د. هيام كيروز
يلقّبونها بــ ”مارغريت تاتشر“ شبه الجزيرة الإيطالية، لصرامتها في الحكم، وعدم مساومتها على ما تعتبره مسلّمات وثوابت في رؤيتها للسلطة، وأسلوب حوكمتها، وشخصيتها القوية والحازمة، مع إحساس عالٍ بالمسؤولية وممارستها لها…
في ساعة متأخرة من مساء 25 أيلول 2022، وقفت جورجيا ميلوني (49 عامًا) أمام حشود من أنصارها في قلب العاصمة الإيطالية، وأعلنت عن فوزها كأول امرأة تقفز إلى أعلى هرم السلطة وتُمسك بدفّة رئاسة مجلس الوزراء، وسط توقّعات ورهانات متضاربة لصعوبة المهمة التي اضطلعت بها ودقّتها. ومنذ إطلالتها الأولى على المسرح السياسي الداخلي، تركت انطباعًا بأنها متمايزة عن الطاقم الذي حكم إيطاليا بعد بنيتو موسوليني (1922-1943)، بفضل شخصيتها، وخُطَبِها، وموهبتها في إقامة العلاقات حتى مع خصومها، فضلًا عن براغماتيتها، وانعطاف الرأي العام الإيطالي والأوروبي نحو اليمين الوسطي والراديكالي المتطرّف.
خطابها الرئاسي الأول، كان علامة تحالفية بليغة بين مجموعات وأطياف اليمين الإيطالي، شدّد على أن بلادها لم تعد «رجل أوروبا المريض»، وبنوع من الخيلاء، أكّدت أن «روما تقترض أو تستدين من الأسواق بالمعدّلات نفسها مثل باريس». والمعروف أنّ إيطاليا كانت تخيف كل منطقة اليورو بسبب ديونها الهائلة وعدم استقرارها السياسي المزمن. واليوم، تؤدّي فرنسا هذه الرقصة القاتلة. ووفق Natalie Tocci، مديرة دائرة الدراسات في معهد العلاقات الدولية في روما، فإنّ أشخاصًا يُعَدّون على أصابع اليد الواحدة توقّعوا أن تتمكّن جورجيا ميلوني يومًا من تجسيد الاستقرار واستعادة الصدقية الدولية لبلادها، ولا شكّ أنّ ميلوني تثير الاهتمام وسط رؤساء الدول والحكومات الأوروبيين، ويتضاعف هذا الأمر لكونها تدير حزب «إخوة إيطاليا». ويروي العارفون في مدينة Rimini، على البحر الأدرياتيكي حيث ألقت خطابًا مفصليًّا في 27 آب 2023، أنّه عندما دخلت لأول مرة قصر Palazzo Chigi الباذخ، وهو مقر رئاسة الحكومة، في الذكرى المئوية لزحف موسوليني على روما، صوّرتها الصحافة الأوروبية كامرأة متطرّفة سوف تقيم في روما نظامًا متطرّفًا وغير ليبرالي، وتهدم الجسور مع القارة العجوز، وتؤدّي تحية الطاعة والتبعية لــ فلاديمير بوتين. لكنّ أي شيء من ذلك لم يحدث، فقد ظهرت ميلوني كقائدة معتدلة، تصوغ حساباتها وتدوزن خطواتها بدقّة.
