المعاون كرستينا عباس

بينما يستعد معظم الناس ليوم عمل اعتيادي، يبدأ العسكري في الجيش اللبناني يومًا مختلفًا تمامًا. يومٌ لا تحكمه ساعات الدوام، ولا تنتهي مسؤولياته مع غروب الشمس.
أربعٌ وعشرون ساعة لا تشبه سواها، يعيشها العسكريون في الجيش يوميًا إلى حين إنهاء سنوات خدمتهم، وأحيانًا حتى الاستشهاد… هي أسلوب حياة قائم على الانضباط والالتزام والاستعداد الدائم لخدمة الوطن، حافلٌ بالمسؤوليات والواجبات العملانية، إلى جانب الجهوزية الجسدية والذهنية والتأهب المستمر.
وبين التدريبات والمهمات الأمنية والعمل الميداني، تتشكّل تفاصيل هذه الساعات في إطارٍ من النظام والدقة والتضحية.

لا يبدأ يوم العسكري عند التحاقه بمركز خدمته، بل قبل ذلك بساعاتٍ. ففي الليلة السابقة يجهّز بزّته العسكرية وعتاده ويحزم حقيبته، استعدادًا ليوم قد يحمل أي مهمة.
العريف حمود واحد من هؤلاء. عند الخامسة فجرًا يبدأ نهاره؛ يحلق ذقنه ويرتدي بزّته بعناية استعدادًا للتوجّه إلى مركز خدمته الواقع في منطقة العبودية، لأنّ المظهر اللائق يعكس الانضباط الذي يُعد من أهم القيم العسكرية. لكن الوصول إلى هناك ليس مهمة سهلة.
ينتظر حافلة النقل المشترك التي تؤمّن رحلة واحدة كل يومين، ومنها إلى شتورا، ثم ينتقل إلى حافلة أخرى، قبل أن يصل إلى نقطة تجمّع «الفانات» التي خصّصها الفوج لنقل عناصره. وعند الثامنة والربع تقريبًا يبدأ الجزء الأخير من الرحلة عبر طريق الهرمل – الشمال نحو حاجز شدرا، ثم إلى العبودية، حيث تقع آخر نقطة للفوج الذي ينتمي إليه.
لا تختلف معاناة الرقيب الأول دكروب كثيرًا، إذ فرضت الأوضاع الأمنية والحرب تغيير طريق التنقل المعتادة، ما يجبره على سلوك طرقٍ أطول وأكثر صعوبة للوصول إلى مركز خدمته في الجنوب.

مع أولى ساعات النهار… تبدأ المهمات
داخل الثكنة، يبدأ النهار بالتعداد الصباحي، حيث يقف العسكريون في صفوفٍ منتظمة، فتُوزّع عليهم المهمات ويتلقّون التعليمات والتوجيهات اليومية.
ويلفت المؤهل الأول الورّاق إلى أنّ الرياضة الصباحية تشكّل محطة أساسية في البرنامج اليومي، لأنّها تحافظ على القدرة البدنية واللياقة المطلوبة لتنفيذ مختلف المهمات العملانية المختلفة.
بعدها، يتوجه كل عنصر إلى موقعه. فآمر الحضيرة يوزّع المهمات على العناصر، وأمين السر يتابع ويجهّز بريد السرية، وأمين المخزن يتولى تعهّد الأسلحة والعتاد، فيما ينطلق العسكريون الآخرون لتنفيذ مهماتهم الميدانية.
المعاون جابر، من سرية الاحتياط في أحد ألوية الجيش، يشارك في تنفيذ العديد من المهمات كمداهمة مطلوبين، والتدخل لفضّ الإشكالات، وملاحقة المخلّين بالأمن. سريته تبقى بكامل عناصرها وآلياتها في جهوزية دائمة للتدخل خلال وقت قصير في حال حدوث أي طارئ على الحدود البقاعية.
أمّا الرقيب الأول دكروب، فاختصاصه هندسة قتال، وهو مجالٌ يحمل مخاطر كثيرة بسبب التعامل المباشر مع التفخيخات والعبوات غير المنفجرة والأجسام الغريبة التي تخلّفها الحرب، وهي موجودة بكمياتٍ كبيرة في منطقة مرجعيون حيث مهمّة دكروب. وتفكيك هذه المخلفات يحمل خطرًا كبيرًا على حياة العناصر لأنّ الخطأ فيها قد يكون الأخير ويكبّد العسكري حياته.
ننتقل إلى الحدود الشمالية حيث يقضي العريف حمود ساعات طويلة أمام شاشات المراقبة، يتابع الكاميرات المنتشرة على البرج التابع للفوج، ويرصد أي محاولة تهريب أو تحرك مشبوه أو وجود عناصر مسلّحة غير قانونية، أو إرهابيين، بالإضافة إلى كل خطر ممكن أن يمسّ أمن الحدود والمنطقة. يخبرنا أنّه يوثّق جميع مشاهداته بالتفصيل في «سجل المشاهدات»، كما يواكب الدوريات من الكاميرات ويساعدها في تنفيذ كمائن ضدّ المخلّين بالأمن، ويشارك أحيانًا بنفسه في تلك الدوريات.

