د. إلهام نصر تابت
في السادس والعشرين من حزيران الماضي، وبرعاية أميركية، تمّ توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، والذي يقضي بانسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية مقابل بسط الجيش اللبناني سيطرته الكاملة ونزع سلاح الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة، وانتشار الجيش اللبناني وتولّيه المسؤولية الأمنية الكاملة والفاعلة في مناطق تجريبية، مع إعادة الإعمار والعودة الآمنة للسكان بعد استقرار الأوضاع …
في الواقع، وبينما أعلن الجيش اللبناني استعداده الكامل لتنفيذ التزاماته التي نص عليها الاتفاق، استمرت الاعتداءات الإسرائيلية في مسار تصاعدي، وترافقت مع اتّهام الجيش بعدم التزام ما تعهّد به. وفضلًا عن التفجيرات التي أمعنت في تعميم الدمار والخراب، بلغت هذه الاعتداءات ذروتها باستهداف المناطق السكنية وارتكاب مجزرة في كفررمان – النبطية.
وعلى وقع التصعيد الإسرائيلي المستمر، يظل الجنوبيون رهينة القلق والانتظار، مئات الآلاف منهم باتوا مشتّتين، والباقون محاصرون بالخوف من الآتي، وما تبقّى من مواسمهم ينتظر الأيادي التي زرعت تعبها في الحقول، لكنّ الخطر يقيم مانعًا الوصول إليها وجني خيراتها.
وفي ظل هذا التصعيد المتواصل من جانب الاحتلال الإسرائيلي، أصدرت قيادة الجيش في التاسع من شهر أيلول المنصرم بيانًا فنّدت فيه الوقائع مؤكدةً أنّ الجيش يلتزم تعهداته بينما تستمر الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية في إعاقة جهوده وتهديد الاستقرار، واعتبرت أنّ غاية الاحتلال الإسرائيلي هي ضرب مصداقية الجيش في الداخل اللبناني وأمام المجتمع الدولي.
الجيش الذي طالما أثبت أنّه على قدر المسؤولية، أكّد مرّة جديدة استعداده للوفاء بالتزاماته، كما أوضحت قيادة الجيش أنّ الوحدات العسكرية منتشرة في جميع المناطق التي لا وجود فيها للاحتلال الإسرائيلي، بخاصة منطقة النبطية، سواء في مرحلة ما قبل الأحداث الحالية، أو خلال المرحلة الراهنة. وقد كثف الجيش مهماته في عدد من المناطق بهدف طمأنة الأهالي. في هذا السياق، أتت زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون للنبطية وزوطر الغربية، يرافقه قائد الجيش العماد رودولف هيكل وقادة الأجهزة الأمنية. في النبطية توجّه الرئيس عون إلى الأهالي قائلًا: «لن نترككم». وبدوره أكّد العماد هيكل أنّ «الجيش لم يترك النبطية في أي يوم من الأيام، كما لم يترك أي بلدة لبنانية لمَّا يزل فيها مواطنون لبنانيون»، و«نأمل أن نحرر بقية البلدات وسنتمركز فيها عندئذٍ أيضًا.»
وقد بدأت المدينة تلملم خوفها وتحاول استعادة ما أمكن من الحياة وسط الدمار الذي أصابها. وبعد أقل من عشرة أيام، عاد سوق الإثنين الشهير لممارسة نشاطه واستقبال أبناء المنطقة وجوارها الذين توافدوا لعرض منتجاتهم ومحاصيلهم أو لشراء حاجياتهم.
ماذا قال بيان الجيش وهو شريك المواطنين في تعبهم وتضحياتهم، تعرفه حقولهم وتطمئن لوجوده نفوسهم؟ وما الذي تحكيه أرض الجنوب عبر مواسم خريفها، من التبغ إلى الزيتون وما لهما في هويتها ووجدان أهلها والشعر الطالع من حناياها؟
الجيش: أبدينا الاستعداد الكامل لتنفيذ التزاماتنا
يقول البيان في مطلعه، «في ظل التطورات الأخيرة، يهم قيادة الجيش أن توضح ما يلي: في موجة جديدة من الاعتداءات المدانة والواسعة على لبنان، صعّد الاحتلال الإسرائيلي على مدى الأيام الماضية استهداف المناطق السكنية والمؤسسات، مُوقعًا عددًا كبيرًا من الشهداء والجرحى، آخرهم اثنا عشر شهيدًا على الأقل، بينهم أطفال ونساء، في مجزرة في بلدة كفررمان – النبطية.
