د. هيام كيروز – كاتبة وباحثة
”أبناء لبناني… هم الشعراء الذين يسكبون أرواحهم في كؤوس جديدة،
وهم شعراء الفطرة الذين ينشدون العتابا والمْعَنّى والزجل“. جبران خليل جبران
في المدى الممتد بين قمم لبنان وجذور الأرز الضاربة في عمق التاريخ، وُلد صوت لم يكن مجرّد غناء، بل كان شهقة الأرض الطالعة من ضيق الكلمة إلى رحابة النغم. إنّها ”العتابا“، تلك الآية الشعرية العفوية التي نبتت في طين القرى، واقتاتت من مواسم الفرح والحزن، وصيغت بدموع الفراق وعرق الحصادين. وهي ذلك الينبوع الشعبي العميق الذي لم يجفّ في الذاكرة اللبنانية، بل ظلّ يتدفق كلّما ضاقت اللغة عن حمل الشوق واتسعت الروح لحنين لا يقال إلا غناءً.العتابا هي الهوية الصوتية لوطن كتب تاريخه بالــ «أووووف» والارتجال، ولخّصت أجياله المتعاقبة فلسفة الوجود في أربعة أشطر. ومع هذا، فهي لا تُسمع بوصفها تراثًا من الماضي فحسب، بل بكونها أثرًا حيًّا لزمن كانت فيه الكلمة تُقال من القلب إلى القلب، وتخرج محمّلة بملح الأرض، ودفء السهرات التي كانت تجمع الناس حول الحكاية والصوت والذاكرة. ولعلّ سرّ ديمومة العتابا يكمن في تلك القدرة الفطرية السحرية على تطويع اللغة العامية اللبنانية لتصبح مرآة مصقولة للروح. فتراها تارةً تفيض حنينًا يليّن الصخر، وتارةً تنتصب رمحًا من كبرياء. وفي الحالتين، تنساب بارتجال بديهي يلامس الوجدان.
في هذا المقال، محاولة لمقاربة إرث العتابا، وتلمّس دلالاته الباطنية الغنية التي تختبئ خلف جناس قوافيه، واقتفاء أثر البحر «الوافر» وهو يتهادى على ألسنة الشعراء. إنها محاولة لقراءة العتابا لا كفلكلور عبَر، بل ككلمةٍ ونغم شكّلا طوال عقود عصب الوجدان اللبناني، وفلسفة عيش كُتِبَت بماء الروح العصيّة على النسيان.
البنية الفنيّة واللغوية للعتابا… معمار الكلمة والنغم
العتابا، ويُقال لها أيضًا «الجبّورية»، نسبة إلى قبيلة الجبّور البدوية؛ وقد تكون الكلمة مشتقّة من مصطلحات قديمة ترتبط بــ «التعتيب» أي النواح الجنائزي الجبلي القديم. وهي فنّ زجلي صعب. كانت في بداياتها تزاوج بين العامية والفصحى، في لغة تستطيبها الذائقة الشعبية، وفي مرحلة لاحقة، وتحديدًا مع الشاعر الياس النجار، تخلّصت من كل أثر للفصحى وبلغت نقاء العامية الصرف.
• جناس اللفظ وعمق المعنى
تقوم العتابا على تركيبة رباعية للأشطر، حيث تنتهي الأشطر الثلاثة الأولى بكلمةٍ واحدة متجانسة اللفظ تمامًا ومختلفة المعنى، وهذا ما يُعرف بالجناس التام، بينما ينتهي الشطر الرابع بالباء والألف المقصورة، أو الممدودة، بحسب المنطقة وطريقة الإنشاد، مما يخلق توازنًا موسيقيًّا مدهشًا يعتمد على المفاجأة اللغوية، وتُسمّى القطعة من العتابا «بيت».