بين التدريب والتنفيذ
بالطبع لا تقتصر حياة العسكري على تنفيذ المهمات اليومية، فثمة جزء كبير مخصص للتدريب. وفي المؤسسة العسكرية، لا ينتهي التعلّم بانتهاء دورة التطوع، بل يستمر طوال سنوات الخدمة. لذلك، يخضع العسكريون بصورةٍ دورية لدوراتٍ تدريبية متخصّصة تتمّ أحيانًا بالتعاون مع فرق تدريب أجنبية، بهدف تطوير مهاراتهم القتالية والقيادية، هذا ما يقوله المعاون الأول خوري، رتيب كتيبة في لواء مشاة مؤلل.
وتهدف جميع التمارين والبرامج إلى بقاء العسكري متأهبًا وفي جهوزية تامة لتنفيذ جميع مهماته. ولهذا، لا تُعد ساعات الراحة في الحياة العسكرية حقًا ثابتًا، إذ قد تُختصر أو تُلغى بالكامل إذا استدعت الظروف مهمة عاجلة أو حالة استنفار. ويبقى عدد محدد من العناصر جاهزًا على مدار الساعة استعدادًا لتلبية النداء والتحرّك فور تلقّي الأوامر.

ساعات محفوفة بالصعوبات
مع حلول المساء، يغادر بعض العسكريين الذين أنهوا دوامهم، فيما يبدأ آخرون مرحلة مختلفة من اليوم: نوبات الحراسة الليلية التي تُعتبر من المهمّات الحساسة كونها تتطلب تركيزًا مستمرًا وانتباهًا لأدق التفاصيل.
يقف العسكري طوال نوبة الحرس في موقعه، يراقب محيطه بدقّةٍ ويتأكد من أمن المنطقة، سواء كانت ثكنة أم مركزًا حيويًا أم نقطة مراقبة، فأي لحظة «غفلة» قد تكون مُكلفة. أمّا العسكريون الذين هم خارج نوبات حراستهم، فيستغلون الوقت لتنظيف معداتهم الشخصية وتجهيز عتادهم، ذلك أنّ صيانة العتاد جزء لا يتجزأ من الجهوزية العسكرية.
عندما تسمح ظروف الخدمة، يقتنص العسكري دقائق قليلة يتواصل خلالها مع عائلته، في ما يشبه «استراحة المحارب» قبل أن يبدأ يومًا جديدًا.

أكثر من مجرد وظيفة
الساعات الأربع والعشرون التي يقضيها العسكري، لا تخلو أبدًا من الصعوبات والمشقات التي يحاول اجتيازها والتصدّي لها. من المشقّات الجسدية والنفسية، إلى الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الأوضاع الراهنة في البلاد، وكل ما يرافق هذه الظروف من إرهاقٍ جسدي، وتنقلات شاقة، يتمكّن العسكريون من تخطّيها والتأقلم معها من خلال التدريب المستمر والانضباط والحفاظ على الجهوزية. ولكن ما لا يمكن تعويضه أو التعايش معه هو استشهاد أحد الزملاء العسكريين في المعارك، فرفاقه لن ينسوه أبدًا، ولن يفرّطوا بدمائه مهما اشتدّت الظروف.
رغم الصعاب والمشقات، يواصل العسكري أداء واجبه، مدفوعًا بإيمانه برسالته الوطنية. فلا تقتصر المهمات التي ينفّذها على المهمات الدفاعية والأمنية، بل يقف إلى جانب المواطنين في الأزمات والكوارث، ويؤدي دورًا يتجاوز حمل السلاح إلى حماية الإنسان والوطن معًا.

وهكذا، تنقضي أربع وعشرون ساعة في حياة العسكري في الجيش اللبناني بين التدريب والعمل والانضباط والواجب. يومٌ قد يبدو عاديًا في ظاهره، لكنه يحمل في تفاصيله مسؤوليات لا تتوقف، وجهوزية لا تعرف الراحة، ورسالة تجسّد معاني الشرف والتضحية والوفاء في خدمة الوطن والمواطن!