إنّ استمرار هذه الاعتداءات وتصعيدها من قبل الاحتلال الإسرائيلي، بالتزامن مع أعمال الهدم والتفجير الوحشية في الجنوب، لا يترك مجالًا للشك حيال نواياه العدوانية، ويناقض القوانين الدولية، ويهدّد التفاهمات والترتيبات القائمة، ويعيق جهود الجيش الرامية إلى إرساء الاستقرار، كما يمثّل خرقًا فاضحًا لسيادة لبنان وأمنه».
وأكّد البيان أنّ «الجيش اللبناني أبدى الاستعداد الكامل لتنفيذ التزاماته منذ توقيع اتفاق الإطار، وباشر اتخاذ الإجراءات اللازمة لفرض السيطرة العملياتية في المناطق النموذجية بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، وفق الخطة المحضّرة من قيادة الجيش، علمًا أنّه لم يتم الاتفاق الكامل على مراحل هذه المناطق ولا الخطوات اللاحقة.»
الإجراءات التي اتخذها الجيش
وحدد بيان قيادة الجيش الإجراءات التي اتُّخذت، وقد شملت:
«تركيز ستة حواجز ثابتة وثلاث عشرة نقطة مراقبة على الطرقات المؤدية إلى بلدات زوطر الغربية وفرون وصريفا، وكذلك داخل هذه البلدات.
تسيير دوريات راجلة ومدولبة على مدار الساعة.
إزالة الأسلحة والذخائر غير المنفجرة ومصادرتها، ومنع وجود الجماعات المسلحة والأنشطة غير المصرّح بها وفق القوانين اللبنانية، إذ صادرت الوحدات العسكرية المختصة نحو ألف وثمان مئة وثمانية عشر قطعة من الأسلحة والذخائر، منها: عشر منصات لإطلاق الصواريخ، وسبعة صواريخ، وست مسيرات، وواحد وخمسون مُذَنَّبًا، وعشر قنابل طيران، وألف وخمس مئة وستون قطعة ذخيرة خفيفة، إضافة إلى عدد كبير من الألغام والعبوات. كما فتحت هذه الوحدات طرقات بطول إجمالي يبلغ اثني عشر كيلومترًا تقريبًا.
تفتيش عدد من المنازل وفق القوانين اللبنانية، وبموافقة مالكيها، وهنا أبدى الأهالي تعاونًا كاملًا مع إجراءات الجيش الهادفة إلى إزالة مصادر الخطر والذخائر من مخلّفات الحرب.
بالتزامن مع الإجراءات العملياتية، اتخذت الوحدات العسكرية إجراءات العودة الآمنة للسكان، من خلال رفع الركام وفتح الطرقات، وتفعيل أنشطة التعاون العسكري المدني الهادفة إلى توفير الحاجات الأساسية للأهالي. كما شاركت الوحدات العسكرية في انتشال جثامين الشهداء».
دمار شامل في زوطر الغربية
وأكّد البيان أنّ «هذه الإجراءات أتاحت السيطرة العملياتية للجيش، والتحكّم بحركة الدخول والخروج ضمن منطقة العمليات».
كما أوضح أنّه «في بلدة زوطر الغربية، استطاع نحو سبعين بالمئة من السكان العودة إلى البلدة وتَفَقُّد ممتلكاتهم، لكنّ ستة عشر بالمئة منهم فقط تمكنوا من الاستقرار، أي ما يعادل ستين عائلة من أصل أربع مئة وخمسين، كون الاحتلال الإسرائيلي دمّر خمسة وثمانين بالمئة من المنازل بشكلٍ كلي، وخمسة عشر بالمئة منها بشكل جزئي».
سبعة آلاف وسبعمئة خرق منذ توقيع اتفاق الإطار
في مقابل التزام الجيش، فإنّ قوات الاحتلال الإسرائيلي لم تلتزم بالاتفاق، إذ «بلغ عدد الخروقات حوالى سبعة آلاف وسبع مئة خرق اعتبارًا من تاريخ توقيع اتفاق الإطار في السادس والعشرين من شهر حزيران لعام ألفين وستة وعشرين ولغاية تاريخه. كما أطلق الاحتلال الإسرائيلي النار على مقربة من عناصر الجيش ودورياته».
