جورج علم – كاتب ومحلل سياسي
هَنْدم ”مارد القوة“ هندامه. شدّ وسطه. لقّم سلاحه. امتشق سيفه. هدم الأسوار العالية. اقتحم الشوارع والأحياء… سقطت أعمدة النظام الدولي. انهار البنيان الذي شقع مداميكه الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية. نعست الضمائر. شاخت شرعة حقوق الإنسان وأُحيلت إلى التقاعد. وتبخّرت منظمة دول عدم الانحياز منذ زمن. وتخلخلت مفاصل العدالة الاجتماعية بين شمال خطّ الاستواء وجنوبه. بين دول غنية مقتدرة، وأخرى فقيرة متعثرة. حبالى تلد للجبهة، وثكالى تحبل باللوعة. غيّر ”مارد القوة“ الأمكنة. لم يعد العقار ملكًا لأهله بل لمقتحمه. والمطارح لم تعد مطارح. طوى الزمن معطفه الذي كان، ليرتدي ما ليس ماثلًا بعد في الحسبان. وفي قلب العاصفة الأوكرانية، لم يعد السؤال عن مصير الحرب فحسب، بل عن طبيعة النظام الدولي الذي سيولد من رحمها؟!
أربع سنوات انقضت، تغيّر الكثير:
- ارتفعت أمواج عالية بين ضفتي الأطلسي.
- تحوّلت الولايات المتحدة من «قائد للائتلاف» الداعم لأوكرانيا، إلى «مدير للشروط». فرضت على أوروبا تحمّل عبء الحرب، أو التفاوض.
- تغيّرت الخرائط، وخطوط الطول والعرض، انطلاقًا من الجغرافيا الأوكرانية إلى الجغرافيات الأخرى المهددة على خط الزلزال.
- تغيّرت الاستراتيجية. من دور أميركي مباشر ضدّ روسيا، إلى «شيخ صلح»، تفاديًا للمخاطر النووية.
- وقف الهدر حرصًا على الدولار، والمليار. رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب استمرار النزف. قرّر إقفال «البالوع» الذي يشفط المليارات من دون نتائج ملموسة، أو إنجازات محسومة. فرض على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي سداد المساعدات المليارية، باستغلال موارد بلاده المعدنية النادرة.
أطول وأسوأ حرب تشهدها أوروبا
رسمت الحرب الروسية – الأوكرانية في عامها الرابع واقعًا جيوسياسيًا جديدًا. تبدو الحصيلة كارثية بكل المعايير ليس فقط على الطرفين المباشرين في هذه المواجهة المستمرة، بل على المستوى الإقليمي والدولي الذي تعرّض – وما زال – لأسوأ تداعيات النزف المتمادي، والصراع العسكري المفتوح منذ الحرب العالمية الثانية.
عندما اخترقت الدبابات الروسيّة فجر 24 شباط 2022 الحدود الأوكرانية، وتقدمت بأرتال مدعومة بغطاء ناري جوي كثيف نحو كييف، ومدن رئيسة أخرى، بدا أنّ القيادة الروسية اتخذت قرارها الحاسم بناءً على حسابات ومعطيات أكدت أنّ «العملية العسكرية الخاصة» – وفق التسمية الروسية – ستكون مجرّد نزهة قصيرة، ولن تلبث الأعلام الروسية أن ترتفع فوق مبنى البرلمان، والقصر الرئاسي في كييف. وتوقعت تقارير رُفعت في حينه إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يستقبل الأوكرانيون الجيش الروسي بالزهور، وأن يتم بسرعة إطاحة الحكومة الأوكرانية، ووضع أوروبا والعالم أمام واقع جديد.
لكن الهجوم المباغت الواسع ومتعدد الجبهات عجز عن تحقيق طموحات الكرملين، ومع مرور الوقت تلاشت الأحلام الوردية، والتقطت أوكرانيا أنفاسها سريعًا، وأقدمت على مواجهة قوية حوّلت «العملية العسكرية الخاطفة» إلى أطول وأسوأ حرب تشهدها أوروبا منذ عقود.
ومع دخول الصراع عامه الخامس، تبين أنّ هناك استعصاء دبلوماسيًا لوقف آلة الحرب، رغم جولات المفاوضات المكوكية، ورغم أنّ الرئيس ترامب رمى بثقله لتحقيق ما وعد به، وبسرعة قياسية، فقد تبيّن له أنّ عملية السلام شائكة، ومعقدة، ومرهونة بشروطٍ ومتطلبات صعبة للطرفين.