انضواء تحت المظلة الأوروبية
اللافت أنّ الأيام الأولى من حكم ميلوني كانت بمثابة مختبر لنهجها السياسي – الاقتصادي الذي ستتبلور ملامحه في الآتي من السنوات. لقد تجاوزت بسلاسة وثقة «امتحان الــ 400 يوم»، وهو متوسط بقاء رؤساء الحكومات الإيطالية قبل أن تطيح بهم «نيران صديقة» أو مكائد وأفخاخ داخلية. وخرجت عن هذا التقليد، وهذه نقطة إيجابية تُحسب لها. والمعروف أن 68 رئيسًا للوزراء تعاقبوا في إيطاليا على مدى 7 عقود سابقة. تحدّت ميلوني لعبة الأرجوحة أو الكرسي الهزّاز، وقطعت الوعد بأنّها سوف تكمل السنوات الخمس من الولاية (2022 – 2027)، خصوصًا أنها تتّكئ إلى غالبية مريحة من مجلس الشيوخ والنواب. وبعد مئة يوم على تشكيلها فريق حكومي ائتلافي كان ركناه (الراحل) سيلفيو بيرلسكوني وماتيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة» (Ligue-Lega) حليفَيها اللدودَين، تبيّن أنّ التعقيدات السياسية الداخلية بثقل الجبال، ولا تستكين فيها التحالفات، فضلًا عن إشكاليات لعبة المصالح العميقة التي تربط النخب الإيطالية بشركائها في الاتحاد الأوروبي، وهذه التعقيدات فرضت على المرأة القوية أن تقتفي خطوات سلفها ماريو دراغي، حارس اليورو. وتأخذ في الاعتبار ضوابط المحيط الأوروبي بوصفه مجالًا حيويًا واستراتيجيًا للاقتصاد الإيطالي الذي كان يرزح تحت وطأة أزمة ركود عمرها أكثر من 10 أعوام. وجدير بالذكر أنّ ضربة المعلم التي قامت بها روما في العام 2022، وحصلت بموجبها من الاتحاد الأوروبي على قرض قابل للاستهلاك، يعود الفضل فيه إلى ماريو دراغي وليس إلى جورجيا ميلوني. القرض الذي بلغت قيمته 194 مليار يورو، يغطي الفترة الممتدة بين 2021 – 2026، وهدفه تمويل بناء جسور، وسكك حديدية للقطارات السريعة، ومدارس ومشاريع بيئية، وهو ما دفع ميلوني إلى البقاء في معسكر أوروبا، من دون حماسة ومن دون عدائية أيضًا. وأولى رحلاتها كرئيسة حكومة كانت إلى بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي، حيث أسّست علاقات عمل وتعاون وثيقة وكسبت ثقة رئيسة المفوضية الأوروبية، الألمانية أورسولا فون درلاين.
اختلاف مع بكين وائتلاف مع واشنطن
خلال الفترة الاختبارية نفسها، بلورت ميلوني خطوطها السياسية الاستراتيجية، وحوّلتها إلى نهج قائم في ذاته. فهي تقود دبلوماسية محافظة، وأطلسية، مع دعوة ملحّة إلى الرفاق الأوروبيين بأن تكون لهم ترسانات سلاح وجيوش مدرّبة ومحترفة، من دون الاعتماد على المظلة الأميركية لحماية مصالح القارة والدفاع عن دولها. وأحد أبرز القرارات التي اتّخذتها، كان خروج إيطاليا الهادئ في العام 2023 من برنامج طريق الحرير الصيني. وفي المجلس الأطلسي في نيويورك طالبت بعدم الخضوع لأحد، وهنا رسّخت علاقاتها الأميركية، واقتربت من الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية، واعتُبِرت حتى وقت قصير من أوثق حلفائه الأوروبيين على قاعدة قيم أيديولوجية محافظة واحدة. لكن سرعان ما تعرّض هذا التجاور إلى تصدّعات بفعل الأحداث وجاذبياتها الضاغطة. وكان الهجوم الإسرائيلي غير المسبوق على غزّة «القشة التي قصمت ظهر الشراكة»، إذ رفضت رئيسة حكومة روما أن تقدّم كفالة سياسية لهذا العدوان، وطالبت قادة الاتحاد الأوروبي وزعماءه بإلغاء الاتّفاقات العسكرية واللوجستية مع «إسرائيل». وهنا كان الغضب الترامبي كبيرًا وحذّرها من مضاعفات «اللعبة الخطيرة»، ثم تكرّر المشهد نفسه مع بداية الهجوم الأميركي – الإسرائيلي على إيران. وتحفّظت ميلوني عن تقديم أي دعم عسكري، ووصل الأمر معها إلى منع المقاتلات الأميركية من استخدام قاعدة سيغونيلا (Sigonella) البحرية – الجوية في جزيرة صقلية لقصف الجزر الإيرانية الحيوية في الخليج. يُضاف إلى ذلك تعاطف «المرأة القوية» مع البابا لاوون الرابع عشر عندما صوّب عليه ترامب سهام النقد لاختلاف الرؤية والمواقف بينهما.