واختتم البيان بالتشديد على «أنّ هذه الاعتداءات والخروقات المتكررة، خاصة الأخيرة منها، أدت إلى موجة نزوح جديدة من المناطق التي اعتُبرت مناطق آمنة، كما أكدت أنّ غاية الاحتلال الإسرائيلي هي ضرب مصداقية الجيش في الداخل اللبناني وأمام المجتمع الدولي.
وإنّ وقف الاعتداءات والخروقات هو العامل الأساسي لاستكمال الجيش انتشاره، وتنفيذ مهامه وفق اتفاق الإطار». وعلى صعيد آخر أصدرت قيادة الجيش – مديرية التوجيه في الثامن عشر من شهر أيلول المنصرم بيانًا أوضحت فيه أنّه «في سياق المهمات التي تنفّذها الوحدات العسكرية داخل بلدة دير ميماس – مرجعيون، أقامت دورية للجيش نقطة مراقبة مؤقتة مستحدَثة عند أطراف البلدة بتاريخ ٢٠٢٦/٩/١٠، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L، لمواكبة الأهالي أثناء تفقُّدهم الأراضي الزراعية.
بتاريخ ٢٠٢٦/٩/١٨، اقتربت قوة تابعة للاحتلال الإسرائيلي من النقطة المستحدَثة داخل ما يسمّى بالمنطقة الأمنية، وألقت قنابل صوتية في محيط البقعة.
على أثر ذلك، قام الجيش بتعزيز النقطة، وحدث استنفار بين الجانبين.
نتيجة الاتصالات التي جرت عبر MCG4L، غادرت القوة التابعة للاحتلال الإسرائيلي المكان، ثم عاد عناصر الجيش بعد ذلك إلى مركزهم الأساسي في البلدة.»
حكايات الأرض وأهلها مواسم وقصائد
مَن يعرف الجنوب يدرك أنّ التبغ والزيتون ليسا مجرد محصولين زراعيين ومورد رزق، بل أكثر من ذلك بكثيرٍ. إنهما فعل تجذّر في الأرض والتصاق بترابها، هوية وتاريخ وتراث، طقوس تصنع لحمة الجماعة، محور تنتظم حوله دورة الحياة، وصلة وثيقة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
لذلك كان للتبغ والزيتون في دواوين شعراء الجنوب وأدبائه مساحة تنبض بجمال الابتكار المدهش، وبصوَرٍ هي ابنة الحياة في مختلف تجلياتها، وخميرة الوجدان المخضّب بمقارعة الظلم والفقر وتحدّيات التاريخ والجغرافيا.
هذه السنة، باشرت الريجي بتسلّم محصول التبغ في الجنوب اعتبارًا من مطلع أيلول وقبل نحو شهر ونصف من الموعد الذي كان يُخصص لهذه العملية. اتُّخذ هذا التدبير خوفًا من تصعيد يطيح بتعب المزارعين بعد أن خسروا ما خسروه. فقد تعطّلت مواسم الزراعة في العديد من القرى بسبب الاحتلال والقصف واستخدام القنابل الفوسفورية وتجريف الأرض وتسميم التربة، وعجز مئات المزارعين عن الوصول إلى أراضيهم أو جني محاصيلهم.
أمّا موسم الزيتون الذي يبدأ في أواخر أيلول ويمتد إلى كانون الأول، فيترنّح تحت وطأة التهديدات الإسرائيلية التي تحول دون وصول الكثيرين إلى بساتينهم لجني المحصول، بعد أن أصاب الخراب قسمًا كبيرًا منها بسبب الحرق والتجريف واقتلاع الأشجار، فضلًا عن النزوح القسري.
من اللقمة المرّة إلى واقع أشدّ مرارة
في ظل محدودية الفرص والقلق المزمن بسبب الحروب، كانت مواسم التبغ فعل التصاق وتجذّر في الأرض، يشبه التصاق الدبق الذي تفرزه أوراقها بأيادي القطّافين. فهي كانت مورد الرزق الأساسي لنحو ستة آلاف عائلة جنوبية، وقد أسهمت في الحدّ من الهجرة، وشكّلت المورد الأساسي لشركة الريجي التي ترفد خزينة الدولة بمئات ملايين الدولارات سنويًا.
