نور كيروز

في لقاءٍ مبهرٍ بين الحداثة والموسيقى، احتضن متحف جامعة الروح القدس – الكسليك أمسية فنية ثقافية تحت عنوان ”الفن في حركة: حوار بين الصورة والموسيقى والذاكرة“، وذلك تجاوبًا مع مبادرة ”ليلة المتاحف“ التي أطلقتها وزارة الثقافة.
لم يكن الزوار أمام معرضٍ فنّي تقليدي، بل انغمسوا في تجربة حسّية، بصرية وسمعية، ضمن ما يُعرَف بالـ ”المعرض الغامر“. فعلى وقع موسيقى أبدعها طلاب كلية الموسيقى، وبمجهود طلاب كلية الهندسة المعمارية والتصميم، تحوّلت لوحات روّاد الفن التجريدي اللبناني إلى صور متحركة تنبض بالضوء والإيقاع.

ارتكز العرض على تقنيات الإسقاط الضوئي ثلاثي الأبعاد، وأشعة الليزر، والتوائم الرقمية التي تمثل نسخًا رقمية مطابقة للّوحات الأصلية بأبعادها وتفاصيلها، ما خلق تجربة تفاعلية أَسَرت المشاعر وفتنت الحواس، ونقلت الزائر من موقع المتفرج إلى قلب المشهد الفني.
وقد أوضحت مديرة المتحف، الدكتورة إلسي الديك أبو جودة، خلال استعراضها اللوحات الفنية المشاركة، أنّ توظيف التقنيات الحديثة يتيح قراءة اللوحات من زوايا جديدة ويكشف الإبداع بتفاصيله، عبر الحركة الأخّاذة التي تدعو إلى التأمل، ما يسهم في استقطاب فئاتٍ جماهيرية جديدة.

التكنولوجيا في رحاب الفن
يُذكر أنّ هذا النوع من العروض لا يندرج ضمن المعارض التقليدية، بل ينتمي إلى ما يُعرف بـ «المعرض الغامر» (Immersive Exhibition)، وهو مفهوم يقوم على دمج العمل الفني بالتقنيات الرقمية، حيث تحيط الإسقاطات الضوئية والموسيقى والمؤثرات البصرية بالزائر، فيعيش اللوحة بدلًا من الاكتفاء بتأملها.
وقد تبلور هذا المفهوم تدريجيًا مع تطور تجارب العرض الفني خلال النصف الثاني من القرن العشرين، قبل أن يشهد قفزة كبيرة مع الثورة الرقمية. ومن أبرز نماذجه العالمية معرض Atelier des Lumières في باريس، الذي يعرض أعمال كبار الفنانين، مثل فان غوغ، وكليمت، وبيكاسو، عبر إسقاطات عملاقة تغطي الجدران والأرضيات، متزامنة مع الموسيقى والمؤثرات الصوتية. وانتشرت هذه التجربة لاحقًا في اليابان وهولندا والولايات المتحدة وإيطاليا والإمارات العربية المتحدة، وصولًا إلى لبنان الذي بدأ بدوره يحتضن معارض غامرة تستفيد من هذه التقنيات.

لوحات تستحضر الإحساس والذاكرة
في أمسية الكسليك، اختيرت أعمال أربعة من رواد الفن التجريدي اللبناني لتكون محور هذه التجربة الرقمية، في محاولة لإعادة تقديمها بلغةٍ بصرية معاصرة، أبرزت ما تختزنه من أشكال وخطوط متحررة من المحاكاة المباشرة للواقع، من دون المساس بقيمتها الفنية.
وقد حظي الحضور بفرصة معاينة تفاصيل الأعمال وسكونها بشكلٍ مباشر بعد العرض.

 

التجريد عالم داخلي
بقوامٍ عامودي متوازن، استقرت لوحة تجريدية للفنان جان خليفة (1923-1978)، اعتمد في رسمها الألوان الزيتية الأساسية الثلاثة: الأحمر والأزرق والأصفر، مع لمساتٍ خضراء خفيفة. وقد أتاح استخدام الزيت طواعية ملموسة في حركة الفرشاة ودمج الألوان، ما تجسّد في اللوحة إحساسًا بالارتقاء والانعتاق.
وتنبع أعمال خليفة من رؤيته الخاصة التي تجد في العالم الخارجي «مجرّد ملحق»، وهو ما اختصره بقوله: «أرتدي لوحاتي في أعماقي». وقد استخدم اللون كوسيلةٍ بصرية للتعبير عن تأثره بالطبيعة اللبنانية، ومناظرها الخلابة. وسعى من خلال أعماله إلى تجسيد مشاعره وحالته الداخلية بحركةٍ تجريدية حرة، إنّما منتظمة وفق قراءته الإنسانية والروحية.