الركيزة الإيطالية في استراتيجيات الأطلسي
لا شك في أنّ اصطفاف زعيمة اليمين الإيطالي إلى جانب الحبر الأعظم على حساب «العلاقة الخاصة» مع الرئيس الأميركي يستجيب لحسابات داخلية ضاغطة، ذلك أن القاعدة الحزبية والانتخابية لــ ميلوني تشكّل بالدرجة الأولى نواة صلبة، محورها الكاثوليك في مدن الشمال الصناعي (ميلانو، تورينو، فضلًا عن تريستيه)، وصولًا إلى روما، وفلورنسا، والبندقية، ومناطق الجنوب المحافظة. لكن «الغيمة» في سماء العلاقات لا تفسد الشراكة الهائلة في المجال العسكري، ولا التعاون الدافئ في قطاعات الاقتصاد والتنمية وابتكارات الذكاء الاصطناعي وآفاق السيبرانية. وتحتل إيطاليا الموقع الثاني في أوروبا بعد ألمانيا، على صعيد عدد القواعد العسكرية الأطلسية (5 قواعد). وفي طليعة هذه القواعد منشأة أفيانو الجوية ذات الأهمية الاستراتيجية القصوى للبنتاغون، كما لهيئة الأركان الإيطالية، ويخدم فيها نحو 8500 جندي أميركي من كل الأسلاك العسكرية، وتقع في الشمال الإيطالي، وتحديدًا على بعد 80 كيلومترًا من مدينة البندقية. ووفق مجلة Air et Cosmos الفرنسية، فإن Aviano من أهم المنشآت التابعة لحلف شمال الأطلسي في القارة الأوروبية. وتستضيف روما أيضًا قاعدة كامب داربي، وكامب إيديرلي، في مدينة Vicenza القريبة من البندقية، وبادو، وفيرون، التي يُعسكر فيها اللواء 173 المحمول جوًّا، وهو قوة الاستجابة للطوارئ التابعة للجيش الأميركي في أوروبا، ويوفّر قوات انتشار سريع تتطلّبها القيادة حتى في أفريقيا والشرق الأوسط. والقاعدة الخامسة بحرية، وتقع في مدينة (نابولي Naples)، وتضم القيادة الأطلسية في أوروبا. ويلامس عدد القوات الأميركية في إيطاليا، في أحدث إحصاء قامت به مجلة «دفاع وأمن دولي» (DSI)، الصادرة في باريس نحو 12500 جندي، مستخدمين كل أنواع الأسلحة، ما يؤكّد أنّ روما ركيزة قوية في هيكلية الشراكة العسكرية الأميركية – الأوروبية، تحت المظلة الأطلسية، وأنّ عبارات العتب المتبادلة بين ترامب وميلوني ليست سوى زوبعة في فنجان. وهذه الشراكة الدافئة ترقى إلى العام 1944، بعد طيّ صفحة الحرب الكونية الثانية حين قاتلت إيطاليا إلى جانب ألمانيا واليابان، ضد الأميركيين. وثمة الآن مشروع تعاون استراتيجي أميركي – إيطالي يتمثّل في بناء جسر عملاق يربط ضفّتَي مضيق ميستينا، أي جزيرة صقلية بالبر الإيطالي وهو ذو استخدام مدني – عسكري.