خرائط جديدة
رسمت المواجهة خرائط جديدة. وبدّلت أولويات كثيرة. وبدت أوكرانيا الخاسر الأكبر، وأوروبا المنقسمة والخائفة بقوة من فقدان مظلة الحماية الأميركية.
لقد خلّفت «العملية العسكرية» نحو مليوني ضحية من الجيشين الروسي والأوكراني بين قتلى وجرحى ومفقودين حسب دراسة حديثة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية (CSIS) الأميركي.
ورغم سياسة التكتُّم على الخسائر من قبل الطرفين، فإنّ عدد قتلى الروس – وفق المركز – بلغ 325 ألفًا منذ اندلاع الحرب. وبلغ إجمالي عدد ضحاياها مليونين و200 ألف بين قتيل وجريح ومفقود. إلّا أنّ موسكو اعتبرت الأرقام غير دقيقة، ومبالغ فيها جدًا.
وأشار المركز إلى أنّ «أي قوة عظمى لم تتكبد هذا العدد من القتلى والجرحى في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية». لافتًا إلى أنّ «القوات الروسية تتقدم في الميدان، ولو ببطء».
وأقر المركز «بأنّ أوكرانيا قد تكبّدت بدورها خسائر فادحة، إذ أسفر النزاع عن تسجيل ما بين 500 ألف و600 ألف ضحية، منهم ما بين 100 ألف و140 ألف قتيل بين شباط 2022 وكانون الأول 2025».
وتواجه كييف أزمة حادة في هذا المجال بسبب الفارق الكبير في التعداد السكاني، وقدرات التجنيد، والزجّ بمقاتلين جدد في ساحات المعركة.
ولا تقتصر الخسائر الأوكرانية على الجانب البشري، بل تشمل الجغرافيا، والديموغرافيا، بعد سيطرة روسيا على نحو 20 بالمئة من مساحة أوكرانيا، وتشريد ملايين الأوكرانيين. كما تسببت الحرب بأزمات غذائية عالمية، وعقوبات غربية غير مسبوقة على روسيا، ودمار واسع في البنى التحتية، وتحوّل جيوسياسي جذري في أوروبا.
لقد سيطرت روسيا فعليًا على مناطق واسعة في شرق وجنوب أوكرانيا، (نحو 28 في المئة من مساحة أوكرانيا إذا أُضيفت شبه جزيرة القرم، والأراضي التي انتقلت إلى السيطرة الروسية منذ 2014).
وتسبّبت الحرب في تشريد ما بين 15 و30 مليون أوكراني، تحوّلوا لاجئين داخل البلاد وخارجها.
وبالإضافة إلى الدمار الاقتصادي، وما لحق بالبنية التحتية من خراب، أسفرت سنوات الحرب عن تدمير شامل لمدن أوكرانية (مثل ماريوبول)، واستهداف واسع لمحطات الطاقة والكهرباء.
تداعيات على المستوى العالمي
تركت الحرب بصماتها على الاقتصاد العالمي، وتسببت بأزمة طاقة وغذاء عالمية، وارتفاع أسعار الوقود، وعقوبات اقتصادية دولية خانقة فُرضت على روسيا، وبيلاروسيا.
وفتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقات في جرائم حرب، وصدرت مذكرات اعتقال بحق شخصيات قيادية بارزة.
وتبدّل الوضع الجيوسياسي جذريًا مع توسع حلف «الناتو» بعد انضمام فنلندا والسويد، وزيادة الاعتماد الأوكراني على المساعدات العسكرية الغربية، واتجاه روسيا نحو تعزيز التحالفات الدولية مع مجموعة «بريكس»، ودول مثل الصين، وكوريا الشمالية.
أوروبا الخاسرة
لا شك في أنّ الخاسر الأول والأكبر من هذه المواجهة العسكرية هو أوكرانيا التي بات على سلطتها أن تقدم تنازلات سيادية لوقف الحرب. أما الخاسر الثاني فهو أوروبا لأنّها تحوّلت ساحة اختبار لموازين القوى، وبات على دولها أن تختار بين حلف تقليدي يحتاج إلى دعم مالي للقيام بمهامه، وبين خصم تقليدي يحتاج إلى جائزة ترضية كي يوقف هجومه الشامل.
