د. إلهام نصر تابت

في ظل ما شهدته وتشهده عشرات القرى والبلدات بالإضافة إلى المدن الجنوبية، أحاول أن أفهم أين ستقيم أطنان الجراح؟ كيف يمكن أن يتّسع مدى لكل هذا الوجع؟ كيف للحياة أن تستقيم في ظل كل هذا الدمار؟ دمار البشر والمساكن والمؤسسات والتربة والمياه والشجر؟ دمار فكّك النسيج الاجتماعي لمجتمع، فتك بأهم قطاعات الاقتصاد، التهم حيزًا واسعًا من الذاكرة البصرية، وأرسى السواد في معالم كانت شواهد تاريخية وأثرية.
تكبر الأسئلة كل يوم، مع كل اعتداء يُنهي أعمار الناس وبعضها بالكاد بدأ يتكوّن في أحشاء الأمهات. ومع كل تفجير يزلزل الأرض فلا نعلم حتى الآن ما مدى تأثيره على ما زال قائمًا من بيوت ومبانٍ ارتفعت مجبولة بعرق العمر. ومع خطوط ما برحت تتلوّن بألوانٍ تحدد مصائرنا وأرزاقنا. إلى أين؟ إلى متى؟ قد نحتاج إلى مزيد من الوقت لندرك حجم ما حلّ بنا. نحن اليوم في عمق الكارثة، ومن العمق يصعب تحديد الحجم الفعلي لهذه الكارثة، فكم بالحري إذا كانت تتمدد وتتمدد، من دون أن نعرف أين ستلقي مراسيها؟

خسائرنا في الأرواح بالآلاف، والجرحى عشرات الآلاف. مئات الآلاف نزحوا وتحوّلوا إلى شتات. هؤلاء يعيشون خارج حياتهم بعد أن دمّرت الحرب النسيج الذي جمعهم عبر مئات السنين، وتشكّل بفعل التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والعوامل الثقافية وسواها.
عشرات آلاف الوحدات السكنية مدمّرة أو مصابة بأضرارٍ كبيرة، أضرار جسيمة في البنى التحتية، من الجسور إلى الطرقات والمنشآت الحيوية، فضلًا عن مقرات المؤسسات الحكومية والصحية والتربوية والمعالم الأثرية والتراثية… إنّها نكبة على المستوى الإنساني والاجتماعي والعمراني والثقافي.
خريف الجنوب كان مرصودًا لموسم الزيتون بعد أن يكون موسم التبغ قد انسحب قليلًا، إذ يُخزَّن المحصول الذي تمّ جنيه وتجفيفه، ليصار إلى البدء بتوضيبه تمهيدًا لتسليمه إلى الريجي وقبض ثمنه على أبواب الشتاء. وفي هذا الوقت المستقطع ينصرف المزارعون إلى حقول زيتونهم يجنون ثمار الشجرة المباركة، لتصبح ملكة الموائد العامرة بخيرات الأرض، وزيت الخوابي، فـ «الزيت عمود البيت» كما يقول المثل الشعبي. ويأتي بعد ذلك صنع الصابون البلدي من زيت الثمار التي لا تصلح للأكل أو العصر، وتجفيف الجفت (بذور الزيتون بعد عصره) ليكون حطب مواقد الشتاء. ولا يتوقّف الأمر هنا، فخشب الزيتون اليابس يتحوّل إلى قطع أثاث فاخرة وتحف فنية، بينما تُستخدم أوراقه لأغراض طبية.خريف هذا العام كما الأعوام الثلاثة التي سبقته، خراب… أيامه تملؤها حسرات فقدان الأحباب. والأرزاق، حقول مُسحت، جُرفت، ضاعت مواسمها وتسممت تربتها. أشجار معمّرة صمدت مئات بل آلاف السنين، وشكّلت إحدى مقوّمات الهوية الجنوبية ورمزًا لثبات الجنوبي في أرضه رغم كل الحروب والظروف، اقتلعتها الجرافات من جذورها. أمّا ما سَلِم من حقول فالوصول إليه صعب وأحيانًا مستحيل بفعل الاحتلال والاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية.
في مختلف مراحل تاريخه، كان الجنوب يرشح وجعًا، لكنّ ترابه ظل سخي المواسم تثبته جذور المنغرسين فيه. وهبت أرض الجنوب أبناءها الكثير من طيب أشجارها وبخور معابدها. جعلتهم ينغرسون فيها، صاروا جذورًا لا تعرف اليباس، وهامات من صنوبر وزيتون وسنديان. صاروا الأرض والشجر والينابيع! صاروا الصبر! وظلوا عقودًا بعد عقود على شرفات انتظار ما سيأتي، وما سيكون عليه غد الأيام الصعبة. كل غد كان يعقبه غد انتظار آخر. الأيام الصعبة لم تغادر وإن أفسحت المجال لبعض فترات من الاستقرار الأمني ولقدرٍ من الإنماء ظلّ غير كافٍ كما هو حال جميع الأطراف.
الجوع إلى وجود فعلي للدولة كان وما زال جرحًا مقيمًا في الجنوب. وهو اليوم بات أكثر من جرح، بات خطرًا داهمًا يهدّد كيان لبنان. وإذا كان صحيحًا أنّ وجود الدولة لا يكون فقط من خلال جيشها وأجهزتها الأمنية، فإنّّ انتشار الجيش وإمساكه بالأرض يبقى أهم ما هو مطلوب اليوم. ولا شك في أنّ جيشنا يُدرك أنّ مسار المشقات الذي يخوضه ما زال طويلًا، لكنّه يُدرك أيضًا أنّ ثباته واستمراره في تحمّل مسؤولياته هو ضمانة الخلاص للجنوب وللبنان.
لقد آن لهذا الوجع أن ينتهي، «آن للجرح أن يُختم مرّة لكل المرّات». وهو لن يُختم إلّا عندما نرى جيشنا محتضنًا الجنوب كما كامل الوطن.
العوافي يا جيشنا.

العوافي يا وطن.