القاضي إميل عازار
يثير الاعتراض على الأحكام الغيابية أمام القضاء العسكري جملة من الإشكاليات الإجرائية الدقيقة، تتصل بالأثر المترتب على تقديمه، وبالمرحلة التي يسقط فيها الحكم الغيابي وتُطرح دعوى الحق العام مجددًا أمام المحكمة، وبمدى جواز التصدي للدفوع الشكلية قبل الفصل في قبول الاعتراض شكلًا.
وترتبط بهذه المسائل إشكالية لا تقل أهمية تتعلق بصحة تبليغ الحكم الغيابي وبالنظام القانوني الواجب اعتماده أمام القضاء العسكري؛ ذلك أنّ بدء مهلة الاعتراض يتوقف أصلًا على حصول تبليغ أصولي، في حين يخضع هذا التبليغ لنظام خاص نصت عليه المادة /51/ من قانون القضاء العسكري، يختلف في بنيته وإجراءاته عن النظام العام المنصوص عليه في المادة /148/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
وعلى الرغم من الأثر المباشر لصحة التبليغ في حقوق الدفاع وفي مصير الحكم الغيابي، بقيت هذه المسألة موضع التباس في التطبيق العملي، بفعل شيوع التعامل مع التبليغ لصقًا كما لو كان إجراءً موحّدًا أمام جميع المراجع القضائية. ويثار، في هذا الإطار، التساؤل حول مدلول عبارة «بمعرفة المختار»: فهل يكفي تسليم ورقة التبليغ إلى المختار أو أخذ توقيعه عليها، أم أنّ المقصود هو إجراء اللصق فعليًا في المكان المحدد قانونًا بعلمه؟ وهل يجوز استكمال أحكام قانون القضاء العسكري بإجراءات مستمدة من قانون أصول المحاكمات الجزائية، أم أنّ وجود نص خاص وصريح يحول دون ذلك؟
وتمتد أهمية الفصل في قبول الاعتراض شكلًا إلى الوضع القانوني للحكم الغيابي ذاته؛ إذ يبقى هذا الحكم منتجًا لآثاره إلى حين سقوطه وفق الأصول، ويغدو مبرمًا إذا لم يُعترض عليه أو لم يُقبل الاعتراض شكلًا، بما يرتّبه ذلك من آثار لجهة السوابق والتكرار واعتياد الإجرام، وأخذه في الحسبان عند تقدير وضع المحكوم عليه لدى البتّ في مسائل التوقيف وإخلاء السبيل، وانتقال نطاق مرور الزمن من دعوى الحق العام إلى العقوبة المقضي بها.
وتثير الدفوع الشكلية، بدورها، مسائل تتعلق بصلاحية المحكمة في البتّ فيها عند عدم ورود مطالعة النيابة العامة العسكرية، وبوجوب صدور قرار صريح وواضح بشأنها، وبالضوابط التي تحكم ترتيب البطلان، وبأثر الحكم الجزائي السابق وقوة القضية المقضية في إمكان إعادة تحريك دعوى الحق العام عن الواقعة ذاتها.
وقد عالجت المحكمة العسكرية الدائمة هذه المسائل في مجموعة من القرارات الحديثة، أبرزها أربعة قرارات صدرت في العام 2026، أرست قواعد مترابطة في هذا المجال. وتشكّل هذه القرارات، مجتمعة، إطارًا اجتهاديًا متكاملًا لأحكام الاعتراض والدفوع الشكلية أمام القضاء العسكري، من حيث ترتيب مراحل المحاكمة، وصحة التبليغ، وشكل القرار، وضوابط البطلان، وحجية الحكم الجزائي.
أولاً: قبول الاعتراض شكلاً وآثاره في الوضع القانوني للحكم الغيابي
كرّس القرار رقم 4437/2025 الصادر بتاريخ 29/7/2026 قاعدة مؤداها أنّ مجرد تقديم الاعتراض على الحكم الغيابي الصادر في دعوى جنحية لا يؤدي إلى سقوطه أو إلى إعادة طرح دعوى الحق العام أمام المحكمة، إذ جاء فيه:
«إن الحكم الغيابي، وإن كان يقبل الاعتراض ضمن الشروط والأوضاع التي رسمها القانون، يبقى منتجًا لجميع آثاره القانونية إلى حين صدور قرار بقبول الاعتراض شكلًا، ولا يسقط بمجرد تقديم الاعتراض عليه.»