حاليًا، وبفعل الاعتدءات الإسرائيلية المتواصلة ومع اشتداد وطأتها، نزح أهالي القرى الحدودية التي مُسحت بيوتها، وضمنهم أكثر من 2500 مزارع كانوا يزرعون التبغ في عيترون وعيتا الشعب وبنت جبيل ومارون الراس، 90 في المئة من هؤلاء خسروا مورد رزقهم الوحيد وفق ما ورد في تقرير نشرته جريدة «الشرق الأوسط». ووفق التقرير نفسه تراجع الإنتاج من 5 ملايين طن في العام 2019، ليصل إلى نحو مليون ومئة ألف طن، أي أنّه تراجع بنسبة 80 في المئة عمّا كان عليه. وفي حين بلغت إيرادات الدولة من قطاع زراعة التبغ في العام الماضي 480 مليون دولار، توقّع مدير إدارة حصر التبغ والتنباك ناصيف سقلاوي، أن لا يتجاوز الإنتاج هذه السنة الـ 30 في المئة (النهار، 30 نيسان 2026).
”خبّرني كيف حال الزيتون“…
يشكّل قطاع الزيتون في الجنوب 39% من مجمل زراعة الزيتون في لبنان. وهو يُنتج زيتًا مميزًا بجودته العالية ومذاقه المميز، ويعود ذلك إلى وجود نسبة كبيرة من الأشجار المعمّرة ونوعية التربة والمناخ الملائم. وفي تقديرات لا تُغطّي كامل الأضرار التي لحقت بقطاع الزيتون نظرًا لاستمرار الاعتداءات، سُجّل تضرر نحو 6600 هكتار من البساتين وخسارة عدد كبير من الأشجار المعمّرة. ففي كانون الأول 2024، رفع لبنان وثيقة إلى الأمم المتحدة تفيد باحتراق عشرات الآلاف من أشجار الزيتون، واستهداف أكثر من 60 ألف شجرة يتجاوز عمر بعضها 300 إلى 500 سنة («المجلة»، 29 تموز 2026).
وإلى الخسائر الإنتاجية المقدرة بمئات ملايين الدولارات، تُضاف الأضرار الناجمة عن تدمير وحرق مساحات واسعة من البساتين التي ينبغي استصلاحها وإعادة زراعتها.
حياة محورها موسم
من شتلة التبغ يتعلّم المزارع فضيلة الصبر، فلكي يكتمل موسمها ينبغي أن يعمل على امتداد فصول السنة وشهورها: من تهيئة الأرض وإعداد المساكب المغطاة بالنايلون لزراعة البذور، إلى نقل الشتول وزرعها في الأرض، ومن ثم قطاف الأوراق وشكّها وتيبيسها، وصولًا إلى تبسيطها وفرزها وتوضيبها تمهيدًا لتسليمها إلى إدارة حصر التبغ والتنباك.
إلى جانب الصبر تبرز المثابرة كقيمةٍ في حياة مزارعي التبغ، فمن دون الجهد والمثابرة ومقارعة التعب لا تستقيم المواسم. مزارعو التبغ هم دومًا في سباق مع الوقت لإنهاء عملهم لأنّ ثمة عملًا آخر في دورة لا تنتهي مراحلها إلّا لتبدأ من جديد.
ويتطلّب موسم التبغ التعاون بين جميع أفراد الأسرة، وأحيانًا بين الأقارب والجيران، فالتعاون سمة بارزة في «مجتمع التبغ»، والمهام تتوزع ضمن كل عائلة وفق الأعمار والقدرات بما يناسب كل مهمة. خلال الربيع تُسند إلى الصغار مهمة رمي الشتول للزرّاعين الذين ينحنون على الأرض برفقٍ ويضعون كل شتلة في حفرة صغيرة، بينما ترندح الحناجر أبيات العتابا والميجانا. في الحقل وبالقرب من الشتلات الطرية، يتحلّق الزراعون حول ما حملوه من طعام، يتشاركونه، يحمدون ربهم على النعمة، ثم يعودون لمتابعة العمل إلى أن تخبرهم الشمس بأنّ وقت مغادرة الحقل قد حان.
في الصيف، ينهض القطّافون قبل الفجر وإذا كان الموسم كبيرًا، قد ينهضون بعيد منتصف الليل بقليل ليتمكنوا من قطاف الأوراق على ضوء «اللوكس»، فالقطاف فعل يجب أن يُنجز قبل شروق الشمس وتبخّر قطرات الندى عن الأوراق التي تصبح دبقة جدًا إذ تفرز سائلًا كثيفًا أسود اللون شديد المرارة. لذلك يتحدث مزارعو التبغ عن «اللقمة المرّة»، والتعبير هنا واقعي ومجازي في الوقت نفسه. فهو من جهة يصف الدبق المرّ الذي يلتصق بالأصابع وتصعُب إزالته، ومن جهة أخرى يختصر المشقات التي يعانيها المزارعون.