لقد أصبحت أوروبا في هذا السباق التناحري في موقع صعب. فهي بحاجة إلى الولايات المتحدة لتأمين الحماية، وهي لا تستطيع أن تتحمل بمفردها تكلفة الحرب. وبسبب موقعها الصعب، باتت الدول الأوروبية مضطرة إلى إعادة هيكلة شبكة علاقاتها، وترتيب سلّم أولويات يعطي أفضلية لمظلة الدفاع من دون استفزاز الجار الروسي.
ويرى الخبير الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي فولفغانغ مونشار أنّ القادة الأوروبيين «ارتكبوا خطأً فادحًا بعدم إدراكهم هشاشتهم الجيوسياسية، الأمر الذي خدم موسكو في نهاية المطاف. فبدلًا من الانهيار المتوقع، عزّزت روسيا موقعها على المستوى الدولي، بينما ظل الغرب أسيرًا لنظرة عفا عليها الزمن».
ووفق الخبير الأوروبي «ارتكبت النخب السياسية الحاكمة في أوروبا خطأً جسيمًا في حساباتها. فقد رفضت الاعتراف بالواقع الواضح: أنّ مركز القوة الجيوسياسية قد انتقل منذ زمن بعيد إلى خارج أوروبا».
ويشير مونشار إلى «أوجه تشابه مع بداية الحرب العالمية الأولى حين كان العالم يعيش في وهم أنّ القتال سينتهي في غضون أشهر». ويرى «أنّ التوقعات الغربية الحالية أبعد ما تكون عن الواقع. فهزيمة روسيا مستحيلة في ظل التوازنات الدولية الراهنة. كما أنّ استمرار الحرب في أوكرانيا إلى الأبد غير واقعي».
روسيا تفاوض من موقع قوة
تبدو موسكو في المقابل في موقع أكثر راحة، رغم طول أمد الحرب، خلافًا لتوقعات الخصوم. ورغم استنزاف قدرات روسيا بقوة، فإنّ الكرملين يتمسك بشروطه على طاولة المفاوضات بإصرار، إذ يدرك أنّه لا يستطيع أن يخرج خاسرًا من المعركة بسبب التداعيات التي سترتد على هيبة الرئيس بوتين، وقيادته، ووعوده بأن تبقى الأراضي الأوكرانية التي ضمّها بشكل آحادي «روسية إلى الأبد».
فضلًا عن ذلك يبدو أنّ الكرملين أكثر ثقة بأنّه أفشل فكرة «إلحاق هزيمة استراتيجية» بروسيا، وإجبارها على الانكفاء مجددًا.
كما يبدو الكرملين مطمئنًا إلى فشل سياسات «العزلة» بسبب انهيار الثنائية القطبية، وانكسار القطبية الآحادية، وبدء نمو تعددية توزع مصادر القوة على مجموعة مراكز جغرافية.
وتشير الدراسات الأوروبية إلى أنّ موسكو أصبحت أكثر قناعة بأنّ الحصار على اقتصادها بات من مخلفات الماضي نظرًا إلى التحولات التي طرأت على الأسواق الدولية، واضمحلال الاختلاف الأيديولوجي الذي كان يعطي الغرب ذريعة لفرض شروطه وخياراته.
ويرى محلّلون أوروبيون أنّ أحد أكبر أخطاء الغرب هو اعتقاده بعزلة روسيا التامة على الرغم من فرض 19 حزمة من عقوبات وتوقعات التخلف عن السداد، ولم ينجُ الاقتصاد الروسي فحسب، بل حقق نموًا ملحوظًا، وانتقل إلى حالة تأهب قصوى.
ويرى خبراء أنّ بين أسباب الصمود الروسي المغالطة في تقييم القوة الاقتصادية الروسية بالدولار، فباستخدام تعادل القوة الشرائية، تتفوق روسيا عمليًا على ألمانيا في القدرة على تصنيع الأسلحة.
وتؤكد دراسات أنّ «روسيا لا تحتاج إلى الدولار أو اليورو لإنتاج الدبابات والصواريخ. ورغم القيود المفروضة، والصعوبات الجمّة، نجحت روسيا في توسيع حجم منظومة الصناعات العسكرية بنحو ثلاثة أضعاف، ووصلت هذه النسبة إلى أكثر من 10 أضعاف لبعض الطرازات من الأسلحة والتقنيات. كما نجحت في ردم الهوة في التفوق الأوكراني، والغربي عمومًا، في مجال الأسلحة الحديثة، والتقنيات الذكية مثل المسيرات متعددة الاستخدام».