ويشكّل قبول الاعتراض شكلًا، وفق القرار، شرطًا إجرائيًا جوهريًا ولازمًا لعودة المحكمة إلى النظر في دعوى الحق العام، عملًا بالمادة /71/ من قانون القضاء العسكري، معطوفة على الفقرة الثالثة من المادة /173/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية. ولذلك:
«لا يكون للمحكمة، قبل الفصل في قبول الاعتراض شكلًا واستعادة ولايتها على الدعوى العامة، أن تتصدى للبتّ في أي من الدفوع الشكلية أو الأسباب القانونية المثارة فيها.»
فالحكم الغيابي لا يُعدّ حكمًا معلّقًا أو منزوع الأثر لمجرد قابليته للاعتراض، بل يبقى قائمًا ومنتجًا لآثاره إلى حين سقوطه وفق الأصول. فإذا لم يُقدَّم الاعتراض، أو قُدِّم ولم يُقبل شكلًا، غدا الحكم مبرمًا، واكتسب قوة القضية المقضية، ورتّب آثار الأحكام الجزائية المبرمة، بما في ذلك الاعتداد به لجهة السوابق الجزائية والتكرار واعتياد الإجرام، وأخذه في الحسبان عند تقدير وضع المحكوم عليه لدى البتّ في مسائل التوقيف وإخلاء السبيل.
كما يترتب على إبرامه انتقال نطاق مرور الزمن من دعوى الحق العام إلى العقوبة المقضي بها، فتغدو العقوبة، لا الدعوى العامة، خاضعة لأحكام مرور الزمن المقررة لها.
وعليه، يقوم التسلسل الإجرائي الصحيح على مرحلتين متعاقبتين: تتمثل الأولى في الفصل في مدى استيفاء الاعتراض شروط قبوله شكلًا، وما يترتب على قبوله من سقوط الحكم الغيابي واعتباره كأنّه لم يكن؛ وتتمثل الثانية في استئناف السير في الدعوى، بما يشمل الفصل في الدفوع الشكلية وسائر المسائل المتعلقة بأساس الملاحقة.
وبذلك، يفصل قبول الاعتراض شكلًا بين نظامين قانونيين مختلفين: نظام الحكم الغيابي القائم والمنتج لآثاره، ونظام إعادة المحاكمة بعد قبول الاعتراض شكلًا وسقوط الحكم الغيابي وإعادة طرح دعوى الحق العام أمام المحكمة.
ثانيًا: خصوصية نظام التبليغ أمام القضاء العسكري وآثاره في مهلة الاعتراض ومرور الزمن
كرّس القرار الصادر في الدعوى رقم أساس 8428/2026 الصادر بتاريخ 29 /7 /2026 استقلال نظام التبليغ المنصوص عنه في المادة /51/ من قانون القضاء العسكري عن النظام العام الوارد في المادة /148/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية. فقد نظّمت المادة /51/ أصول التبليغ أمام القضاء العسكري ضمن نظام خاص ومتدرّج، تتبدّل إجراءاته بحسب المعلومات المتوافرة عن مقام المطلوب إبلاغه.
فالأصل أن يجري التبليغ إليه شخصيًا في مقامه الحقيقي أو مقامه المختار، أو إلى أحد المقيمين معه ممّن تتوافر فيهم الشروط القانونية. فإذا تعذّر التبليغ على هذا الوجه، وكان مقامه الحقيقي أو المختار معلومًا ومحددًا، جرى اللصق على باب محل إقامته الأخير، من دون أي إجراء إضافي أو دور لمختار البلدة.
