ليال صقر الفحل


في مرحلة الشيخوخة، تطرأ على الإنسان جملةٌ من التحوّلات الجسدية والعقلية والنفسية والعصبية، تتفاوت حدّتها من شخصٍ إلى آخر، فتنعكس بدرجاتٍ مختلفة من العجز. وتستدعي كل حالة مستوى خاصًا من الرعاية والعناية والعلاج، تتداخل معها تحديات معيشية ناتجة عن تراجع القدرة الإنتاجية، وأخرى اجتماعية قد تدفع بالمسنّ نحو العزلة العائلية والاجتماعية، وهي من أشدّ ما يُثقل حياته ويؤثر في توازنه.


يُعد الدعم النفسي لكبار السن ضرورة أساسية للحفاظ على صحتهم مع التقدم في العمر، وذلك بحسب الاختصاصية في علم النفس العيادي كارلين فيعاني، إذ يواجه هؤلاء تحديات نفسية مثل الشعور بالوحدة أو القلق أو أعراض اكتئابية، وذلك في سياق تغيّرات حياتية كالتقاعد، أو مغادرة أفراد العائلة للمنزل. لذا، يصبح من المهم توفير بيئة داعمة تعزز قدرتهم على مواجهة التحديات اليومية.
بفعل عوامل إيجابية، أبرزها تحسّن الظروف الصحية والمعيشية، ازدادت قدرة المسنّين على مقاومة الأمراض ما أدى إلى ارتفاع متوسط أعمارهم في المجتمعات المتقدمة. ومع ذلك، تبقى التغيّرات الجسدية جزءًا طبيعيًا من مسار التقدّم في العمر، إذ تتراجع تدريجيًا حيوية العضلات والمفاصل والأوعية الدموية والعمليات الوظيفية لأجهزة الجسم بما فيها القلب والجهاز التنفسي. ورغم احتفاظ عددٍ كبير من كبار السن بحيويةٍ تفوق أقرانهم، فإنّ ذلك لا ينفي وجود مسارٍ تنازلي طبيعي، إذ إنّ الفرد قد يستنزف طاقته إلى حدودها القصوى، ما يؤدي إلى إجهاد أجهزة الجسم على حساب وظائف أخرى، وينعكس سلبًا على صحته.

الطفولة الثانية
توضح فيعاني أنّ المسنّ يبدو أكثر نضجًا مع تقدم العمر، إلا أنّ الأمر لا يعني تطورًا في الوظائف العصبية، بل على العكس، فالتغيرات تأتي على صورة نقصٍ تدريجي في فعالية الاستجابات العصبية، خصوصًا في بعض الجوانب مثل سرعة المعالجة أو أنواع محددة من الذاكرة، بما يشمل التفكير وسائر العمليات المرتبطة بحيوية الدماغ. أما بالنسبة إلى التغيرات النفسية، فتكون أكثر سرعةً ووضوحًا، إذ يميل المسن إلى التصلّب والتمسك بالأنماط المألوفة والروتين بشكل أكبر، ويصبح أقل قدرة على التكيّف مع محيطه عمّا كان عليه في المراحل السابقة، ويرافق ذلك انخفاض نسبي في مستوى الدافعية لدى البعض، غالبًا ما يرتبط بتغيّر الأدوار الاجتماعية أو إعادة ترتيب الأولويات.
أمّا في ما خصّ العلاقات الشخصية، فغالبًا ما تقتصر على دائرة مصغّرة من الأشخاص المألوفين، مع تركيز أكبر على الذات، وتراجع في المرونة، مع الإشارة إلى أنّ هذا التراجع ليس عامًا، إذ يحتفظ كثير من كبار السن بالقدرة على الحوار والتقبّل. كما يزداد بعض المسنّين تمسّكًا بما يتذكرونه من الماضي البعيد، في حنينٍ واضح للأيام الغابرة، في مقابل تراجع اهتمامهم بالحاضر، وذلك لأنّ بعض أنواع الذاكرة البعيدة تبقى أكثر ثباتًا من الذاكرة الحديثة. ويفسّر هذا الأمر التشبّث بالرأي والعناد وصعوبة الاقتناع والتقبّل لكل جديد. وفي المراحل المتقدمة من العمر، قد تظهر لدى بعض الأفراد صعوبات في تنظيم الانفعالات، خصوصًا عند وجود عوامل صحية أو عصبية مرافقة، فتبرز انفعالات أقوى أو أقل ضبطًا في بعض الحالات، لذلك توصف الشيخوخة عند هذه النقطة بالـ «الطفولة الثانية»، وهو توصيف مجازي شائع لكنه لا يعكس بدقة التعقيد النفسي لهذه المرحلة.