وتشير تقديرات إلى أنّ الكرملين على أبواب العام الخامس للحرب، يخوض مفاوضات وهو أكثر استعدادًا من قَبل لمواصلة الانخراط في حرب الاستنزاف المريرة خلافًا لوضع أوكرانيا وأوروبا.
مع حلول الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب، يتمثّل العنصر الأبرز في أوراق الضغط الروسية في التغيير الكبير الذي طرأ على الواقع الميداني منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الجديدة، وإطلاقه الشعار المثير حول إنهاء الحرب في 24 ساعة.
يكفي القول أنّ موسكو نجحت في تكريس واقع ميداني جديد كليًا يوفر مجالات أوسع للمناورة، وهوامش عريضة للتفاوض بواقعٍ مريح جدًا للكرملين.
لذلك، فإنّ العرض الأميركي في القمة الوحيدة التي جمعت الرئيسين بوتين وترامب في ألاسكا حول «تبادل الأراضي» هو مفهوم كان غامضًا أصلًا ومليئًا «بالقنابل الموقوتة»، وقوبل على الفور بموافقة روسية.
هذا العرض تبدلت لهجته قليلًا خلال جولات التفاوض التي جرت مع كييف وعواصم أوروبية، لكنه حافظ في المجمل على جوهره من خلال إقرار واشنطن بضرورة تنازل أوكرانيا عن جزء واسع من أراضيها مقابل السلام.
وتبدو موسكو مستعدة لـ «تبادل» تنسحب بموجبه من أراضٍ أوكرانية تحت سيطرتها في مقابل «انسحاب» أوكراني كامل من الأراضي التي ضمتها موسكو بشكلٍ آحادي في 2014 و2023.
وعلى أوكرانيا – وفق الوساطة الأميركية – أن تحافظ على ما تبقى من جغرافيتها، وضمان انسحاب موسكو من مناطق لا تعدها جزءًا منها أصلًا مثل محيط خاركيف وسومي، ومناطق في محيط دونيتسك ولوغانسك في مقابل طي هذه الصفحة نهائيًا.
خلال انشغال العالم بالوساطة الأميركية خلال الأشهر الممتدة بين آذار 2024 ونهاية الصيف، تقدمت القوات الروسية ببطءٍ وثبات كالمحدلة التي سوّت كل شيء أمامها في الطريق. استغلت القوات الروسية الوقت بشكلٍ مثمر عبر تبنّي استراتيجية تقوم ليس على محاولة إلحاق هزيمة كاملة بأوكرانيا كانت تتطلب تعبئة واسعة النطاق للبلاد، وتجنيد مئات الآلاف، أو حتى مليون مقاتل جديد، ونقل الصناعة بالكامل إلى حالة حرب، كان الخيار إنهاكًا تدريجيًا لأوكرانيا، وتوسيع مساحة السيطرة الميدانية تدريجيًا، وهو أمر حدث من دون انعكاسات داخلية على الاقتصاد والمجتمع في روسيا.
وفي هذا الإطار فرضت روسيا بين آذار وآب 2025 سيطرة كاملة على أكثر من 3.5 ألف كيلومتر مربع تحوي 149 بلدة، أو منطقة مأهولة بالسكان. وبات الجيش الروسي يسيطر حاليًا على 99.7 في المئة من لوغانسك، و79 في المئة من دونيتسك، و74 في المئة من منطقة زابورجيا، و76 في المئة من منطقة خيرسون.
هذه المناطق الأربع التي ضمتها موسكو سابقًا لا تنوي التخلي عنها ضمن أي اتفاق سلام مقبل، لكن يمكنها أن تقدّم تنازلات مهمة في إطار التراجع عن فكرة انسحاب أوكرانيا من المناطق التي ما زالت تسيطر عليها في خيرسون، وزابورجيا، مقابل الإبقاء على خطوط التماس الحالية في هاتين المنطقتين، وخلال جولة المفاوضات الأخيرة في جنيف كان التطرق إلى وضع محطة زابورجيا النووية مؤشرًا إلى تقدم في هذا المجال.