أما إذا لم يتوافر عنوان محدد يمكن إجراء اللصق على بابه، واقتصرت المعلومات على معرفة البلدة أو الحي الذي كان المطلوب إبلاغه يقيم فيه، أوجبت المادة /51/ إجراء اللصق، بمعرفة المختار، في الساحة العامة للبلدة أو في الحي المذكور، مع لصق نسخة عن ورقة التبليغ على باب المحكمة. وإذا تعذّرت أيضًا معرفة البلدة أو الحي، جرى اللصق بالطريقة ذاتها في البلدة التي ارتُكب الجرم فيها أو ضمن نطاقها.
ويقوم معيار التمييز بين هذه الحالات على إمكان تعيين باب المسكن: فإن كان محل الإقامة الأخير معلومًا ومحددًا على نحو يسمح بتعيينه، وجب اللصق عليه؛ أما إذا اقتصرت المعلومات على معرفة البلدة أو الحي، وجب اتباع إجراءات اللصق العلني.
وفي تفسير عبارة «بمعرفة المختار»، اعتبر القرار أنّها لا تعني تسليم ورقة التبليغ إلى المختار أو اعتباره متبلّغًا بها بالنيابة عن المطلوب إبلاغه، وإنما تعني إجراء اللصق فعليًا في المكان الذي عيّنه القانون بعلمه، وإثبات حصوله في محضر التبليغ، إذ جاء فيه:
«لا تعني عبارة «بمعرفة المختار» تسليم ورقة التبليغ إلى المختار أو اعتباره مبلغًا بها، وإنما تفيد وجوب إجراء اللصق فعليًا في المكان المحدد قانونًا بعلمه.»
وعليه، لا يغني تسليم الورقة إلى المختار أو أخذ توقيعه عليها عن إجراء اللصق، ولا يصحح إغفال لصق نسخة على باب المحكمة متى أوجب القانون ذلك، إذ لا يعدو توقيع المختار كونه دليلًا على علمه بالإجراء.
ويختلف هذا النظام عن النظام العام الوارد في المادة /148/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية، التي توجب، في الحالات التي تنظمها، إجراءات متلازمة تشمل اللصق على باب محل الإقامة أو السكن الأخير، وتسليم نسخة إلى المختار، واللصق على باب المرجع القضائي.
غير أن المادة /54/ من قانون القضاء العسكري لا تجيز تطبيق أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية أمام القضاء العسكري إلّا في المسائل التي لم يرد عليها نص خاص. وبما أنّ المادة /51/ نظّمت أصول التبليغ بنصٍ صريح ومفصّل، فلا يجوز استكمالها بإجراءات مستمدة من المادة /148/، ولا إضافة تسليم نسخة إلى المختار في حالة المقام المعلوم، كما لا يجوز إحلال تسليم الورقة إليه أو أخذ توقيعه عليها محل اللصق الذي أوجبه القانون.
ويترتب على مخالفة هذه الأصول عدم إنتاج التبليغ آثاره القانونية. فإذا اقتصر الإجراء على تسليم الورقة إلى المختار أو أخذ توقيعه عليها، من دون إثبات حصول اللصق في المكان أو الأماكن التي عيّنها القانون، كان التبليغ مخالفًا للأصول وغير كافٍ لإتمامه. وقد جاء في القرار:
«يكون، تأسيسًا على ما تقدّم، مجرد تسليم ورقة التبليغ إلى المختار أو أخذ توقيعه على محضرها، من دون إثبات إجراء اللصق في المكان أو الأماكن التي عيّنها القانون، غير كافٍ لإتمام التبليغ، ولا يرتّب الآثار القانونية الناشئة عن التبليغ الأصولي، مما يجعل التبليغ الحاصل على هذا الوجه مخالفًا للأصول وغير منتج لآثاره القانونية».
ولا يقتصر أثر هذه المخالفة على صحة معاملة التبليغ، بل يمتد إلى بدء مهلة الاعتراض وإلى النظام القانوني لمرور الزمن. فالتبليغ غير الأصولي لا يؤدي إلى بدء سريان مهلة الاعتراض، ويبقى حق المحكوم عليه في الاعتراض قائمًا ضمن الحد الزمني الذي رسمه القانون. وقد جاء في القرار:
«وحيث إنّ المادة /171/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية تجيز للمحكوم عليه غيابًا، عند عدم مراعاة الأصول القانونية في تبليغه الحكم، أن يعترض عليه طيلة مدة مرور الزمن على العقوبة المحكوم بها، بما يجعل عدم اكتمال هذه المدة حدًّا زمنيًا لازمًا لقبول الاعتراض في هذه الحالة.»