محور برلين – روما يخلط الأوراق
يتّفق محلّلون ودارسون في بروكسيل على أنّ البصمة الجديدة الخاصة في منهجية العلاقات الخارجية التي صاغتها ميلوني تتمحور حول التقارب بين برلين وروما. ومنذ ستينيات القرن الماضي، كان محور باريس-برلين رافعة الاتحاد الأوروبي في تجلياته الأولى، وعلى أساسه نهض «الاتحاد»، وبات كيانًا سياسيًّا له حضوره ودوره داخل قوس الأزمات الدولية. لكنّ زعيمة اليمين الإيطالي تسعى الآن، إلى استبدال المحور القديم بآخر بين إيطاليا وألمانيا، في محاولة جادة لرسم موازين قوى جديدة في «القارة العجوز». ونقطة الانطلاق في هندسة معمارية سياسية بديلة كانت في كانون الثاني الماضي، عبر قمة جمعت جورجيا ميلوني والمستشار الألماني فريدريك ميرو. وذهبت تعليقات الصحافة المتخصّصة في الشؤون الأوروبية يومها، نحو قراءة أو فكّ شيفرة خلفيات هذه الخطوة، وكتبت درشبيغل الأسبوعية الألمانية واسعة الانتشار أنّ «التحالف الجديد ردّة فعل على المشكلات العديدة التي يتخبّط فيها الثنائي الفرنسي – الألماني الذي أدّى، تقليديًا، دور النواة أو الرافعة في كل إنجاز أو قفزة أوروبية». وحدّدت أبرز مواضيع الخلاف، مثل اتفاقيات التبادل الحر، والسوق المشتركة لمناطق الجنوب المعروفة باسم Mercosur وملفات أمنية ومنافسات تجارية.
تتبوّأ برلين موقع الشريك التجاري الأول مع روما، قبل باريس بأشواط. والثابت أنّ 42 في المئة من الصادرات الأوروبية نحو الولايات المتّحدة الأميركية مصدره ألمانيا وإيطاليا. أما المؤسّسات الجرمانية التي تحتضنها إيطاليا، فهي توظّف نحو 193 ألف مواطن، وهذه الروابط الوطيدة لا تنحصر فقط في نطاق السلع، بل تتعدّى هذا البعد التجاري إلى الديموغرافيا. ويعيش مئات آلاف الإيطاليين في ألمانيا منذ ستينيات القرن الماضي، حتى أنّ مدينة Wolfsburg الواقعة في شمال البلاد، وهي تحتضن أكبر مصنع لسيارات فولسفاغن، تُلقّب بأكبر مدينة إيطالية بعد روما وميلانو. ويتنامى عدد أبناء الجالية الإيطالية باطّراد على ضفاف نهر الراين، ما يؤكّد أنّ التقارب الذي تشدّد عليه جورجيا ميلوني هو واقع اقتصادي – اجتماعي، أضفت عليه بريقًا سياسيًا، وهدفه ليس إصلاح أعطال المحور الفرنسي – الألماني (ميلوني تقول إنّ بلادها ليست دولاب الطوارئ الأوروبية)، بل مواكبة ديناميكيات العلاقة الخاصة بين برلين وروما. ولا شك في أنّ التحّديات الصعبة التي تُكبّل «القارة العجوز» (حرب أوكرانيا، حروب الشرق الأوسط، أزمات الطاقة والمضائق)، أدّت دورًا محوريًّا في تسريع الشراكة بين المستشار الألماني وزعيمة اليمين الإيطالي، لكنّ هناك أسبابًا أخرى لهذه «التوأمة».