• الوزن والإيقاع
تتميّز العتابا بإيقاع غنائي واضح يساعد على حفظها وترديدها. ويشير بعض دارسي هذا الفنّ إلى ارتباطها بالبحر الوافر مع اختلافات في الأداء الشعبي واللهجات المحلية، ولا سيما في الشطر الرابع. ولا يلتزم منشدو العتابا دائمًا بالتقطيع العروضي الصارم. فالأداء الشفهي، ومدّ الأصوات، وطريقة النطق، كلّها عناصر تؤثّر في الإيقاع. لذلك قد تختلف العتابا بين منطقة وأخرى مع احتفاظها ببنيتها الأساسية.
• سر الارتجال الفذّ
يمثّل الارتجال الصوتي والشعري النواة الوجدانية لفنّ العتاباـ فهو لا يتوقّف عند حدود الأداء الموسيقي، بل يتجاوزه ليكون فعلًا بنيويًّا يعيد إنتاج النص آنيًا حيث تتلاقى فيه سرعة البديهة الشفوية مع المهارة اللغوية في صياغة الجناس التام، صلب الهيكل الشعري. هذا التدفّق العفوي لا ينفصل عن سياقه المقامي، إذ يرتكز الارتجال صوتيًّا على مقام البيان ذي الشجن والخصوصية الشرقية، مستفيدًا من مرونة صيحة «الأوف» التمهيدية لتهيئة الحنجرة، وضبط المساحة النغمية في العتابا كونه مجرّد استعراض للموهبة، ليصبح أداة سيكولوجية حيّة وتفاعلية، تمنح «القوّال» القدرة على التقاط نبض المتلقّي اللحظي، وتوثيق المناسبات والمشاعر فور وقوعها. ويرى نقّاد الموسيقى أنّ مدّة «الأوف» تشبه تنهيدة الجبال، أو صوت الريح في الوديان، مما يربط الإنسان ببيئته.
سوسيولوجيا العتابا… تحوّلات الوجدان الشعبي
لم تكن العتابا يومًا مجرّد لونٍ شعري، بل ذاكرة أجيال حوّلت التجربة اليومية بما تحمله من تعب وحنين وقسوة وشوق ورجاء، إلى فنّ نابض بالمعنى والجمال، ووثيقة تاريخية سجّلت وجدان جماعة، ونبض قراها، وتحولات مجتمعها عبر أربعة مظاهر أساسية:
•مواسم الأر ض والقرية
ارتبطت العتابا ارتباطًا عضويًّا باليوميات. فكانت رفيقة الفلاح في حقول القمح والتبغ، وفي كروم العنب وبساتين الزيتون، ومواسم الحصاد.
• وجع الغربة ولوعة الاغتراب
يُعَدّ نزيف الهجرة اللبنانية من أبرز الظواهر الاجتماعية التي وثّقتها العتابا، فتحوّلت إلى بريد وجداني يحمل الفراق والحنين ودمع الأمهات، وحسرة الآباء. ويُعتبر الشاعر أسعد السبعلي «شاعر الاغتراب الأول» في لبنان.
• وثيقة كبرياء ومقاومة
في مجتمع جبلي يعتز بالحرية، كانت العتابا السلاح السلمي الذي يعبّر من خلاله الشاعر عن رفضه للظلم، متغنّيًا بالأنَفة والفخر والانتماء. وقد ازدهر هذا الفنّ تاريخيًّا بين الفئات التي عانت من الاضطهاد العثماني والانتداب الفرنسي.
• في الحب والشوق
إلى كونها مرثية للمعاناة والجور أحيانًا، شكّلت العتابا في جوهرها المرآة الوجدانية الصافية لمشاعر العشق ولوعة الشوق في الوجدان الريفي. وتحوّل الحبّ من خلالها إلى حالة من الحلول والتماهي الصوفي مع ذات المحبوب، حيث يصبح العتاب أداة لتطهير النفس من ألم البعد. مما يجعل من البيت الشعري دفقًا شعوريًّا قادرًا على اختزال المسافة وتجسيد لوعة الانتظار، ومن أبرز مَن برعوا في هذا المجال الشاعر خليل روكز.