وفي موازاة ذلك، يُعدّ الحكم الغيابي غير المبلّغ أصولًا آخر معاملة قضائية في الدعوى، ويبدأ من تاريخ صدوره سريان مرور الزمن على دعوى الحق العام. وقد عبّر القرار عن ذلك بقوله:
«وحيث يُعدّ الحكم الغيابي الصادر عن هذه المحكمة، تبعًا لذلك وعملًا بأحكام الفقرة الأخيرة من المادة /171/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية، آخر معاملة قضائية في الدعوى، فتبدأ من تاريخ صدوره مهلة مرور الزمن على دعوى الحق العام المتعلقة بالجرم المسند إلى المعترض.»
وبذلك، ميّز القرار بين مسألتين متمايزتين ومترابطتين: بقاء حق المحكوم عليه في الاعتراض، عند عدم مراعاة أصول تبليغ الحكم، طيلة مدة مرور الزمن على العقوبة المحكوم بها؛ وسريان مرور الزمن على دعوى الحق العام ابتداءً من تاريخ الحكم الغيابي، بوصفه آخر معاملة قضائية في الدعوى.
وتؤكد هذه النتيجة الترابط بين صحة التبليغ والفصل في قبول الاعتراض شكلًا؛ فالتبليغ الأصولي يحدّد بدء مهلة الاعتراض، أما قبول الاعتراض شكلًا فيرتب سقوط الحكم الغيابي وإعادة طرح دعوى الحق العام أمام المحكمة.
ثالثًا: استقلال المحكمة في البتّ بالدفوع وضوابط إبطال إجراءات التحقيق
عالج القرار رقم 6303/2024 الصادر بتاريخ 15/5/2026 مسألتين مترابطتين: صلاحية المحكمة في البتّ بالدفوع الشكلية عند عدم ورود مطالعة النيابة العامة العسكرية، والضوابط التي تحكم إبطال إجراءات التحقيق الأولي.
ففي المسألة الأولى، ميّز القرار بين موجب المحكمة باستطلاع رأي النيابة العامة والطبيعة القانونية لهذا الرأي، معتبرًا أنّ المحكمة، بإحالتها الملف إليها، تكون قد استنفدت موجبها القانوني في هذا الخصوص؛ إذ لا يعدو استطلاع الرأي كونه إجراءً يهدف إلى تمكين النيابة العامة، بصفتها ممثلة للحق العام، من إبداء موقفها قبل الفصل في الدفوع، من دون أن يشكّل طلبًا لموافقتها أو أن يقيّد المحكمة برأيها.
وقد جاء في القرار:
«إن المحكمة، بإحالتها الملف إلى النيابة العامة العسكرية لاستطلاع رأيها في الدفوع الشكلية، تكون قد استنفدت موجبها القانوني في هذا الخصوص، باعتبار أنّ استطلاع الرأي لا يعدو كونه إجراءً يهدف إلى تمكين النيابة العامة، بصفتها ممثلة للحق العام، من إبداء مطالعتها أو موقفها القانوني قبل بتّ المحكمة بالدفوع المثارة، من دون أن يشكّل ذلك طلبًا لموافقتها أو أن يقيّد المحكمة برأيها.»
كما استند القرار إلى القانون رقم 321/2023، الذي أوجب البتّ بالدفع خلال أسبوعين من تاريخ إيداع الملف من قبل النيابة العامة، فاستخلص أنّ إحالة الملف إلى المحكمة تشكّل الحدّ الإجرائي الكافي لانطلاق صلاحيتها في النظر والبتّ ضمن المهلة المحددة، من دون تعليق ذلك على ورود مطالعة النيابة العامة أو اتخاذها أي إجراء إضافي. وبذلك، رفض تحويل هذه المطالعة إلى قيد إجرائي من شأنه تجميد عمل المحكمة أو تعطيل ممارسة صلاحيتها.