حين يعود القطافون بالأوراق موضبة في أكياس الخيش إلى المنازل، غالبًا ما تكون الجدّات في استقبالهم مع وجبة فطور عارمة، ينصرف بعدها الجميع إلى «شك الدخان»، حتى الأطفال ينالون حصتهم. وهم يتعلمون باكرًا أن ينجزوا عملهم بدقةٍ وجدية. فشك الأوراق يتطلّب تركيزًا شديدًا، وإلّا تعرّض «الشكيك» لجرح أصابعه وهو يمرر الورقة في «الميبر» ( سيخ من حديد مسطّح في آخره ثقب يمرر فيه خيط المصيص الذي تُسحب إليه الأوراق لتُنشر وتجفف). وغالبًا يسود الصمت في حلقات «شك» التبغ تحاشيًا لفقدان التركيز وإضاعة الوقت. قبل فورة وسائل الاستماع الحديثة كان الراديو يتولّى تسلية المشاركين في حلقات «الشك». ولم يكن الاستماع إلى الراديو بالشيء القليل في الماضي، فعبره تشبّعت أجيال بروائع الموسيقى والشعر المغنّى، وحفظ القرويون القصائد حتى من دون أن يتعلموا القراءة.
في الشتاء يتشارك الرجال والنساء واليافعون أعمال التبسيط والفرز والتوضيب التي تُنجز غالبًا في سهرات يسودها الإنس وتُستعاد فيها حكايات، أمّا الصغار فيخلدون إلى فراشهم لينهضوا باكرًا ويلتحقوا بمدارسهم.
يسلّم المزارعون إنتاجهم إلى الريجي بينما يكونون بصدد تهيئة الأرض لتبدأ الدورة من جديد، ويرافق تسليم الموسم وتقاضي ثمنه بهجة عارمة. فمَن استدان يسدد دينه، ومَن كان لعائلته حاجات معينة أجّلها إلى «الموسم». مواسم علّمت أجيالًا، وعلّت عمائر، وكفلت لأصحابها حياة عاشوها بقناعةٍ، وإن لم تكن العائدات يومًا على قدر التعب.
في ظل دورة الحياة هذه يتشكل جزء كبير من ملامح «مجتمع التبغ» حيث توفّر الدورة الاقتصادية العديد من الفرص، وتتشابك القرى والبلدات المتجاورة في علاقات تحتّمها الحاجة إلى المستلزمات الزراعية، والعمال ووسائل النقل وسوى ذلك، وتُسهم في خلق نسيج اجتماعي له خصوصيته، وفي خلق الوجدان الجماعي للأجيال المتعاقبة.
فشتلة التبغ هي بمثابة المحور الذي تنتظم حوله حياة الجماعة بكبارها وصغارها على مدى فصول السنة، إنّها أشبه بالسلك الذي ينظم دورة الحياة بكل مجالاتها، من الاقتصاد إلى الاجتماع، والثقافة بما لها من انعكاسات في التربية والشعر والأدب.
وتأثير شتلة التبغ في الوجدان الجماعي ظهر جليًا نَضِرًا في أعمال الكثير من شعراء الجنوب وأدبائه. فـ «الأرض حبيبة وشتلة التبغ عروس» يراقصها شوقي بزيع الذي يجعل من النبتة رمزًا للأنوثة القروية والتعب الجميل والخصوبة. وهي «أيقونة الجنوب» المشبعة برمزية وجدانية وتاريخية واجتماعية قوية في شعر محمد علي شمس الدين. تشمل رمزيتها المعاناة والالتصاق بالأرض والصمود، وهي أحد ركني ثنائية الحياة في قرى الجنوب (التبغ والسنابل). وفي حين يجعل حسن العبدالله شتلة التبغ رمزًا للنضال والتمسّك بالأرض، يتناولها جوزيف حرب متغنيًا بعرق الفلاحين والتعب الذي لا ينتهي وتفاصيل الحياة البسيطة.