السياحة الإيطالية:
تلاحم الإرث التاريخي بالاستدامة الاقتصادية
تُعَدّ إيطاليا نموذجًا فريدًا للوجهات السياحية العالمية، إذ تُشكّل جغرافيّـتها متحفًا حيًا مفتوحًا يوثّق ملامح الحضارة الإنسانية. وتبرز في هذا السياق عبقرية الفن والهندسة الرومانية القديمة من خلال تراكيب معمارية فذّة صمدت عبر العصور، متمثّلة في مدرج الكولوسيوم، والمنتدى الروماني، ومعبد البانثيون، والتي تعكس براعة استثنائية في استخدام الأقواس الخرسانية والقباب وتوظيف الفراغات. ويمتد هذا الثراء الهندسي ليشمل روائع عصر النهضة كدومو فلورنسا، جنبًا إلى جنب مع الوجهات الطبيعية مثل ساحل أمالفي. ولا تقتصر عناصر الجذب الإيطالية على المادة المعمارية فحسب، بل يمثّل المطبخ الإيطالي (Gastronomy) ركيزة سياحية وثقافية أساسية، إذ تحوّل إعداد البيتزا النابولية، ومعجّنات الباستا، وزيت الزيتون، والقهوة الإيطالية إلى إرث عالمي مدرج لدى اليونسكو، يجتذب الملايين من «سياح الطعام» سنويًا. ونتيجة لهذا التنوّع، تستقبل إيطاليا نحو 134 مليون زائر سنويًا، ممّا يدعم الاقتصاد الوطني بمداخيل حيوية تقارب 215 مليار يورو، وهو ما يمثّل 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ويؤكّد أنّ القطاع السياحي الإيطالي يدمج بكفاءةٍ بين عمق الإرث التاريخي وقوّة الأثر الاقتصادي.
إحدى النساء الحديديات
تندرج ميلوني في خطّ نساء «حديديات» حكمن في أوروبا وتركن بصماتهن بشكل عصيّ على الزوال: مارغريت تاتشر في بريطانيا (1979-1990)، وأنجيلا ميركل في ألمانيا (2005-2021) وأورسولا فون درلاين على رأس المفوضية الأوروبية (ولايتان: الأولى 2019-2024، والثانية 2024-2029). وتتميّز المرأة الحديدية الإيطالية بجرأتها وانخراطها ببراغماتية في «الجمهورية الرومانية الثانية».
توأمة نفوذ ومصالح
إذا استندنا إلى صحيفة La Tribune الاقتصادية الفرنسية، تطالعنا مقاربة عميقة ومتكاملة حول الحوافز الفعلية لتوأمة المصالح بين إيطاليا وألمانيا، وهو المشروع الذي قادته «المرأة القوية» وطبعته ببصماتها الشخصية. فبعد جائحة كورونا وتداعياتها على الإيطاليين، خرجت الشركات والمؤسسات الإيطالية في حالة عطب كبير وتكبّدت خسائر غير مسبوقة، وكانت في حاجة ماسّة إلى رساميل وتوظيفات واستثمارات لإعادتها إلى سابق عهدها قبل هجمة الفيروس القاتل. والمعروف أنّ إيطاليا صاحبة ريادة في العديد من الصناعات المتقدّمة وتنتج سلعًا استهلاكية فاخرة، وهي ذات ألق خاص في صناعة الآلات والمعدات والسيارات الفاخرة، مثل فيراري، لامبورغيني، ميزراتي، وألفاروميو، ولانسيا وباجاني، التي تُعَدّ أيقونات جمالية وتكنولوجية، وتأتي فيات بعد هذه الكوكبة من التصنيع الفخم الجريء. وقد عقدت ميلوني العزم على ضخّ المال اللازم في شرايين هذه المؤسسات لإبعاد الاختناق عنها. وتأسيسًا على قمة كانون الثاني وتفاهمها العميق مع المستشار فريدريك ميرز، تمكّنت من نسج شراكات مع أقطاب الصناعة والابتكار الألماني. وقد حصلت على تسهيلات في المنح والقروض. ولا تُهمل قائدة حزب «إخوان إيطاليا» جوانب