وفي ما يتعلّق بإبطال إجراءات التحقيق، انطلق القرار من أنّ الدفع ببطلان إجراء من إجراءات التحقيق يندرج ضمن الدفوع الشكلية المنصوص عليها في المادة /73/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية، إلّا أنّ مجرد وقوع مخالفة لا يؤدي حكمًا إلى إبطال التحقيق أو الملاحقة.
فبعد وضع محكمة الأساس يدها على دعوى الحق العام، تصبح الأدلة والقرائن والوقائع الجرمية خاضعة لسلطتها في البحث والتقويم والمناقشة، ويعود إليها أن تأخذ بما تقتنع بصحته من نتائج التحقيقات، وأن تهمل ما لا تطمئن إليه، عملًا بمبدأ حرية الإثبات في المواد الجزائية. ومن ثم، لا تتمتع التحقيقات الأولية بقوةٍ ثبوتية مطلقة أو ملزمة، بل تبقى عناصر استدلال تخضع لتقدير قاضي الأساس وقناعته.
ويترتب على ذلك وجوب التمييز بين بطلان إجراء التحقيق وبين القيمة الثبوتية للمعطيات الناتجة عنه؛ فقد لا تبلغ المخالفة حدّ إبطال الإجراء، مع بقاء حق المحكمة في استبعاد الدليل أو إضعاف قيمته إذا لم تقتنع بصحته.
وقد كرّس القرار في هذا الإطار قاعدة مؤداها أنّ البطلان لا يُفترض ولا يُستنتج، بل يتطلب نصًا صريحًا يرتبه، أو مخالفة صيغة جوهرية أو قاعدة متعلقة بالنظام العام، فضلًا عن ثبوت الضرر الناجم عن المخالفة. وبذلك، اعتُمد معيار الأثر الفعلي للمخالفة في سلامة الإجراء وحقوق الدفاع، بدل الوقوف عند الشكليات المجردة.
وفي تطبيق هذه الضوابط، رفض القرار الدفع ببطلان محضر التحقيق لمجرد أنّ النسخة المبرزة في الملف كانت مطبوعة وخالية من التواقيع، بعدما تبيّن أنّ المحضر الأصلي المنظّم بخط اليد استوفى التواقيع المطلوبة، وأنّ النسخة المطبوعة كانت ممهورة بتوقيع قائد السرية المتولية التحقيق ومحالة إلى النيابة العامة. فميّز بين أصول تنظيم المحضر الأصلي وبين صورة النسخة المبرزة لاحقًا، واعتبر أنّ العيب المدلى به لا ينال من صحة الأصل ولا يرتّب البطلان في غياب نص أو ضرر ثابت.
كما رفض الادعاء بانتفاء حياد منظّم المحضر بسبب خلافات سابقة مزعومة مع المدعى عليه، إذ بقي هذا الادعاء قولًا مرسلًا غير مؤيد بعناصر جدية. وقد أخذ القرار في الاعتبار أنّ المدعى عليه أدلى بإفادته بحضور وكيله المحامي، من دون اعتراض على إجراءات التحقيق أو طلب تدوين أي تحفظ، ومن دون الادعاء بتعرضه لضغط أو إكراه أو حرمان من الضمانات القانونية. وبذلك، لا يكفي الادعاء المجرد بانعدام الحياد لإبطال التحقيق ما لم يثبت تأثيره الفعلي في سلامة الإجراءات أو حرية الإرادة.
وشدّد القرار، في السياق ذاته، على أنّ عنصر الضابطة العدلية الذي يتولى التحقيق لا يمارس صلاحية شخصية أو مستقلة، بل ينفّذ الإشارات والتعليمات الصادرة عن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية وتحت إشرافه، فتُنسب الإجراءات في حقيقتها إلى السلطة القضائية المشرفة على التحقيق. ولا يحول ذلك دون ترتيب المسؤولية الشخصية عند ثبوت مخالفة القانون، إلّا أنّ هذه المسؤولية لا تستتبع بالضرورة بطلان الإجراء.
