العميد المتقاعد غازي محمود – باحث في الشؤون الاقتصادية وقطاع الطاقة

يواجه الاقتصاد العالمي تحديات متلاحقة تضع سلاسل الإمداد أمام اختبارات غير مسبوقة، تدفع أسعار السلع والخدمات إلى الارتفاع وتزيد معدلات التضخم. وقبل أن يتعافى العالم بشكلٍ كامل من تداعيات جائحة كوفيد – 19، وما تسببت به من إغلاق للمصانع والموانئ، واضطراب في استدامة الإنتاج وحركة النقل، اشتعلت الحرب الروسية الأوكرانية مطلع العام 2022 لتسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز والحبوب والأسمدة وغيرها من السلع في الأسواق العالمية. وما إن بدأ الاقتصاد العالمي يتكيف مع مضاعفات هذه الحرب، حتى شنّت الولايات المتحدة الأميركية و«إسرائيل» حربًا على إيران، أدت إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس صادرات الطاقة العالمية من نفط وغاز مسال، فضلًا عن الأسمدة الزراعية وغيرها من المواد الأولية والبتروكيميائية.


وبينما توسّعت تداعيات هذه الحرب لتطول البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مع ما يشكلانه من ممر بديل لجزء من الصادرات النفطية ولا سيما الصادرات السعودية؛ تراجعت الملاحة في نهري الدانوب والراين، أبرز شريانين للنقل النهري في أوروبا من جراء موجة من الجفاف تضرب القارة العجوز، وأدت إلى انخفاض منسوب المياه فيهما إلى مستويات غير مسبوقة منذ بدء تسجيل البيانات في العام 1880. ولا تقتصر التداعيات السلبية لهذا الانخفاض على النقل، بل تشمل توليد الكهرباء وبخاصةٍ المحطات الكهرومائية والنووية التي تحتاج إلى مياه هذه الأنهار لتبريد مجموعاتها. في المقابل، تهدد «ظاهرة النينيو» الملاحة في قناة بنما في أميركا الجنوبية، في ظل تراجع معدلات هطول الأمطار وانخفاض مستويات المياه.

الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها على أسواق الطاقة والغذاء
أدت الحرب الروسية الأوكرانية – وما تزال – إلى اضطرابات في سلاسل إمداد الاقتصاد العالمي، بخاصةٍ وأنّها تدور في مناطق إنتاج الطاقة من نفط وغاز، فضلًا عن القمح وغيرها من المنتجات الغذائية، وذلك نتيجة تعطّل الصادرات عبر البحر الأسود، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، والعقوبات المفروضة على روسيا، هذا إلى جانب موجة اضطراب واسعة في الأسواق. وفي هذا الإطار، تؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أنّ هذا النزاع عطّل الإنتاج والتجارة والأسواق.
أجبرت الحرب أوكرانيا على اعتماد مسارات أطول وأكثر كلفة لصادراتها بدلًا من موانئ البحر الأسود، وأُغلقت الأسواق الأوروبية في وجه إمدادات الغاز الروسي بعد أن كانت تعتمد عليها لسنواتٍ طويلة، ودفعت أوروبا إلى إعادة تشكيل منظومتها الطاقوية، وتنويع مصادر الاستيراد، وزيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال القادم بحرًا. ساعد ذلك في تخفيف ارتهان هذه الدول لمصدر واحد، لكنّه جعل أمن الطاقة الأوروبي أكثر ارتباطًا بسلامة الممرات البحرية، ولا سيما مضيقا هرمز وباب المندب وقناة السويس.