مدارس الارتجال… بناة الذاكرة الشفوية وصنّاع النغم الخالد
لا يوجد اتفاق كامل على اسم واحد يمكن اعتباره المؤسّس الوحيد للعتابا اللبنانية. فهذا الفنّ تراث شفهي تَشكَّل وتطوّر وانتقل من جيل إلى آخر بالغناء والحفظ. ولم يكن روّاد العتابا ناظمين للكلمة ومؤدّين للنغم فقط، بل كانوا في جوهر دورهم السوسيولوجي والثقافي بناة حقيقيين للذاكرة الجماعية، وصكوكًا شفهية تحفظ هوية القرية اللبنانية بجميع تفاصيلها الوجدانية والتاريخية. وقد شكّل هؤلاء المبدعون حلقة الوصل المفصلية التي نقلت شعلة العتابا من مساحتها الريفية العفوية المحصورة إلى آفاق التوثيق الإنساني الخالد، مطوّعين إرثًا غنائيًّا شعبيًّا ليصبح هوية عابرة للجيل والزمن. وإذا كانت العتابا قد بلغت ذروة مجدها، فبفضل روّاد تركوا بصمة لا تُمحى في سجل الفولكلور المشرقي. ومن الذين لمعت أسماؤهم:
– رشيد نخلة: من الروّاد الأوائل الذين نظموا العتابا بأسلوب أدبي جذاب.
– أنيس الفغالي: أحد عمالقة الارتجال والمنبر الذي عُرف بقدرته العالية على صياغة أبيات العتابا الجزلة التي تجمع بين التحدّي الشرس وعمق الحكمة الشعبية.
– رامح مدلج: يلقّب بملك العتابا البعلبكية، امتاز بدمجه الغزل بالعتابا الواثقة المرافقة للنغم الحزين لآلة «الربابة».
– أسعد السبعلي: الذي طوّع العتابا بدقّة لغته وجناسها السلس..
– يوسف حاتم: الذي نال لقب «أمير العتابا» لشدّة تمكّنه وبلاغته.
– إلياس النجار: «الملك بين زعما هالفنّ» وفق ما قال فيه الشاعر سعيد عقل. برز كحالةٍ استثنائية. تكمن عبقريته في موهبته الفطرية التي تفتّحت من الطفولة، إذ ارتجل قصيدته الأولى بعمر الثماني سنوات، وفي «أنسنة» العتابا، فبعد أن كانت حبيسة الألفاظ المستعارة من الفصحى، تفنّن في تنقيتها بلغة محكية بالغة السلاسة، وبصياغة الجناس بطريقة مدهشة.
– طانيوس كيروز: اتّسمت عتاباه بالمسحة الوجدانية المفرطة، وبالغزل وبمناجاة الطبيعة.
– علي الجباوي: امتاز بصياغة الحكم المأثورة وتحويلها إلى أبيات عتابا.
حسبنا هذا الغيض من فيض الروّاد ممّن ضاقت عن حصرهم المساحة واتسعت لهم الذاكرة.
عروق التراث: التلاحم بين العتابا والزجل
لا بدّ من التنويه والالتفات إلى العلاقة العضوية التي جمعت المنبر الزجلي بالعتابا، ما عزز فرادتها التاريخية، إذ خاض غمارها عمالقة جمعوا بين عبقرية الارتجال الزجلي وسحر العتابا في آن. يتجلّى ذلك في مسيرة روّاد الشعر والزجل، مثل أمين نخله، ميشال طراد، شحرور الوادي (أسعد الخوري الفغالي)، خليل روكز، موسى زغيب، زغلول الدامور (جوزيف الهاشم)، زين شعيب، طليع حمدان، أسعد سابا وعلي شعبان وغيرهم. هؤلاء الفرسان لم يكتفوا بنظم العتابا، بل جعلوا منها مدخلًا إلزاميًّا لافتتاح مباراتهم المنبرية وبسط سلطنتهم الفنيّة، مكرّسين العتابا والزجل كوجهين لعراقة تراثية واحدة.