لكن في كل الأحوال تكمن أهمية التوسّع الروسي العسكري في أنّ أي محادثات سلام كانت تفترض وقفًا نهائيًا لإطلاق النار على الحدود الراهنة، ما يعني أنّ الفترة الماضية منحت الرئيس بوتين القدرة على أقصى توسّع ممكن كمكاسب مستقبلية بما يضمن التزامه عدم التخلي عن المناطق الجديدة. بالإضافة إلى ذلك أقامت موسكو خلال الفترة نفسها منطقتين عازلتين، واحدة جنوبًا في دنيبروبتروفسك، والأخرى شرقًا على طول الحدود مع سومي وخاركيف، وبذلك أبعدت مصادر النيران عن المناطق الواقعة تحت سيطرتها لعشرات الكيلومترات. وقد أدى ذلك إلى توسيع اعتماد أوكرانيا على المسيّرات لاستهداف العمق الروسي، لكن هذه الخطوة لم تؤثر كثيرًا حتى الآن في خطوط التماس.
لذلك، يمكن القول إنّ صعوبات إضافية برزت أمام أوكرانيا حول مسألة التفاوض على الأراضي. ووفق مصادر روسية لم يبقَ شيء للتفاوض عليه. لكن ما زالت الأمور المتعلقة بحياد أوكرانيا، وتقويض جيشها، ومنع دخول قوات أجنبية للفصل، من العناصر المحتملة للتفاوض في مرحلة مقبلة.
أربع سنوات على حرب أوكرانيا.. أين الاتحاد الأوروبي منها؟
باعدت الحرب الأوكرانية المسافات بين ضفتي الأطلسي. بحثت أوروبا عن مكانها ومكانتها، فوجدت نفسها أمام مفترق مصيري، لا هي أرادته، ولا حسبت له حسابًا. التحالف مع الولايات المتحدة ارتخت أطنابه. الأزمة في أوكرانيا ابتلعت المليارات، والترسانات، وأنهكت الإمكانيات، وتحوّلت إلى خط دفاع أول عن القارة العجوز أمام التمادي الروسي بتغيير الخرائط.
قال جان مونيه «إن المشروع الأوروبي لن يكتمل بناؤه إلّا من رحم الأزمات التي هي أفضل حليف له».
ومونيه هو أحد آباء أوروبا الأربعة إلى جانب كونارد أديناور، وروبرت شومان، والشيدي دي غاسبيري. وقد أطلق نظريته هذه في ختام الكلمة التي ألقاها في أيار 1950 خلال الحفل التأسيسي لمجموعة الفحم والصلب الأوروبية التي كانت النواة الأولى للمجموعة الاقتصادية الأوروبية، ثم للسوق الأوروبية المشتركة، وبعدها للاتحاد الأوروبي.
انقضت 75 سنة على تلك النظرية، وقد أكدت صحتها سبحة الأزمات التي تعاقبت على المشروع الأوروبي ليخرج منها بقفزاتٍ نوعية رسخت دعائمه، وكانت خطوات واسعة نحو الاندماج والتكامل على الأصعدة المالية والاجتماعية والاقتصادية. لكن العملاق الاقتصادي الذي تولّد من ذلك المشروع الطموح، والذي قام به ليكون سندًا منيعًا في وجه المغامرات العسكرية التي أدمت التاريخ الأوروبي، ما زال «قزمًا سياسيًا» على مائدة الكبار الذين يوزعون الغنائم، ويرسمون الخرائط الجيوسياسية.
وأثبتت الوقائع أنّ المشروع الأوروبي قد فشل حتى الآن في التوفيق بين قوته الاقتصادية، ونفوذه السياسي. ويعود هذا الخلل لسببين، الأول، تمنّع الدول الأعضاء، وبخاصةٍ الكبرى منها، في ما يتعلّق بالتنازل عن صلاحيات في السياسة الخارجية لمصلحة الإدارة المشتركة.
والثاني، وربما الأهم، رفض الحكومات الأوروبية وضع قدراتها العسكرية تحت عباءة قيادة موحدة، وتشكيل جيش مشترك يخضع لتوجيهات المجلس الأوروبي، وأوامره.
