولف هتلر إلى التخلّص من قيود «معاهدة فرساي» وتوسيع مساحة ألمانيا. فعمد سنة 1935 إلى إعادة التجنيد الإجباري، وأنشأ جيشًا كبيرًا (الفيرماخت) (Wehrmacht)، واستحدث سلاح الجو (Luftwaffe)، ووقّع الاتفاقية البحرية الأنجلو – ألمانية التي سمحت له بتجاوز بعض قيود فرساي، لكنها حدّدت الأسطول الألماني بنسبة معيّنة. وسنة 1936 أعاد هتلر تسليح منطقة الراين ما أثار سباق تسلّح أوروبي جديد. وحوّل النازيون الاقتصاد بالكامل نحو الإنتاج العسكري، واستعدّوا لخوض حرب خاطفة. فكان سباق التسلّح الألماني المحرّك الأساسي لتوتر العلاقات الدولية، إذ اعتمدت ألمانيا على تطوير أسلحة حديثة مثل الطائرات والدبابات قبل 1939 لفرض واقع جديد.
هُزمت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية سنة 1945 مع العلم أنّها كانت على بعد شهرين فقط من إنتاج القنبلة النووية. وانعقد مؤتمر بوتسدام الذي تمّ خلاله الاتفاق على النزع الكامل للسلاح (Demilitarization) وتفكيك الصناعات العسكرية الألمانية، وقُسّمت ألمانيا إلى منطقتين، ألمانيا الغربية الموالية للولايات المتحدة الأميركية وألمانيا الشرقية الموالية للاتحاد السوفياتي. وفي سنة 1952، وقّعت معاهدة (Deutschland Vertrag) بين ألمانيا الغربية من جهة وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، التي فرضت تدابير أمنية خلال فترة الانقسام، واستعادت ألمانيا الغربية سيادتها بقيود عسكرية. ومنذ العام 1955، أصبح اسم الجيش الألماني البوندسفير (Bundeswehr) أي قوة الدفاع الاتحادية. وبعد سقوط جدار برلين في 9 تشرين الثاني 1989 (بُني سنة 1961) وسقوط الاتحاد السوفياتي، وُقّعت في موسكو بتاريخ 12 أيلول 1990 معاهدة التسوية النهائية لتوحيد ألمانيا والمعروفة بمعاهدة (2+4) أي الألمانيتين وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، ونصّت هذه المعاهدة على توحيد ألمانيا في 3 تشرين الأول 1990، وترسيم حدودها النهائية مقابل تعهدها بنزع السلاح وبعدم إنتاج أسلحة نووية أو كيميائية.
المراجع
- عبد الرؤوف سنّو: ألمانيا وسياسة الاندفاع نحو الشرق؛ العلاقات الألمانية – العثمانية من 1871 إلى 1918، المعهد العالي للدراسات الإسلامية، عدد 3 (1990).
- فرانسوا دريفوس ورولان ماركس وريمون بوادوفان: موسوعة تاريخ أوروبا العام، جزء 3: أوروبا من عام 1789 حتى عام 1992، تعريب حسين حيدر وأنطوان هاشم، عويدات للنشر والطباعة، بيروت، 2012.
- Jacques-Pierre Gougeon: L’Allemagne dans les relations Internationals de 1890 à nos jours, Armand Colin, Paris, 1998.
- Carol Hager: Germany’s Energy Transition, New York, 2016.
- Stephen Szabo: Germany, Russia and the rise of Geo-Economics, London, Bloomsbury Academic, 2015.
- Alfred Grosser: Western Germany from defeat to rearmament, 2022.
- Daniel Nelson: History of U.S. military forces in Germany, 2019.
- James Corum: Rearming Germany, 2011.