التغيّرات الاجتماعية
اجتماعيًا، تطرأ على الفرد تغيّرات مختلفة مع التقدم في العمر، بعضها قد يرتبط بصعوبة نسبيّة في التكيّف مع بعض التحولات الاجتماعية أو التكنولوجية، والبعض الآخر يعود إلى التبدّلات في العائلة، كغياب بعض أفرادها بسبب الوفاة أو الهجرة، أو تبدّل ظروف العمل، أو تدني مستوى المعيشة الذي يؤثّر في رفاهية المسنّ. وكلها عوامل تُحدث تغييرات في أسلوب الحياة، وفي تقدير المسن لذاته وجدوى حياته في العائلة المصغرة والمجتمع. غير أنّه من الواضح أنّ أثر هذه العوامل يتفاوت بين فرد وآخر، ويعتمد على المكانة التي يحظى بها المسن معنويًا في العائلة والمجتمع.

الشيخوخة السليمة والشيخوخة المريضة
إن وصف بعض الحالات بالشيخوخة السليمة، جسديًا أو عقليًا، لا يلغي وجود تغيّرات طبيعية تصيب أعضاء الجسم، وإن اختلفت حدّتها بين الأفراد تبعًا للاستعدادات الشخصية والظروف الحياتية، إيجابية كانت أم سلبية. وتزداد هذه التغيّرات مع تعرّض الإنسان للإجهاد والضغوط، أو استنزاف قدراته الجسدية والنفسية. ومن أبرز السمات التي قد تظهر: ضيق دائرة الاهتمام، ضعف الذاكرة، صعوبة تعلّم مهارات جديدة، البطء في أداء مهارات مكتسبة، تراجع الطموح، والانشغال المفرط بالصحة إلى حدّ الوسواس، إضافة إلى الشك في نوايا الآخرين.
كما تصيب كبار السن أمراض متعدّدة، كأمراض القلب والكبد والكلى، ما يؤثّر في قدرتهم على التكيّف مع متطلبات الحياة، ويعزّز لدى بعضهم الأعراض النفسية مثل القلق أو الاكتئاب، خصوصًا عند غياب الدعم المناسب. وغالبًا ما تتداخل الأعراض الجسدية مع النفسية والعصبية، إلى حدّ يصعب معه التمييز بين ما هو ناتج عن المرض وما يرتبط بطبيعة الشيخوخة وتراجع الخلايا العصبية. ومن أكثر الأعراض النفسية شيوعًا: القلق، والأفكار السلبية، وتراجع الثقة بالنفس وتقدير الذات، وهي عوامل قد تسهم في زيادة العزلة أو الاكتئاب إذا لم تتم معالجتها.

علاجٌ ضروري ودعمٌ ملحّ
تفرض مرحلة الشيخوخة مسؤولية أخلاقية واجتماعية تقضي بإحاطة المسنّين بالرعاية والاهتمام اللائقَين. ويتطلب علاج الحالات النفسية لديهم عنايةً مضاعفة مقارنةً بغيرها من المراحل العمرية، نظرًا لطبيعة الأمراض وبطء التعافي منها. ولعلّ أهم ما يحتاجه المسنّ، إلى جانب الرعاية الصحية، عدم حرمانه المقربين إليه، وإبقاؤه في الأماكن التي تؤمّن له الهدوء وراحة البال. وقد أثبتت الدراسات النفسية أنّه من الخطأ حرمان المسنّ مما تعوّد عليه كتغيير مكان السكن، ما لم يكن هناك أسباب مُلحّة تتعلق بوضعه الصحي مثلًا، وذلك أنّ التغيير يمكن أن يسبب ضغطًا نفسيًا أو يزيد من قابلية بعض الأفراد لاضطرابات مثل الاكتئاب، بخاصة عند غياب التهيئة والدعم.
كما أنّه من المهم إفساح المجـال أمام المسنين للقيام ببعض الأعمال التي لا تتـطلب جهدًا كبيرًا لأنّ إنجازها يُشعرهم بالفعالية وتقدير الذات. وتؤكد فيعاني أنّه من واجبنا أن نُشعرهم بقيمة وجودهم ودورهم المهم في حياتنا، بما يحفظ كرامتهم ويمنع شعورهم بالعبء أو التهميش.
كذلك، ينبغي تجنّب التعامل معهم بأسلوبٍ وصائي يفقدهم استقلاليتهم، وإن كانوا عاجزين عن قضاء بعض أمورهم بمفردهم، إذ يجب اعتماد الاحتواء والاحترام وتخصيص وقتٍ كافٍ للتواصل معهم، بما يعزّز إحساسهم بالأمان والراحة داخل الأسرة.