لكن الحرب الدائرة منذ أربع سنوات في أوكرانيا، على خطوط التماس الأوروبية، والمخاوف التي أيقظتها من تكرار مغامرات استعادة المجد الروسي الضائع، والشرخ العميق الذي ظهر في العلاقات الأوروبية – الأميركية على أكثر من صعيد، كل ذلك وضع الأوروبيين أمام واقع كانوا يناورون لتجاهله منذ سنوات، وأدركوا أنّ أمنهم لا يمكن أن يبقى مرهونًا بمزاج حليف تبدلت أولوياته ومصالحه، وبات في خانة المنافسين والخصوم.
وكانت الدورة الأخيرة من مؤتمر الأمن في ميونيخ بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على النظام العالمي الذي قام فوق ركام الحرب العالمية الثانية. كما شهدت جنازة العلاقات الأطلسية التي نشأت لردع التمدد السوفياتي وراء الحدود التي رسمها الحلفاء في يالطا، والتي كانت طوال عقود سبعة صمام أمان للأوروبيين، وعباءة أمنية سمحت لهم بالانصراف إلى بناء مشروع التكامل الاقتصادي بعيدًا عن هموم التسلّح، وتكاليفه الباهظة، قبل أن تقرر إدارة الرئيس ترامب إعادة تشكيل أسس لهذه العلاقات، وتظهر عزمًا واضحًا على رفع الغطاء الأمني عن حلفائها التاريخيين، إلّا إذا استوفوا شروطها التي لم تعد تقتصر على زيادة تمويل المجهود العسكري، بل تجاوزته إلى العلاقات التجارية والسياسية.
الشعرة التي قصمت ظهر البعير
عندما اندلعت الحرب في أوكرانيا منذ أربع سنوات، تداعت دول الاتحاد الأوروبي للنفير الذي أطلقته إدارة الرئيس جو بايدن، وحشدت موارد عسكرية ومالية ضخمة، إلى جانب دعم أميركي سخي بالمال والأسلحة والتكنولوجيا لمساعدة الجيش الأوكراني في محاولاته لصد الهجمات الروسية.
ووفق مصادر أوروبية رسمية، فإنّ مجموع المساعدات التي قدمها الاتحاد الأوروبي إلى أوكرانيا منذ شباط 2022 حتى اليوم يزيد عن 190 مليار دولار، تضاف إليها حزمة أخيرة وافق عليها هذا الاتحاد مؤخرًا بمقدار 94 مليار دولار.
ترتبت على هذا المجهود الضخم، تداعيات عميقة على المشهد السياسي الأوروبي، إذ تنامت الجهات والتيارات المتحفظة على الاستمرار في تمويل أوكرانيا، وتلك الرافضة لمواصلة الرهان على المواجهة العسكرية مع موسكو، والداعية إلى استعادة قنوات التواصل المباشر معها لإنهاء الحرب بأقل قدر ممكن من الخسائر.
لكن في المقابل، ومع مضي الإدارة الأميركية في انكفائها عن الدعم العسكري والمادي لأوكرانيا، وتزايد المخاوف من إقدام روسيا على القيام بمغامرات أخرى في الجوار الأوروبي، بدأت ترجح كفة الدول الداعية إلى اغتنام هذا الوضع لتحقيق الحلم الكبير الذي كان يراود الآباء المؤسسين للاتحاد بتشكيل جيش أوروبي تحت قيادة موحدة، يكون المدماك الذي يرسّخ مشروع الاتحاد في صيغة الفيدرالية.
وكان لافتًا ما جاء في التقرير الأمني الأخير الذي صدر عن مركز البحوث الاستراتيجية التابع للمجلس الأوروبي، «إنّ تكلفة الدعم الذي تقدمه دول الاتحاد لأوكرانيا هي دون الكلفة السنوية المقترحة في حال نصر روسي محتمل، وحرب ضد الأطلسي، علمًا بأنّ مخاطر الفرضية الثانية أكبر بكثيرٍ».
العودة من عطلة تاريخية طويلة
صدر التقرير المذكور عشية مؤتمر ميونيخ للأمن إذ أعلن المستشار الألماني فريدريك ميرتس «أنّ النظام العالمي الذي كان قائمًا طوال عقود، لم يعد موجودًا. وأنّ العودة إلى سياسة القوة ليست فحسب ناشئة عن التخاصم بين الدول العظمى، بقدر ما هي ثمرة رغبة دول ديمقراطية عديدة في قيادة قوية في عالم أصبحت فيه هذه الدول قاب قوسين أو أدنى من الحدود القصوى لقدراتها على التأثير في الأحداث العالمية الكبرى».
