باسكال معوّض بو مارون
الانضباط، الاتكال على النفس، النظام، المثابرة، تحمّل المسؤولية والعمل الجماعي… مفاهيم لم تبقَ بالنسبة إلى ٢٩٢ تلميذًا وتلميذة مجرّد عناوين، بل تحوّلت خلال خمسة أيام إلى تجربة يومية عاشوها داخل الكلية الحربية ضمن المخيم التدريبي Cadet Challenge.
جاؤوا من مدارس ومناطق وخلفيات اجتماعية مختلفة، ودخلوا إلى الكلية الحربية تاركين وراءهم حياة مدنية مريحة وروتينًا اعتادوا عليه. خمسة أيام فقط كانت كافية لنقلهم إلى عالم مختلف: مواعيد دقيقة، تعليمات واضحة، تدريبات رياضية وميدانية، محاضرات، زيارات إلى وحدات الجيش البرية والبحرية والجوية، ومهام لا مجال فيها للتأجيل أو الاتكال على الآخرين.
لم يكن Cadet Challenge مجرّد مخيم عسكري صيفي؛ بالنسبة إلى هؤلاء التلامذة، كان اختبارًا للقدرة على التحمّل واكتشافًا للذات، وفرصة للتعرّف إلى الجيش من الداخل، وبالنسبة إلى بعضهم، كان أيضًا لحظة أسهمت في رسم ملامح مستقبلهم.
تجربة حياة
يؤكد قائد الكلية الحربية العميد الركن فادي بو حيدر أنّ الهدف الأساسي من إقامة المخيم الصيفي هو إعطاء تلامذة المدارس تجربة واقعية عن الحياة العسكرية، وخصوصًا نمط حياة التلميذ الضابط وتعريفهم إلى رسالة الجيش ودوره الوطني، وإفساح المجال أمامهم للتعرف إلى الكلية الحربية وشروط الانتساب إليها، ضمن بيئة تجمع بين التدريب والتثقيف والتفاعل والترفيه.
فخلال الأيام الخمسة، يتعرف التلامذة إلى عدد من النشاطات والتدريبات التي يتابعها التلميذ الضابط، ويطّلعون عن كثب على مهام الجيش اللبناني واختصاصاته المختلفة، من خلال زيارات إلى عدد من أفواجه ووحداته البرية والبحرية والجوية. كما يتضمّن البرنامج حصصًا توجيهية واجتماعية وتربوية وثقافية، إلى جانب الأنشطة الرياضية والتدريبات الميدانية. والهدف هو تنمية مجموعة من المهارات التي يحتاج إليها الشاب في حياته، من الانضباط والعمل الجماعي والقيادة وتحمُّل المسؤولية، إلى القدرة على الاعتماد على النفس وضبط ردود الفعل.
تسعة مخيمات تدريبية
ويوضح قائد الكلية أنّه جرت العادة أن تشارك الكلية الحربية في الأيام المفتوحة التي تقيمها المدارس، بهدف تعريف التلامذة المقبلين على المرحلة الجامعية بشروط الانتساب إلى الكلية، وطبيعة الحياة فيها، وأبرز النشاطات والتدريبات التي يتابعها التلميذ الضابط. وفي العام 2022، ارتأت قيادة الجيش عكس هذا النهج، من خلال استضافة تلامذة المدارس داخل الكلية الحربية، ليس ليوم واحد فحسب، بل ضمن مخيم تدريبي يمتد لخمسة أيام، يتخلّله المبيت داخل الكلية، فكان أول مخيم من هذا النوع في أيلول 2022.
وبحلول العام 2026، كانت الكلية الحربية قد أقامت تسعة مخيمات تدريبية، شارك فيها نحو 1600 تلميذ وتلميذة من مختلف المدارس اللبنانية المنتشرة في جميع المناطق، الأمر الذي أسهم في جعل هذه المخيمات مساحة جامعة لمختلف شرائح المجتمع اللبناني.
٣٤٠ راغبًا… و٢٩٢ مشاركًا
يقول الرائد جوزيف مخّول الذي تولّى مهمة الإعداد لمخيم Cadet Challenge في أيلول 2026، إنّ التحضير بدأ بالتواصل مع المدارس والأهل والراغبين في المشاركة، إلا أنّ الإقبال فاق التوقعات، إذ وصل عدد الراغبين إلى نحو ٣٤٠ تلميذًا.