شعراء العتابا الحديثون: أفق التجديد في فضاء التراث
لم تقف العتابا عند حدود الذاكرة القديمة، أو تنكفئ في زوايا الماضي، بل تلقّفتها أقلام شعراء حديثين، امتزجت موهبتهم بمدارس قامات كبرى، ولقّحوا أشعارهم بروح العصر، وجدّدوا في صورها مع الحفاظ الصارم على أصالة وزنها، وبلاغة جناسها، وعمق شجنها. يبرز في طليعة هذا الجيل المتجدّد، الشاعر علي حليحل الذي طوّع الحرف لخدمة الموّال التمهيدي بنبضٍ وجداني دافق، والشاعر قزحيا ساسين الذي أحدث خرقًا إبداعيًّا نوعيًّا وتوثيقيًّا بإصدارة ديوانه الفذّ «مثلّث عتابا وميجانا»، حيث وظّف القوافي العميقة في قالب العتابا الأصيل، والشاعر مارون الحدشيتي الملقّب بــ «عاشق الزهور»، الذي تمتاز أبياته برقّة البوح ورشاقة التعبير. ويتجلّى هذا الإبداع في أبياتهم التي تفيض بالجناس والصور الآسرة.
مغنّو العتابا: حناجر تحفظ الهوية وتصدح بالأصالة
لا يكتمل شعر العتابا المخطوطة إلّا عندما تلامس الحناجر المقتدرة التي تمنحها روح الشجن ورهبة الأداء، إذ حظي هذا الفنّ بروّاد تفرّدوا في تجسيد أبعاده الوجدانية، يأتي في طليعتهم عازف الربابة المنشد مهدي زعرور، والفنان آلان مرعب الذي ارتبطت مسيرته بإحياء الفلكلور اللبناني وصونه من النسيان. كما تهادت العتابا على حناجر عمالقة الطرب صعودًا إلى المحافل العالمية مع وديع الصافي، وفيروز، وصباح… ليمتد هذا الإرث في المشهد المعاصر مع أصوات استلهمت أصالة الماضي وقدّمتها بنكهة تجديدية لافتة، من هذه الأصوات عاصي الحلاني، ووائل كفوري، ومعين شريف الذين يبرعون بأداء يوازن بين هيبة التراث وعصرانية الحداثة.
العتابا… نبض الهوية الجامع وسجلّها
إنّ فنّ العتابا بما يمتلكه من مرونة الانتقال من حناجر الروّاد إلى المعاصرين منهم، يبرهن صلابة جذوره وعمق أصالته. واليوم، أمام تحدّي الحداثة الرقمية المتسارع، وصخب الأنماط الموسيقية المهجّنة، تقف العتابا، ليس فقط كإرثٍ شفهي، بل كحصنٍ ثقافي يقاوم التنميط والنسيان، ويضعنا أمام مسؤولية جماعية واعية تستدعي توثيقه وحمايته عبر المبادرات الثقافية والبحثية، ليبقى هذا الفن الأصيل صوتًا نابضًا بالحنين، وجسرًا يربط الأجيال المتعاقبة بينابيع تدفّقها الأولى، حارسًا لذاكرة جماعية وعلامة لموهبة المكان ومرشّحًا للدخول إلى قائمة التراث العالمي غير المادي وفق تصنيفات منظمة اليونسكو.
المراجع
– الحداثة، مجلة فصلية ثقافية تُعنى بقضايا التراث الشعبي والحداثة – «في الزجل والشعر العامي» العددان 11 – 12، خريف 1995.
– الياس النجار، نجّار العتابا، حقّق نصوصه وشرحه وقدّم له أنطوان مالك طوق، منشورات لجنة جبران الوطنية، الطبعة الأولى، 2003.
– الأب مارون كرم، أغانينا الشعبية في لبنان، المطبعة البوليسية، بيروت – 1982.
– مروان أبو نصر الدين، «الشعر اللبناني والغناء الفلكلوري»، دراسة في تاريخ وأصول وأوزان الشعر الشعبي اللبناني والغناء الفلكلوري، بيروت 2012.
– مناطق نِت ManateqNet – عتابا الغزل في البقاع الشمالي.









