روجينا خليل الشختورة
في زمن الأزمات؟
روجينا خليل الشختورة
في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها اللبنانيون، من انهيار العملة وارتفاع الأسعار إلى تداعيات الحرب والأوضاع الأمنية، يتجه البعض إلى اعتماد ثقافة التوفير والادّخار بينما يعتمد آخرون سلوكًا مناقضًا يتمثّل في زيادة الاستهلاك. فما هي العوامل التي تحدد السلوك المالي للأفراد، وكيف يمكن تحقيق التوازن بين السعي لتلبية الحاجات اليومية ومواكبة متطلبات الحياة، وبين ضرورة الادّخار والتخطيط للمستقبل؟ وكيف يتحكّم الوعي المالي في سلوكنا وقراراتنا؟
بدايةً لا بد من الإشارة إلى أنّ الوعي المالي لا يقتصر على إدارة الأموال فحسب، بل هو عنصر أساسي في توجيه سلوك الأفراد واتخاذ قراراتهم اليومية. وفي هذا السياق، تشير الاختصاصية في علم النفس العصبي الدكتورة جوليانا كنعان ديب، إلى أنّ الاستهلاك غير المدروس قد يؤدي إلى ضغوط مالية متراكمة، في حين يسهم التوفير المنتظم في تحقيق قدرٍ من الأمان والاستقرار على المدى البعيد. فالادّخار لا يعني الحرمان، بل هو فن إدارة الموارد بطريقةٍ ذكية توازن بين متطلبات الحاضر واحتياجات المستقبل.
بالطبع لا يمكن فهم السلوك المالي بمعزلٍ عن الواقع المعيشي. ففي لبنان اليوم، تغيّرت أنماط الاستهلاك بشكلٍ واضح، إذ اضطر العديد من العائلات إلى إعادة ترتيب الأولويات، فبات التركيز على الأساسيات مثل الغذاء والدواء والتعليم، فيما تمّ التخلي جزئيًا أو كليًا عن الكماليات، وذلك وفق القدرات المادية المتاحة.
على طرفَيْ نقيض
بين الإنفاق والادّخار، تباينت سلوكيات اللبنانيين بشكلٍ لافت؛ فمنهم من ينفق بلا تردّد، وكأنّ الغد غير مضمون في ظل حالة عدم اليقين، ومنهم من يتجه إلى التشدد في الادّخار خشيةً من الأسوأ، فيما اختار آخرون التوفير لا بدافع الخوف، بل تمسّكًا بأمل أن يحمل الغد ما هو أفضل.
عوامل تتحكم بالسلوك المالي
لا يمكن فصل هذه السلوكيات عن العوامل النفسية والاجتماعية، إذ تلعب الثقافة السائدة وضغط المجتمع دورًا في دفع بعض الأفراد إلى إنفاق يفوق قدرتهم للحفاظ على صورة اجتماعية معيّنة، ما يخلق فجوةً بين الدخل والاحتياجات الفعلية. كما أنّ الاستهلاك لا يرتبط فقط بتلبية الحاجات الأساسية، إذ يمكن أن يلجأ المرء إلى الشراء كوسيلة للتعويض العاطفي أو للهروب من التوتر والقلق، وهو ما يُعرف بـ «الاستهلاك التعويضي»، حيث يتحول الإنفاق إلى وسيلة لتنظيم المشاعر.
في المقابل، يرتبط الادّخار بقدرة الفرد على ما يُعرف بـ «تأجيل الإشباع»، أي مقاومة الإغراءات الآنية لتحقيق مكاسب مستقبلية، وهي مهارة نفسية أساسية تعزز القدرة على التخطيط المالي السليم. إلا أنّ هذه القدرة تتأثر بشدةٍ في ظل الأزمات، إذ يؤدي الضغط النفسي المستمر إلى إضعاف التحكم في القرارات، ودفع الأفراد نحو سلوكيات اندفاعية أو متطرفة.
كما تلعب الخبرات السابقة دورًا محوريًا في تشكيل العلاقة مع المال. فالأشخاص الذين نشأوا في بيئات تفتقر إلى الأمان المادي قد يميلون إما إلى الادّخار المفرط بدافع الخوف، أو إلى الإنفاق المندفع كرد فعلٍ على الحرمان. ويتفاقم هذا التأثير في ظروف استثنائية كالحروب، إذ يولّد العيش تحت التهديد المستمر مستويات عالية من القلق وعدم اليقين.
وفي هذا الإطار، تشير الدكتورة ديب إلى إمكان تفسير هذه السلوكيات من خلال نظريات علم النفس، مثل نظرية التقييم والتكيّف، التي تفيد بأنّ استجابة الفرد للضغوط ترتبط بتقييمه الذاتي للموقف وقدرته على التكيّف معه. كما أنّ التعرض المستمر للصدمات قد يؤثر في عمليات التفكير والتخطيط واتخاذ القرار، ما يدفع الأفراد إما إلى الإفراط في الإنفاق كنوعٍ من الهروب، أو إلى التقشف المُبالغ فيه كوسيلةٍ للشعور بالأمان.
ومن الجوانب اللافتة أيضًا الشعور بفقدان السيطرة، الذي يدفع الأفراد إلى محاولة استعادتها عبر التحكم المفرط بالإنفاق أو الادخار. ففي ظل عدم الاستقرار، يصبح المال أحد الوسائل القليلة التي يشعر الإنسان أنه ما زال قادرًا على إدارتها، ما يفسر بعض السلوكيات المتطرفة في التعامل معه.
انطلاقًا من ذلك، يغدو تحقيق التوازن بين الاستهلاك والتوفير عمليةً معقدة تتطلب وعيًا مزدوجًا: وعيًا ماليًا يقوم على التخطيط وتحديد الأولويات، ووعيًا نفسيًا يساعد على فهم الدوافع الداخلية وتنظيم الانفعالات. فالإدارة الجيدة للموارد لا تعكس فقط حكمة اقتصادية، بل تعبّر أيضًا عن نضج نفسي وقدرة على التكيّف مع متطلبات الحياة، لا سيما في البيئات غير المستقرة.
وفي الختام، يمكن القول إنّ الأزمات، رغم قسوتها، تدفع الأفراد إلى إعادة النظر في سلوكياتهم المالية والنفسية على حد سواء. وبين الاستهلاك والتوفير، يبقى الوعي والاعتدال الركيزة الأساسية لتحقيق قدرٍ من الاستقرار. كما أن دعم الصحة النفسية وتعزيز مهارات التكيف، مثل القدرة على تأجيل الإشباع، لا يُعدّا ترفًا، بل ضرورة ملحّة لمواجهة التحديات وبناء مستقبل أكثر توازنًا، حتى في أصعب الظروف.