لكن القدرة الاستيعابية للمخيم وصلت إلى ٢٩٢ تلميذًا، وذلك بسبب ضرورة تأمين أماكن المبيت والعتاد والطعام، إلى جانب مختلف المستلزمات التي تتطلبها إقامة هذا العدد من المشاركين لمدة خمسة أيام، والتي تنتهي في اليوم السادس بحفل تخريج رسمي وتوزيع شهادات للتلامذة بحضور الأهل. ولم يكن التحدي في استيعاب التلامذة وتأمين احتياجاتهم فحسب، بل في إعداد برنامج متكامل يتيح لهم خوض تجربة متنوعة، تشمل التعرف إلى أفواج النخبة والقطع المميزة، والاطلاع على أكبر قدر ممكن من مجالات الحياة العسكرية.
أول درس: ترك الحياة المدنية عند الباب
منذ لحظة الوصول، استلم المشاركون أغراضهم، ثم توجّهوا إلى قاعة المحاضرات، حيث استمعوا إلى لمحة مختصرة عن البرنامج وما ينتظرهم خلال الأيام المقبلة. قواعد جديدة بدأت: لا هواتف خلوية، ولا أغراض ثمينة، ولا طعام من الخارج، ولا مضيعة للوقت…
بعدها بدأ التعرف إلى عالمٍ مختلف بالنسبة إلى معظمهم: الأسلحة، مشبّه الرمي، النظام المرصوص، والتدريبات الرياضية المتنوعة، ثم شاركوا في المساء في تمارين رياضية ونشاطات متفرقة.
خلال خمسة أيام، انتقل التلامذة من نمط حياة مدني معتاد إلى حياة عسكرية أكثر قسوة وانضباطًا، لكنّها، كما يقول منظّمو المخيم والمشاركون، تحمل دروسًا تتجاوز حدود التدريب العسكري.
من البر إلى البحر والجو
منحت الزيارات الميدانية التلامذة المشاركين فرصة للتعرّف على الجيش خارج الصورة التقليدية التي يعرفونها عنه. تعرّفوا إلى القوات البرية والبحرية والجوية، وإلى أفواج النخبة والقطع المميزة، وشاركوا في نشاطات وتدريبات مختلفة، تخلّلتها رماية بالأسلحة الخفيفة وجولات هوائية، إضافة إلى العديد من النشاطات الترفيهية، انضم إليها الفنان وائل كفوري الذي تفاعل معهم في أجواء فنية مميزة. كذلك تابعوا دروسًا في الإسعافات الأولية الميدانية، ومحاضرات عن الذكاء الاصطناعي وعن مخاطر الألغام والمخدرات؛ إضافة لتمارين على النظام المرصوص والرماية والهبوط بواسطة الحبال ومكافحة الشغب والتايكواندو، وتابعوا دروسًا في فنّ القيادة واطّلعوا على شروط الانتساب إلى الكلية الحربية.
ولذلك، لم يكن المخيم بالنسبة إليهم مجرد تجربة عابرة، كما أكدّ عدد من التلامذة.
تجربتهم كما رووها
يقول مجد، الذي التحق بالمخيم بناءً على تشجيع والده، إنّه أحب البرنامج والعمل المنظّم الذي اتّبعه المشاركون خلال وجودهم في المخيم. لكن أكثر ما استوقفه كان التعرف إلى القوات الجوية. ومن هذه الزيارة تحديدًا، بدأ يرسم صورة أوضح لمستقبله، إذ يقول إنّها دفعته إلى تحديد اختصاصه المستقبلي في عالم الطيران.
أمّا لين، فتصف تجربتها بحماسةٍ واضحة: «كتير حبّيت، كتير انبسطت!». لكن الحماسة لم تكن حاضرة منذ اللحظة الأولى، فهي تؤكد أنّ اليوم الأول كان صعبًا، إلا أنّها سرعان ما تأقلمت وانخرطت في الأجواء، وتمكنت من تكوين عدد من الصداقات. خمسة أيام بعيدًا عن المنزل علّمتها، بحسب قولها، «الاتكال والثقة بالنفس»، وخصوصًا الاستقلالية.