وقد ظهر هذا التمييز أيضًا في معالجة مسألة وضع المدعى عليه في النظارة تنفيذًا لإشارة الاستبقاء. فاعتبر القرار أنّ تجاوز حدود الإشارة، على فرض ثبوته، قد يرتب مسؤولية جزائية أو مسلكية على الضابط العدلي وفق المادة /48/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية والمادة /367/ من قانون العقوبات، لكنه لا يؤلف بذاته سببًا لإبطال التحقيق ما لم يثبت أثره في صحة الإجراء أو في ضمانات المدعى عليه.
كما رأى أنّ وضع الشخص في النظارة، تنفيذًا لإشارة استبقاء قانونية، يندرج في الأصل ضمن التدابير الملازمة للتحقيق ومقتضيات تنفيذ الإشارة القضائية، باعتبار أنّ الاستبقاء يفترض إبقاء الشخص تحت تصرف الضابطة العدلية وفي عهدتها طوال المدة المحددة، ما لم تتضمن الإشارة منعًا صريحًا أو توجيهًا مخالفًا.
وبذلك، كرّس القرار مجموعة من القواعد المتكاملة: استقلال المحكمة في الفصل في الدفوع بعد تمكين النيابة العامة من إبداء موقفها، وخضوع التحقيقات لسلطة محكمة الأساس في التقدير، وعدم افتراض البطلان أو ترتيبه على كل مخالفة، ووجوب التحقق من طبيعة العيب وأثره الفعلي في حقوق الدفاع، مع التمييز بين المسؤولية الشخصية للقائم بالإجراء وبين صحة التحقيق والآثار القانونية المترتبة عليه.
رابعًا: وجوب صدور قرار صريح في الدفوع وصحة توقيته
عالج القرار رقم 4437/2025 الشكل الذي يجب أن يصدر فيه القرار الفاصل في الدفوع الشكلية، والمرحلة الإجرائية التي يجوز فيها للمحكمة التصدي لها.
فقد تبيّن أنّ المدعى عليه أثار دفعين شكليين: أولهما عدم صلاحية القضاء العسكري للنظر في الدعوى، وثانيهما بطلان إجراء أو أكثر من إجراءات التحقيق. وبعد ورود مطالعة النيابة العامة العسكرية، دوّن القاضي المنفرد في محضر المحاكمة ملاحظة تفيد استكمال السير فيها، ثم أُثبت في جلسة لاحقة إبلاغ وكيل المدعى عليه «قرار ردّ الدفع الشكلي»، من دون أن يتضمن الملف قرارًا صريحًا يحدّد ما قُضي به في كل دفع.
ورفضت المحكمة استخلاص وجود قرار قضائي فاصل في الدفوع من مجرد متابعة المحاكمة أو من عبارات إجرائية عامة، معتبرة أن الفصل فيها يقتضي صدور منطوق صريح وواضح ومحدّد المضمون، بما يمكّن الخصوم من معرفة ما قضى به القرار وممارسة حقهم في الطعن، ويتيح لمحكمة الاستئناف بسط رقابتها عليه. وقد جاء فيه:
«لا يصح استخلاص وجود قرار قضائي فاصل في الدفوع الشكلية بطريق الاستنتاج أو بصورة ضمنية، إذ يقتضي الفصل فيها صدور قرار صريح وواضح، محدد المضمون، ولا يحتمل أي التباس.»
وبذلك، ميّز القرار بين تدبير يتصل بإدارة المحاكمة، كاستكمال السير فيها أو تعيين جلسة لاحقة، وبين القرار القضائي الفاصل في دفع شكلي. فلا يغني الأول عن الثاني، ولا يجوز مساواة استكمال المحاكمة بردّ الدفع أو تحميل العبارة الإجرائية مضمونًا قضائيًا لم تتضمنه صراحة.
ولم يقتصر القرار على اشتراط صراحة القرار، بل ربطها بصحة توقيته؛ فالقرار الفاصل في الدفوع، وإن صدر صريحًا، يكون سابقًا لأوانه إذا صدر قبل الفصل في مدى استيفاء الاعتراض شروط قبوله شكلًا، كما أنّ صدوره في المرحلة المناسبة لا يكفي إذا خلا من منطوق واضح يبيّن مصير كل دفع.