التصنيع العسكري، فروما رائدة في هذا المجال الذي يصنَّف كواحد من أبرز القطاعات الدفاعية في أوروبا والعالم. وتبرز فيها شركات كبرى مثل ليوناردو ذات الاختصاص في الطيران والإلكترونيات الدفاعية، والمروحيات، والدرون، فضلًا عن منظومات الرادار والتوجيه. وتقود مجموعة Fincantieri، ومقرّها مدينة Trieste، على البحر الأدرياتيكي، وتعمل في حقول السفن السياحية والعسكرية والحلول التحتية البحرية، وتصنّفها الدوريات الدفاعية كواحدةٍ من أكبر شركات بناء السفن في العالم وتملكها الدولة الإيطالية. وتوظّف نحو 24 ألف شخص، بينهم نحو 8 آلاف في إيطاليا. وتملك 21 حوض بناء سفن في 4 قارات، وتتوقّع إيرادات تبلغ 2 مليار يورو، ولها فرع ديناميكي في دولة الإمارات العربية المتّحدة، وآخر في الهند، وهي سوق رئيسية لمنتجاتها. وفي الخط الريادي نفسه تتموضع شركة Beretta للأسلحة النارية، وهي من أقدم ورش التصنيع الناري في العالم وتشتهر بإنتاج المسدّسات العسكرية والبنادق وملابس الصيد. ودخلت مؤخّرًا السباق العالمي المحموم وكشفت نظامًا جديدًا يحمل اسم «ليفيت» ويعترض الدرون الانتحارية والمفخّخة، وقد استعرض مؤخّرًا في معرض Eurosatory العسكري في باريس وحصد نجاحًا.
”معجزة“ المرأة الحديدية… حقيقة أم سراب؟
تبوّأ الاقتصاد الإيطالي منذ العام 2022، مع انتخاب ميلوني على رأس السلطة التنفيذية في روما، المرتبة الثامنة أو التاسعة على مقياس التصنيفات الدولية، والثالثة في منطقة اليورو، على مستوى الناتج المحلي الإجمالي (PIB)، لكن نصيب الفرد من هذا الناتج في إسبانيا على سبيل المثال، تجاوز نظيره في إيطاليا منذ العام 2017، وفق بيانات نشرها صندوق النقد الدولي (FMI) قبل شهر تحديدًا، متوقّعًا أن تصبح مدريد أغنى من روما بنسبة 7 في المئة في السنوات الخمس القادمة. ولا شك في أنّ أحد عوامل شعبية «المرأة الحديدية» واستقرار سلطتها هو الأداء الاقتصادي الجيّد في السنوات الخمس المنصرمة، مصحوبًا بأجواء تفاؤل وإيجابية واستحسان لدى أرباب العمل، وكذلك في مقاربات وتقييمات المحلّلين الاقتصاديين الأوروبيين. وهنا تقول يومية Les Echos الفرنسية إنّ «رئيسة الوزراء أدارت الملف المالي والاقتصادي بحكمةٍ واحتراف بعيدًا عن السياسات الكلاسيكية لتيارات أقصى اليمين». وقد تبنّت نهجًا أكثر وسطية وتوازنًا اجتماعيًا في هذا الملف الحساس. لكن الاقتصاد الإيطالي لم يبرأ بعد من المشكلات البنيوية والهيكلية، على الرغم من العلاجات والعقاقير الميلونية، وفي هذا المجال بالذات، اقتفت رئيسة الوزراء خطى سلفها ماريو دراغي الخبير في الموازنات وأرقام التضخّم وحركية البورصات من دون الذهاب إلى عمق المشكلة. وقفت رئيسة الحكومة عند حافة المشكلة وفق تعبير «نيويورك تايمز»، إذ قلّصت الإنفاق الحكومي وخفّفت من وطأة البيروقراطية ولجمت الديون التي تُرهق الخزينة وتمتص فوائضها، فتراجَع معدّل البطالة، وانتعشت بورصة ميلانو. والرهان الأكبر الآن هو على جذب الاستثمارات الدسمة لأقطاب الزمن المعلوماتي والرقمي مثل مايكروسوفت وأمازون للحوسبة السحابية.