بالنسبة إلى جايدن، كان المخيم اختبارًا مباشرًا لقدراته الشخصية. يقول إنّ التجربة زادت لديه القدرة على التحمل والثبات والاستقلالية والاعتماد على النفس، خصوصًا وأنه لم يكن معتادًا على الانضباط وضبط النفس. وهنا يتحوّل الانضباط من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية: الاستيقاظ في الوقت المحدد، التزام التعليمات، إنجاز المهمة المطلوبة، وضبط رد الفعل حتى في الظروف الصعبة.
كانت إلميرا تعرف مسبقًا ما الذي تبحث عنه. كانت ترغب في اختبار الحياة العسكرية بما فيها من نظام وانضباط، على أمل أن تحمل بعض هذه القيم معها إلى حياتها المدنية. لكنها اكتشفت خلال التجربة شيئًا آخر لا يقل أهمية: القدرة على العيش مع أشخاص مختلفين عنها. تقول إنّ المشاركين تعلّموا أن يعيشوا سويًا رغم اختلاف خلفياتهم ومستوياتهم، وأنّ الاحترام المتبادل هو الأهم. وفي مخيم يجمع تلامذة من مدارس ومناطق وخلفيات مختلفة، يصبح هذا الجانب من التجربة جزءًا أساسيًا منها.
تقول ربيكا إنّ خدمة العلم التي أدّاها والدها قد تركت أثرًا فيه، وشجعها ذلك على خوض التجربة. وبالنسبة إليها، كانت المشاركة مفيدة جدًا على المستويين النفسي والجسدي، ومنحتها خبرة تعتبر أنّها لا تعوّض. فهذه التجربة جعلتها تنظر بصورة مختلفة إلى طبيعة المهمات التي ينفذّها عناصر الجيش والتضحيات التي يقدّمونها، فهم يستحقون منّا كل احترام وتقدير.
أما تامر فيختصر أحد أبرز دروس المخيم بفكرة أساسية: لا يمكن الاعتماد على النفس من دون معرفة كيفية العمل مع الآخرين. يقول: «نعتمد على أنفسنا وفي الوقت نفسه على رفاقنا، فالعمل الجماعي مطلوب». وقد أحب النظام تحديدًا، لأنّ لكل شخص مهمات محددة عليه تنفيذها. وهنا، تصبح المسؤولية فردية وجماعية في الوقت نفسه: كل شخص مسؤول عن مهمته، لكن نجاح الفريق يتطلب أن يؤدي الجميع أدوارهم كما يجب.
ثقة أكبر بالنفس
قد يبدو الانتقال من الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية في الأيام الأولى صعبًا، خصوصًا بالنسبة إلى تلامذة لم يعتادوا الانضباط الصارم أو الابتعاد عن المنزل، لكنّ شهادات المشاركين تكشف جانبًا آخر من التجربة.
فالمشاركون الذين دخلوا المخيم من مدارس ومناطق وخلفيات مختلفة، وجدوا أنفسهم يعيشون معًا، يتدربون معًا، يتشاركون المهمات نفسها، ويواجهون التحديات نفسها.
من هنا تعزّزت روح التعاون ونشأت صداقات، واكتسب بعضهم ثقة أكبر بالنفس، فيما اكتشف آخرون أنهم قادرون على القيام بأمور لم يعتقدوا سابقًا أنهم قادرون عليها.
خمسة أيام… ماذا يبقى منها؟
في نهاية المخيم، يحصل المشاركون خلال حفل التخريج، على شهادة وهدية تذكارية وصور عن مختلف نشاطات المخيم، لكنّ ما يحملونه معهم إلى خارج الكلية الحربية يتجاوز ما تسلّموه في ذلك اليوم.
يحملون تجربة عايشوا خلالها معنى أن يستيقظوا في وقت محدد، وأن يلتزموا بنظام لم يختاروه، وأن يعتمدوا على أنفسهم، وأن يتحمّلوا مسؤولية مهماتهم، وأن يعملوا ضمن فريق عملٍ واحد من أجل تحقيق أهدافهم. وفي المحصّلة، ساهم هذا النشاط في تنمية روح الوطنية لدى التلامذة وتشجيعهم على التفاعل مع المؤسسة العسكرية وتعزيز القدرات القيادية لديهم.