وأضاف: «أوروبا اليوم عائدة من عطلة تاريخية طويلة». كاشفًا عن أنّه في مرحلة متقدمة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول «قدرة ردع نووية» تحت المظلة النووية للحلف الأطلسي.
ودعا إلى «زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، وتوحيد الصناعات الحربية الأوروبية».
من جهته أكد الرئيس ماكرون التركيز على أهمية العلاقات الأطلسية كما فعل ميرتس. وشدد على ضرورة التنسيق الأوروبي لإرساء القواعد النهائية للبنيان الأمني المستقل، رافضًا المفاوضات التي تُدار من خارج الاتحاد لفرض أطر أمنية على الأوروبيين.
وأرسل ماكرون أكثر من إشارة إلى أنّ الوقت قد أزف لتشكيل جيش أوروبي موحّد يكون نواة الاستقلالية الأوروبية، بخاصة بعد أزمة غرينلاند التي طويت صفحتها مؤقتًا وبصيغة غامضة تنذر بعودتها مجددًا إلى مشهد العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.
ورغم تحاشي الأوروبيين حتى الآن الحديث صراحة عن «جيش مشترك»، يتفق الجميع على أنّ التسمية ليست هي المهمة، بل أن يكون للاتحاد قوة دفاعية أوروبية مقتدرة، أو كما قال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في ميونيخ «لسنا بحاجة إلى 27 جيشًا قويًّا، بل إلى 27 دولة عضوًا في الاتحاد تساهم في منظومة أوروبية مشتركة».
وعلى الرغم من تحفظات بعض الدول الأوروبية على فكرة «الجيش المشترك»، والحذر الشديد الذي تقارب به المفوضية الأوروبية هذا الملف الحساس سياسيًا، فإنّ موضوع القوة الدفاعية الأوروبية المشتركة كان مطروحًا للمرة الأولى على جدول أعمال مجلس وزراء الدفاع الأوروبيين في بروكسل مطلع شباط.
وترى المفوضية الأوروبية أنّ فكرة القوة العسكرية المشتركة تعود إلى بدايات المشروع الأوروبي، فهي طرحت لأول مرة في العام 1952 تحت عنوان «مجموعة الدفاع الأوروبية» لكنها لم تبصر النور يومها بسبب رفض فرنسا لها. وفرنسا هي اليوم إلى جانب ألمانيا أكثر الدول تحمسًا لها. وثمة من يقول: «على الأوروبيين أن يغيّروا بشكل جذري استراتيجيتهم الدفاعية. وساذج هو الذي ما زال يراهن على الرئيس ترامب للدفاع عن أوروبا».
من ”قيادة الدعم“ إلى ”هندسة التفاوض“… كيف تحول الدور الأميركي؟
مع دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس، بات واضحًا أنّ السنة الأولى من ولاية الرئيس ترامب الثانية، لم تكن سنة قرار بقدر ما كانت سنة إعادة هندسة: تقليص تدريجي للدور الأميركي المباشر في قيادة جهد دعم كييف، مقابل هندسة ترتيبات تجعل أوروبا المموّل والواجهة السياسية، وتحوّل «البنتاغون» من «قائد ائتلاف» إلى «مدير شروط» يربط الإسناد العسكري بمسار تفاوضي سريع لم يكتمل بعد.
وظهر هذا التحول في خطين متوازيين: داخل منظومة المساعدات لأوكرانيا، وداخل مقاربة واشنطن لحلف «الناتو» والأمن الأوروبي الأوسع إذ أصبح الشعار الضمني «شراكة لا تبعية»، لكن وفق معادلة تحمل في طياتها أخطار فراغ القيادة إذا لم تترجم أوروبا الوعود إلى قدرات.
وأوضح أنّ مؤشر تراجع القيادة الأميركية كان في الأطر التي قادت فيها واشنطن إيقاعها و«مجموعة الاتصال الدفاعية لأوكرانيا» (معروفة بمجموعة رامشتاين) التي شكّلت منذ 2022 غرفة العمليات السياسية لتنسيق التسليح. وقد انتقلت رئاستها فعليًا إلى بريطانيا وألمانيا، وتكرّس الغياب الأميركي في اجتماعات مفصلية، عندما تغيّب وزير الدفاع لأول مرة عن لقاءات كانت تعد «اختبار حضور» للإدارة الأميركية، واكتفت واشنطن بتمثيل أقل وزنًا، ومشاركة عن بعد.