اختلالات عميقة بين جنوب وشمال
تباهت ميلوني بما حقّقته من حصاد وفير، مشيرة إلى أنّ اقتصاد بلادها يحقّق قفزات مجزية أكثر من بقية اقتصادات أوروبا الكبرى، على الرغم من تباطؤ واستنقاع الاقتصاد في الشرق والغرب في آن. لكن وراء هذه الاحتفالية غير المسبوقة مشكلات بنيوية عميقة لم تقترب منها رئيسة الوزراء، إما بسبب ضيق الوقت، أو لأنّ ثمة ضرورات ضاغطة أخرى، أو لأنها تقتضي حلولًا طويلة المدى ومستدامة. على مستوى البطالة، الإيطاليون باتوا يعملون أكثر لكن بأجورٍ أقل، ولا يزال مستوى التوظيف في إيطاليا أقل عن المستوى الأوروبي بــ 9 نقاط مئوية. ووفق معايير الاتحاد الأوروبي، فهو يتموضع في تصنيف «ضعيف، لكنه يتحسّن»، يقول الاقتصادي Fabrizio Pagani، المستشار الحكومي السابق والشريك في بنك الاستثمار Vitale & Co. وكلّما اتجهت الأنظار نحو مناطق الجنوب الإيطالي يظهر التباين الكبير في التنمية مع مناطق الشمال وكأنهما بلدان منفصلان وليس منطقتَين ومنطقَين في بلد واحد. في الجنوب فقر، وفجوة في الدخل بين النساء والرجال بنسبة 19,5 في المئة أي ضعف متوسط الاتحاد الأوروبي. أكثر من ذلك، يفتقر الشباب الإيطالي إلى المهارات الأساسية والريادية التي تتحلّى بها غالبية من نظرائهم في ألمانيا، وفرنسا، والسويد، والنروج، والدنمارك. و«منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» تتحدّث عن «الأمية الوظيفية» في إيطاليا وتعتبرها خللًا في «الاقتصاد الكلي» وتطالب بمعالجة بنيوية صارمة.
”لامبيدوزا“ وقوارب الهجرة غير النظامية
على المدى الطويل، يبدو جليًّا أنّ نمو إيطاليا سوف يحدّه أو يلجمه تراجع الديموغرافيا الدراماتيكي. وقد سجّلت روما نسبة الولادات الأضعف في السنوات الماضية بين أرقام أوروبا، ولا تستطيع حكومة اليمين معالجة هذا الخلل إلّا من خلال إجراءات تشجيعية ذات مفاعيل مؤقتة، وقد جرّبتها الحكومات السابقة، فلم تحصل على النتائج المتوخاة. أما حمَلة الشهادات العليا من الشباب الذين تحبطهم أجور لا تغني ولا تسمن عن جوع، فإنهم يقصدون دولًا عشبها أكثر كثافة واخضرارًا. وخلال العشرية الأخيرة، غادر إيطاليا نحو 470 ألف شاب وشابة أعمارهم بين 18 – 34، واختارت غالبيتهم العيش والعمل في الولايات المتّحدة الأميركية كوجهة أولى، تليها كندا وأستراليا ونيوزيلندا. وهذا «النزوح» رتّب مضاعفات على سوق العمل في المدن الإيطالية الصناعية الكبرى، وكذلك في المناطق الزراعية والأرياف. وأمام النقص الفادح في اليد العاملة، اضطرّت ميلوني إلى تعديل خطابها حول الهجرة بعدما كان شديد الصرامة ضدّ المهاجرين غير النظاميين الذين تقذف بهم سفن هالكة وتجّار أو سماسرة البحر إلى جزيرة لامبيدوزا المتوسطية، وهي أقرب نقطة بحرية من شواطئ تونس وليبيا، وهما محطتان للهجرة السرية الوافدة من دول أفريقية بشكلٍ رئيسي. وهنا تلتقي زعيمة اليمين الإيطالي مع غالبية القادة الأوروبيين، باستثناء رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز الذي