شفيق طاهر – كاتب وباحث

لم يعد الشرق الأوسط بمنأى عن التحول الديموغرافي الذي سبق أن أصاب أوروبا وشرق آسيا. فالزواج يتأخّر، وتكاليف السكن والتعليم وتربية الأطفال ترتفع، بينما يتراجع متوسط عدد المواليد في دول كانت تعرف بخصوبتها المرتفعة. لكن المنطقة لا تسير في اتجاه واحد، تركيا وإيران تتجهان نحو الشيخوخة، و”إسرائيل“ تحافظ على خصوبة مرتفعة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، فيما يبقى المجتمع الفلسطيني فتيًا رغم الحرب والاقتلاع، وتحتفظ مصر بأكبر كتلة سكانية عربية رغم الانخفاض المتسارع في عدد المواليد.

هذه المسارات المتباينة قد تؤثر مستقبلًا في حجم القوى العاملة، والطلب على التعليم والصحة، والهجرة، والتجنيد العسكري. غير أنّ الديموغرافيا لا تعيد توزيع القوة بالأعداد وحدها، فالفرق الحقيقي تصنعه قدرة الدولة أو المجتمع على تحويل السكان إلى قوة منتجة ومتعلّمة ومشاركة سياسيًا.

الولادات الفلسطينية: بقاء رغم الحرب لا سلاح ديموغرافي
يحتل الفلسطينيون موقعًا مركزيًا في أي قراءة ديموغرافية للمنطقة. فقد بلغ معدل الخصوبة الفلسطيني نحو 3.8 مواليد للمرأة خلال فترة 2017 – 2019، بواقع 3.8 في الضفة الغربية و3.9 في قطاع غزة. وعلى الرغم من انخفاضه مقارنة بـ 4.6 مواليد في مطلع الألفية، فإنّه ظل أعلى بوضوح من مستوى الإحلال السكاني، المقدر بنحو 2.1 مولود للمرأة.
لكنّ بيانات ما قبل الحرب لا تصلح وحدها لوصف واقع غزة اليوم. فقد أدت الحرب، منذ تشرين الأول 2023، إلى خسائر بشرية واسعة ونزوح جماعي وانهيار أجزاء كبيرة من النظام الصحي. وقدّر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أنّ عدد سكان القطاع انخفض بنحو 6% حتى نهاية 2024 نتيجة الحرب وتراجع الولادات، وهو ما يكشف أنّ ارتفاع الخصوبة التاريخي لا يحمي السكان من الصدمات السياسية والعسكرية.
ومع ذلك، تستمر الولادات في ظروف استثنائية. ويقدّر صندوق الأمم المتحدة للسكان وجود عشرات الآلاف من الحوامل في غزة، مع تسجيل ما بين 130 و180 ولادة يوميًا وفق الفترة التي تغطيها التقديرات. لكن الكثير من الأمهات يلدن وسط نقص الغذاء والدواء، وتعطّل المستشفيات، وصعوبة الوصول إلى الرعاية السابقة واللاحقة للولادة، ما رفع من مخاطر الولادة المبكرة وانخفاض أوزان المواليد والمضاعفات الصحية.
لذلك، لا ينبغي اختزال الولادات الفلسطينية في تعبير القنبلة الديموغرافية. فالطفل الذي يولد من دون مستشفى آمن أو غذاء كافٍ أو وثيقة رسمية لا يمثل تلقائيًا زيادة في القوة. المواليد يحفظون استمرارية المجتمع، لكن تحويلهم إلى قوة اقتصادية وسياسية يحتاج إلى التعليم والصحة والعمل وحرية الحركة والحماية القانونية.

مصر: الكتلة السكانية العربية الأكبر
إلى جانب الحالة الفلسطينية، تمثّل مصر الطرف العربي الأثقل في المعادلة الديموغرافية. فقد تجاوز عدد سكانها داخل البلاد 108 ملايين نسمة، ما يمنحها سوقًا داخلية ضخمة وقوة عمل واسعة ووزنًا سياسيًا وعسكريًا يصعب تجاهله. وفي المقابل، يفرض هذا الحجم ضغوطًا متزايدة على المياه والغذاء والمدارس والمستشفيات والإسكان وفرص العمل.
وتشير البيانات إلى تحوّل واضح في السلوك الإنجابي المصري. فقد انخفض عدد المواليد المسجّلين في العام 2024 إلى أقل من مليوني مولود، للمرة الأولى منذ نحو 17 عامًا، بعد سنوات تجاوز فيها العدد مليوني مولود سنويًا. لكنّ هذا الانخفاض لا يعني اقتراب مصر فورًا من الانكماش، لأنّ أجيالًا كبيرة ما زالت تدخل سن الزواج والإنجاب، وهو ما يضمن استمرار النمو بفعل ما يسمى الزخم السكاني.
المعضلة المصرية، إذًا، ليست نقص السكان، بل نوعية الحياة التي ستُتاح لهم. فإذا لم يتمكن الاقتصاد من توفير التعليم الجيد والوظائف والسكن، قد تتحول الكتلة الشابة إلى بطالة وهجرة وضغط اجتماعي. أما إذا ارتفعت الإنتاجية ومشاركة النساء في سوق العمل وتحسّنت الخدمات، فإنّ الحجم السكاني يمكن أن يصبح أحد أهم عناصر القوة المصرية.

العدد لا يصنع القوة وحده
تزداد أهمية الحالتين الفلسطينية والمصرية عند مقارنتهما ببقية المنطقة. فقد حافظت «إسرائيل» على معدل خصوبة بلغ نحو 2.85 مولود للمرأة، وهو مرتفع مقارنة بمعظم الدول المتقدمة. لكنّ هذا النمو غير متجانس، إذ تختلف معدلات الإنجاب والمشاركة الاقتصادية والخدمة العسكرية بين الفئات الدينية والاجتماعية، ما يجعل أثره الاستراتيجي مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على استيعاب الأجيال الجديدة.
في المقابل، هبط معدل الخصوبة في تركيا إلى 1.48 مولود في العام 2024، بينما بلغ في إيران نحو 1.6 في العام 2022، مع توقّع أن يشكل من تجاوزوا الستين قرابة 27.9% من الإيرانيين بحلول 2050. وهذا يعني ضغوطًا مستقبلية على المعاشات والرعاية الصحية والقوى العاملة والتجنيد.
لكنّ المجتمعات الشابة تواجه بدورها ضغوطًا لا تقل خطورة. فمصر مطالَبة باستيعاب ملايين الداخلين إلى سوق العمل، بينما يولد الفلسطينيون في ظل الاحتلال والحصار وتدمير البنية التحتية. وفي الحالتين، لا تمنح الولادات قوة آلية، بل تضع الحكومات والمؤسسات أمام اختبار القدرة على الاستثمار في الإنسان.
لهذا، لن يُحسم مستقبل الشرق الأوسط داخل غرف الولادة وحدها. المواليد الفلسطينيون يؤكدون استمرارية شعب يواجه الاقتلاع، ومصر تحتفظ بالثقل السكاني العربي الأكبر، و«إسرائيل» تواصل نموًا مرتفعًا، بينما تتقدم الشيخوخة في تركيا وإيران. غير أنّ موازين القوة ستتحدد في المدارس والجامعات والأسواق والمؤسسات بقدر ما تتحدد في سجلات المواليد، فالعدد يوفر إمكانية القوة، أما التعليم والإنتاج والحقوق والحكم الرشيد فهي التي تحول هذه الإمكانية إلى واقع.