الحرب تهدد باب المندب بعد هرمز
لقد أدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُوصف بأنّه «الأكثر حيوية في العالم»، حيث كان يمر عبره أكثر من 21 مليون برميل من النفط والسوائل النفطية يوميًا، لتنخفض هذه الكمية إلى نحو 4.9 ملايين برميل يوميًا خلال الربع الثاني من العام 2026 نتيجة التهديدات الإيرانية للسفن التي تعبر المضيق دون موافقتها. أمّا بدائل نقل النفط التي تتجنب مضيق هرمز فتبقى عاجزة عن سد الفجوة التي يحدثها إغلاقه، إذ لا تتجاوز طاقتها المجتمعة 9 ملايين برميل يوميًا.
أما الغاز الطبيعي المُسال الذي كان يمر عبر مضيق هرمز، فقد انخفض تصديره إلى أدنى مستوياته مع عدم توافر خطوط برية بديلة للشحن البحري؛ إذ يقتصر خط «دولفين» مثلًا، على نقل كميات محدودة من الغاز القطري، متعاقد عليها بالكامل لصالح الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان.
ولا تقتصر تداعيات تعطيل الملاحة في مضيق هرمز على النفط والغاز؛ إذ تشمل أيضًا تجارة الأسمدة والبتروكيماويات والمواد الأولية التي تنتجها دول الخليج. وهذا يعني أنّ الصدمة الطاقوية لن تظل محصورة في أسعار الوقود والكهرباء، بل لا بد من أن تنعكس على الزراعة والصناعة والنقل، ومن ثم على أسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية.
ويأتي استهداف الحوثيين لحركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ليضع سلاسل إمداد الطاقة وغيرها من السلع الاستراتيجية بين فكَّي كماشة، مما يولد حلقة تضخمية مترابطة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة أجور الشحن والتأمين، وترتفع كلفة تشغيل المصانع، فتزداد أسعار السلع النهائية، وتؤول هذه الأعباء في نهاية المطاف إلى المستهلك.

الجفاف يضرب من أوروبا إلى بنما
بالتوازي مع الحروب، برز الجفاف كعاملٍ إضافي يهدد الإنتاج والتجارة والطاقة، فضلًا عن الزراعة. فقد تفاقمت خلال هذا الصيف موجة الجفاف في أجزاء واسعة من أوروبا نتيجة ضعف المتساقطات وتكرار موجات الحر الشديد، وانخفضت مستويات نهري الراين والدانوب اللذين يكتسبان أهمية اقتصادية تتجاوز حدود الدول التي يمرّان فيها، إلى مستويات قياسية.
فنهر الراين، على سبيل المثال، يعدّ شريانًا رئيسيًا لنقل الفحم والوقود والمواد الكيميائية والحبوب والمنتجات الصناعية بين الموانئ الأوروبية والمراكز الإنتاجية في ألمانيا وفرنسا وهولندا وسويسرا. أما نهر الدانوب، فيربط وسط أوروبا وشرقها بالبحر الأسود، ويؤدي دورًا مهمًا في نقل الحبوب والمواد الأولية. ويسبب تراجع منسوب مياهه تحييد أحد المسارات التي اكتسبت أهمية إضافية لتعويض اضطراب الصادرات الأوكرانية عبر البحر الأسود. وهكذا تتقاطع آثار الحروب والجفاف، فتتعطل الموانئ البحرية ويحدّ الجفاف من قدرة الأنهار على توفير البدائل.
على الجانب الآخر من العالم، يُهدد الجفاف قناة بنما مجددًا، مع قرار هيئة القناة تقليص حركة السفن في ظل تراجع معدلات هطول الأمطار وانخفاض مستويات المياه اللازمة لتشغيل نظام الهويس، الذي يعتمد على مياه الأمطار المخزنة في منظومة البحيرات الواقعة داخل حوضها، وفي مقدمتها بحيرة جاتون. وذلك وسط مخاوف من أن تؤدي ظاهرة «النينيو» إلى إطالة أمد الضغوط على أحد أهم الممرات المائية في العالم.

بين نار الحروب والتغير المناخي
إنّ توالي الأزمات التي يواجهها الاقتصاد العالمي يزيد الحلول تعقيدًا ويُهدد استقرار المجتمعات، لا سيما الهشّة منها. فالحرب الروسية الأوكرانية هددت إمدادات الطاقة والحبوب والأسمدة، والحرب على إيران عطلت تدفقات النفط والغاز والأسمدة الزراعية وغيرها عبر مضيق هرمز، وامتداد التهديدات إلى باب المندب ضيّق إمكانات الالتفاف على الأزمة، فيما أدى الجفاف إلى خفض منسوب أنهار أوروبا وتهديد قناة بنما، واضعًا النقل والزراعة والطاقة تحت ضغط متزامن.
وبعد أن كان العالم يراهن على سرعة التجارة وانخفاض تكاليفها، تبدّلت أولوياته لتتركّز اليوم على تنويع مصادر الاستيراد، وتطوير البنى التحتية البديلة، ولا سيما خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والموانئ البديلة. وفي استمرار الحروب وتفاقم الظواهر المناخية الحادة، لن تقتصر التحديات على مقدار ارتفاع أسعار النفط أو الغذاء، بل ستشمل قدرة الاقتصاد العالمي على استدامة الإنتاج وضمان مرونة سلاسل الإمداد العالمية واستمراريتها.