مؤشرات الاكتئاب
تتمثل أبرز أعراض الاكتئاب لدى كبار السن في الحزن وفقدان الأمل والانهزام وفقدان الإحساس بقيمة الذات، إلى جانب الإرهاق والخمول، علمًا أنّ هذه الأعراض تستمر لفتراتٍ زمنية طويلة. وتوضح فيعاني أنّه من الضروري العمل على تقليل العزلة عبر الانخراط في الأنشطة الاجتماعية، وممارسة الهوايات، والحفاظ على التواصل مع الأصدقاء والأقارب بشكلٍ منتظم، مع إمكانية الاستعانة بمتابعة نفسية متخصصة عند الحاجة. وفي السياق، تشدّد على توصياتٍ مهمةٍ لدعمهم نفسيًا، أبرزها ما يأتي:

  • مراقبة مؤشرات الاكتئاب والتدخّل عند الحاجة بمساعدة اختصاصيين في الصحة النفسية.
  • الإصغاء إليهم باهتمامٍ واحترام، بعكس ما يحصل في بعض السياقات. فعندما نمنحهم انتباهنا الكامل، نعزّز شعورهم بالتقدير.
  • احترام رغباتهم وقراراتهم، فغالبًا ما يُعامل كبار السن وكأنهم أطفال غير قادرين على اتخاذ قرارات بأنفسهم. لذا وما لم يكن أحد المسنين يعاني تدهورًا معرفيًا شديدًا، فإنّ له الحق والقدرة في التعبير عن نفسه واتخاذ القرارات المتعلقة بحياته.
  • تشجيعهم على المشاركة في أنشطة وهوايات مختلفة. فالترفيه عنصر أساسيٌ للصحة العقلية والرفاهية العاطفية خصوصًا لدى كبار السن. كما أنّ ممارسة الهوايات تُعد وسيلة للتعبير عن الذات، ولتعزيز الشعور بالفخر والإنجاز. وفي حال وجد بعض كبار السن صعوبة في تحديد أنشطة مفيدة بأنفسهم، يمكن دعمهم من خلال اقتراح أنشطة بمشاركة العائلة أو أحد أفرادها.
  • تأمين بيئة آمنة تراعي احتياجاتهم اليومية. ويمكن المساعدة في ضمان سلامتهم من خلال تحديد المخاطر وإزالتها من محيطهم، مثل إجراء التعديلات المنزلية التي تسهّل تنقُّلهم في المنزل بشكلٍ آمن.
  • دعمهم في العناية الذاتية عند الحاجة، بما يحفظ استقلاليتهم. فمع التقدم في العمر، قد تصبح مهام النظافة الشخصية والعناية الذاتية أكثر تحديًا. وفيما يتمكن بعض كبار السن من المحافظة على روتينهم اليومي، قد يجد آخرون أنّ الألم المزمن أو مشاكل الحركة تعيقهم عن تحقيقها، ما قد يزيد من قابلية ظهور أعراض نفسية مثل القلق أو الاكتئاب وانخفاض احترام الذات، بالإضافة إلى مشكلات نفسية أخرى.
  • تعزيز تواصلهم الاجتماعي مع العائلة والأقارب ومحيطهم الآمن للحد من العزلة والشعور بالوحدة.