لم يكن التغيير بروتوكوليًا فقط، إذ حين تتراجع واشنطن عن «قيادة المنصة»، تتراجع معها قدرتها على فرض إيقاع موحد على الحلفاء، خصوصًا بعد تغيير الأوروبيين تسمية المجموعة إلى «تحالف الدول الراغبة» لترتيبات طويلة الأمد ولضمانات. وهو ما أدى أيضًا إلى ظهور إشارات فتور أو تحفظ أميركي مبكر بما ينسجم مع فكرة أنّ واشنطن تريد من أوروبا أن تتقدم إلى مقعد القيادة لا أن تنتظر توجيهًا أميركيًا دائمًا.
ويصف الباحث برايان كاتوليس من معهد الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية النهج في عامه الأول بأنه اتسم بالتقلب، وعدم الاتساق، «هدف سياسي سريع لإنهاء الحرب من دون استثمار كافٍ في الأدوات العسكرية والدبلوماسية التي تجعل السلام السريع ممكنًا، ما يعني عمليا أنّ واشنطن أبقت الدعامة قائمة، لكنها استخدمتها لدفع الجميع نحو تسوية لم تنضج شروطها بعد».
ولم تعد الإشارة الأبرز لدى إدارة ترامب «نوع السلاح أو عدد الشحنات» بل تعريف الغاية نفسها. ففي مؤتمر ميونيخ للأمن تحدث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بمنطقٍ وسطي: «لا أحد منتصرًا بسهولة، وواشنطن ملتزمة إنهاء الحرب، لكنها لا تعرف اذا كانت موسكو جادة فعلًا، وما هي الشروط المقبولة بين الطرفين». وهذه الصياغة تُبقي الباب مفتوحًا للتفاوض، وتُبقي الضغط على كييف في الوقت نفسه.
غير أنّ الجديد في الأيام الأخيرة هو أنّ الخطاب الأميركي لم يعد واحدًا، فبينما يكرر ترامب «أنّ روسيا تريد السلام، وأنّ كييف مطالبة بالمرونة»، جاءت تصريحات روبيو عن خسائر روسيا الأسبوعية (سبعة إلى ثمانية آلاف) حسبما نقل عنه، لتقارب رواية أوروبية تقول إنّ موسكو تدفع ثمنًا باهظًا، ولكنها تراهن على عامل الوقت، وعلى تحسين شروط التفاوض.
ويسود انطباع لدى الحلفاء بأنّ واشنطن في عهد الرئيس جو بايدن كانت تقود الائتلاف الغربي، وتدفع بالكونغرس إلى تمويل إضافي، بينما في عهد الرئيس ترامب، تخلّت عن القيادة، وخفضت المساعدات. وبعد تسليم ما تبقى من حزم سابقة، باتت معظم الأسلحة تصل بأموال الحلفاء، بل أنّ قيادة «البنتاغون» حاولت أكثر من مرة وقف شحنات أسلحة وذخائر حساسة بالكامل.
أوروبا بين مطرقة التخلي وسندان التسلح
في تحول استراتيجي فجّر وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيت الموقف بإعلانه «أنّ الولايات المتحدة لم تعد قادرة على أن تكون الضامن لأمن القارة الأوروبية»، هذا التصريح أعاد خلط الأوراق داخل حلف «الناتو»، وأشعل سباق تسلّح محموم في أوروبا.
ألمانيا عدلت دستورها لرفع إنفاقها الدفاعي. فرنسا تدرس مع بريطانيا آليات تسليح مشترك. وبولندا طلبت علنًا نشر رؤوس نووية فرنسية على أراضيها، في مؤشر على استعدادات «لمواجهة ما بعد واشنطن».
ماذا بعد؟ أربع سنوات مرّت على «العملية العسكرية الروسية الخاصة» في أوكرانيا، وحدث خلالها كل هذا الزلزال الكبير الذي أطاح بخرائط، وهدد سيادات دول، ورسم جغرافيات، وحمل نعش النظام العالمي إلى مثواه الأخير.
لكن ماذا في العام 2026؟ أي أوكرانيا؟ أي حرب؟ أي سلام؟ وهل «مارد القوة» هو وحده المؤهل لاستنباط الأجوبة؟!