مواسم البركة
من مرارة التبغ إلى الزيتون، الشجرة المباركة التي احتلت مكانة عالية في الكثير من حضارات العالم. فهي إضافةً إلى أهميتها كشجرةٍ معمرة وكثروةٍ مهمة، عُرفت كرمزٍ عالمي للسلام، وهي رمز للصمود والخلود والارتباط العميق بالأرض، وقد ورد ذكرها في الكتب المقدسة. الزيتون كما التبغ، جزء مهم من هوية الجنوب وعماد اقتصاده الريفي.
تتطلب شجرة الزيتون الري والتسميد والتقليم ومكافحة الحشرات ليكون إنتاجها جيدًا، وهذه الأعمال يقوم بها عادة الرجال والشبان، غير أنّ موسم القطاف يصبح مهرجانًا تشارك فيه العائلات بأكملها، حتى المقيمون خارج قراهم يعودون إليها للمشاركة في هذا العمل المبهج.
في بساتين الزيتون تجتمع العائلات لجني المحصول وسط أجواء فيها الكثير من الفرح والرضا والبركة. في ظل الشجرات المعمرة يجلس القطافون بعضًا من الوقت لتناول الطعام والاستمتاع بفنجان قهوة وقليل من الراحة. وقبل أن تغادر الشمس الأفق تكون أكياس الخيش قد امتلأت بثمار شهية، تُحوّل النساء قسمًا منها إلى كبيس الزيتون الذي لا تستقيم من دونه مائدة اللبناني، بينما يذهب الرجال إلى المعصرة ليعودوا بغلّة الموسم من الزيت الذي لا يضاهيه أي نوع آخر من الزيوت.
زيت الزيتون في بيوت اللبنانيين هو حجر الزاوية في المونة، وهو المنتج الثمين الذي لا ينبغي التفريط به. «خلي الزيت بجراره تا تجي أسعاره» يقول المثل الشعبي. وقد ازدادت أهميته في أيامنا بعد أن بيّنت الأبحاث مدى أهمية النظام الغذائي المتوسطي الذي يعتمد على زيت الزيتون بشكلٍ أساسي.
كما التبغ، يحتل الزيتون مكانة مهمة في الوجدان الجماعي للبنانيين عمومًا، وللجنوبيين، وهو يبرز بقوة في إنتاج الشعراء والكتّاب. وإذا كان جوزيف حرب قد أرسى في رائعته «إسوارة العروس» التي لحّنها فليمون وهبي وغنّتها فيروز، ثنائية «زيتون وسنابل»، إلى جانب «قلعة بحر صور وصخرة جبل عامل»، فإنّ عبق هذه الشجرة يفوح في مئات الأعمال الشعرية والأدبية مرجّعًا صدى تعب المزارعين وأفراحهم وخساراتهم وأحزانهم، في أرض الخيرات والأطياب والوجع والشعراء.
أرض هي الحبيبة التي نتوق إليها دومًا، وفي وجداننا صوت يصدح: «بتولع حروب وبتنطفي حروب وبتضلك حبيبي يا تراب الجنوب… وشو ما إجا شعوب وشو ما راح شعوب كلّن رح بيفلّوا وبيبقى الجنوب».
أضرار القطاع الزراعي
كشف وزير الزراعة نزار الهاني خلال لقاء مع رئيس الجمهورية (في 15 أيلول الماضي) أنّ نسبة الأراضي الزراعية في لبنان التي تعرّضت لأضرار مباشرة بلغت 22،5% أي ما يقارب 56 ألف هكتار، منها 52 ألف هكتار في الجنوب والنبطية، مقدرًا الخسائر بمليار دولار (الجريدة، 15 أيلول 2026). وكان سبق لوزير الزراعة أن كشف أنّ أكثر من نصف مساحة الأراضي الزراعية في محافظتي الجنوب والنبطية، قد أصبح غير متاح للمزارعين نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية. كما تضرر نحو 77% من الأراضي الزراعية في المحافظتين نتيجة الأضرار المباشرة أو لتعذّر الوصول إليها والعناية بها بسبب احتلالها.
ولا يقتصر الأمر على المحاصيل الموسمية، فالأضرار شملت الأشجار المعمّرة ومنها الزيتون والحمضيات والموز والكروم، ما يستدعي عمل سنوات لإعادة التأهيل والاستصلاح. يُضاف إلى ذلك الأضرار التي طاولت البيوت البلاستيكية والمنشآت الزراعية وشبكات الري وقفران النحل.