الذاكرة المرسومة بالألوان
كما استعاد المعرض لوحتَين للفنان شفيق عبود (1926-2004)، أحد أبرز رواد الفن التشكيلي اللبناني، بحيث تحولت طبقات الألوان الزيتية وضربات الفرشاة إلى مساحة تستحضر الإحساس والذاكرة.
وفي أعمالٍ تتآخى فيها الحركتان التجريدية والتعبيرية، جعل عبود من اللوحة مساحةً لطرح الأسئلة الوجودية، لا مجرد عمل جمالي، وهو ما عبّر عنه بقوله: «لوحاتي ليست أشياء جميلة فقط، بل هي أسئلة أضعها على القماش حتى لو لم أجد لها أجوبة».

إيقاع الحركة واللون
وعلى وقع الموسيقى، بدت أعمال حليم الجرداق (1927-2020) وكأنها تتراقص على النغم الساحر والعذب، بخطوطها الحرّة وألوانها النابضة التي تعكس انفعالًا صادقًا مع العمل الفني. ولم يقتصر الجرداق على وسيط واحد، بل استخدم مختلف المواد للتعبير، من الكولاج إلى المعادن، فالألوان المائية والأكليريك والزيت.
وتتميز أعماله ببنيةٍ تجريدية هندسية تعطي انطباعًا بزحمة الأفكار على القماش، وهو ما منحها حضورًا لافتًا ضمن العرض الرقمي، حيث انسجمت مع الإسقاطات الضوئية وحركة الموسيقى. واستلهم الفنان موضوعاته من القرية اللبنانية، والمرأة، والوجودية، والغربة والحرب، مراهنًا على العفوية والصدفة في العملية الإبداعية، في محاكاةٍ فنية لمقولة ديكارت الشهيرة: «أنا ألوّن، إذًا أنا موجود».

بلاغة الفراغ
أما لوحات الفنانة التشكيلية فيهو فيرا ييراميان (1926-1990) المتوازنة بين التشخيص والتجريد، فاعتلت المسرح الرقمي على وقع الألحان معانقةً الحواس في رحلةٍ فنية غامرة.
وتُعد ييراميان من مطوّرات الفن الحديث في لبنان، في زمنٍ كانت فيه ريشة المرأة مترددة في العالم العربي. ومن خلال إحياء الأشكال الهندسية بهيئةٍ بشرية، ظهرت أعمالها في المعرض بلغةٍ تشكيلية فريدة، بعيدة عن التفاصيل الملموسة لجسم الإنسان. وخلافًا لباقي الأعمال الفنية ضمن هذه الأمسية، توازنت ألوانها الهادئة مع النمط الموسيقي، ملقيةً الضوء على مشاهد يومية للإنسان كالجلوس والتأمل، معتمدة الفراغ شرطًا للتكوين وراحة للبصر.

من متفرج إلى شريك في العمل الفني
ممّا لا شك فيه أنّ اللوحة الفنية تستمد قيمتها الحقيقية من مكوّناتها وطريقة عرضها للفكرة التي تحملها، ومن التجربة الإنسانية التي صاغها الفنان على القماش. فلوحة Starry Night مثلًا، التي أنجزها فان غوغ في العام 1889 لا تزداد قيمةً بإطارها أو مكان عرضها، لأنّها عبارة عن إبداعٍ فنّي نابع من مخيّلة ملهمة وحالة نفسية خاصة، إلى شغفٍ اختبره الفنان خلال رسمه اللوحة. ومع ذلك، فإنّ المعرض الغامر يضيف بُعدًا جديدًا إلى هذه العلاقة؛ فهو لا يغيّر جوهر العمل الفني، بل يغيّر طريقة تلقّيه، إذ يتحوّل الزائر من متفرج يكتفي بالمشاهدة إلى مشارك يعيش اللوحة بكل حواسه.
ولعل هذه التجربة تؤكد أنّ الفن قادر على مواكبة التطور التقني من دون أن يفقد أصالته، وأنّ لبنان، رغم تحدياته، لا يزال يحتضن مبادرات ثقافية تكرّم رواد الفن التشكيلي، وتعيد تقديم إرثهم بلغةٍ معاصرة تفتح أبواب المتاحف أمام جمهور جديد.