يغرّد خارج السرب، حول ضرورة إقفال الأبواب أمام زحف جحافل المهاجرين غير الشرعيين، وهو الطبق الأكثر دسامة الذي تتناوله أحزاب اليمين المتطرّف في القارة لتفعيل حضورها السياسي والبرلماني والشعبي. وتقوم طريقة ميلوني على إيجاد ملاذات لمهاجري القوارب في ألبانيا حيث يتم تأهيلهم ومن ثم إعادتهم إلى بلادهم الأصلية، كما على حوارها مع السلطات في كل من تونس وليبيا اللتين تتلقيان مبالغ كبيرة من الدعم لمنع القوارب من المغادرة إلى لامبيدوزا، والاستثمار في الأعمال التجارية، فضلًا عن التعليم الرامي إلى ردع الهجرة، وتدريب خفر السواحل. وقد سافرت المرأة الحديدية أكثر من 4 مرات إلى تونس بين العامين 2024 و2025 وكذلك إلى ليبيا، للتنسيق مع قادتها وتعزيز اتفاقيات كبح الهجرة غير النظامية بشكلٍ واضح وفوري.
امرأة بوجهين: إيديولوجي وبراغماتي
تنتهي ولاية جورجيا ميلوني في كانون الأول 2027، وهو موعد الانتخابات التشريعية. وأمامها فرصة عام وأربعة أشهر لكي تعمل على تصليب عود تحالفها مع أطياف اليمين الأخرى، ومع زعيم «حزب الرابطة» ماتيو سالفيني، الذي هو نائبها في الحكومة وخصمها في آن معًا. وقد انتزعت منه عنوةً بعض التنازلات مثل علاقتها الوثيقة بالعاصمة الأوكرانية وابتعادها عن موسكو. ولا شك في أنّ أبرز التحديات التي تواجهها بات داخليًا ووطنيًا بعدما نجحت في فكّ عدد من العقود الأوروبية والدولية. ومن خلال مواقفها وسلوكياتها العملية، يبدو أنّها حازمة في الخطاب الإيديولوجي وبراغماتية على المستوى العملي، حيث تلجأ إلى التسويات والترضيات أحيانًا لتمرير مصالحها، ما يزرع البلبلة في صفوف المعارضة التي لا تعرف كيف تصوّب أسهمها إليها. ولذلك تقول صحيفة «لوسوار» البلجيكية إنّ المعارضة الإيطالية في حيرة من أمرها، وتجد صعوبة شاقة في مواجهة استراتيجية ميلوني. وقد لا تكون المعارضة هي العقبة الكأداء أمام «كاسحة الأصوات» جورجيا ميلوني، بقدر ما هي تركيبة حكومتها الائتلافية اليمينية ومصير تحالف الأحزاب اليمينية حول «المرأة الحديدية الجديدة». فالمعادلات والتحالفات تبقى هشّة لأنّ السياسة الإيطالية سخيّة جدًا بالمكائد والأفخاخ التي جعلت من منصب رئيس الحكومة الأسرع زوالًا في أعصى البلدان الأوروبية.
مراجع مختارة
1- Le Monde – Hors-série – Edition 2026 – Le Bilan de monde Géopolitique, Environnement, Economie.
2- Conflits– N°46- axé sur la France – Italie : l’autre couple de l’Europe.
3- L’Express , N°3872 , la femme forte de l’Europe, Immigration, budget, son vrai bilan.
4- Pierre Milza, Histoire de l’Italie – Des origines à nos jours, Fayard, 2005.
5- Frédéric Le Moal, Histoire de Fascisme, Saga Egmont, 2022.
6- Giovanni Milito, Giorga Meloni : La métamorphose de la Droite Italienne, Amazon, 2025.
7- Giorgia Meloni, Mon itinéraire : Autobiographie d’une leader politique conservatrice, Chora,2024.