وعليه، أعيد الملف إلى القاضي المنفرد العسكري للسير بالاعتراض وفق الأصول، بدءًا بالفصل في مدى استيفائه شروط قبوله شكلًا، ثم، عند الاقتضاء وفي حال قبوله، الفصل صراحة في الدفوع الشكلية المثارة.
وبذلك، كرّس القرار شرطين متلازمين لصحة الفصل في الدفوع الشكلية: أن يصدر القرار صريحًا وواضحًا ومحدّد المضمون، وأن يصدر في توقيته الصحيح، أي بعد قبول الاعتراض شكلًا وسقوط الحكم الغيابي وإعادة طرح دعوى الحق العام أمام المحكمة.
خامسًا: سبق الملاحقة والحكم وقوة القضية المقضية
كرّس القرار رقم 1993/2026 الصادر بتاريخ 16 /2 /2026 أنّ الدفع بسبق الملاحقة والحكم يقومان على وحدة الواقعة المادية، لا على تطابق التوصيف القانوني المعتمد في كل ملاحقة.
فقد تعلقت الملاحقتان بواقعة إطلاق النار ذاتها، وإن اختلف وصفها القانوني بين مقاومة رجال السلطة وإطلاق النار على سبيل التهديد في الملاحقة الأولى، ومحاولة قتل عناصر الجيش في الملاحقة اللاحقة. وقد جاء في القرار:
«إن المعيار المعتمد يقوم على وحدة الفعل الجرمي بواقعه المادي، لا على تعدد التكييف القانوني أو تشديده.»
فالفعل الجرمي لا يتعدّد بتعدُّد أوصافه القانونية، ولا يجوز تجزئته أو إعادة بنائه قانونيًا بعد أن أصبح محل حكم مبرم. وتُستخلص وحدة الواقعة من عناصرها الجوهرية، ولا سيما الزمان والمكان والأطراف والسلوك الجرمي والظروف المحيطة به.
ولا يجيز إغفال وصف قانوني محتمل في الدعوى الأولى، أو اعتماد وصف أخف فيها، إعادة تحريك دعوى الحق العام بعد إبرام الحكم؛ لأنّ قوة القضية المقضية لا تنصرف إلى الوصف الوارد في الحكم فحسب، بل تشمل الواقعة المادية التي كانت موضوع الملاحقة والفصل القضائي.
ويرتبط هذا الاتجاه بقاعدة عدم جواز محاكمة الشخص أو ملاحقته مرتين عن الفعل ذاته، وبأحكام المادة /182/ من قانون العقوبات. فالحكم الجزائي المبرم يحسم الواقعة المادية ويحول دون إعادة تقديمها تحت وصف قانوني مختلف أو أشد، وإلّا أمكن الالتفاف على قوة القضية المقضية بمجرد تغيير التكييف القانوني.
وبذلك، كرّس القرار أنّ قوة القضية المقضية تنصرف إلى الواقعة المادية التي حُسمت بحكم مبرم، لا إلى الوصف القانوني المعتمد وحده، بما يحول دون إعادة الملاحقة عن الفعل ذاته تحت وصف مختلف أو أشد.
خاتمة
تكشف القرارات موضوع الدراسة عن توجّه اجتهادي متكامل في تنظيم الاعتراض والدفوع الشكلية أمام القضاء العسكري. فمجرد تقديم الاعتراض لا يؤدي إلى سقوط الحكم الغيابي، بل يبقى هذا الحكم قائمًا ومنتجًا لآثاره إلى حين قبول الاعتراض شكلًا. ولا تستعيد المحكمة ولايتها على دعوى الحق العام، ولا يجوز لها التصدي للدفوع المثارة فيها، قبل تحقُّق هذا الشرط.
كما أكدت هذه القرارات استقلال نظام التبليغ الوارد في المادة /51/ من قانون القضاء العسكري، ووجوب تطبيقه وفق تدرّجه الخاص من دون الخلط بينه وبين النظام العام المنصوص عنه في المادة /148/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية. وأوضحت أنّ عبارة «بمعرفة المختار» لا تعني تسليم ورقة التبليغ إليه، وإنما إجراء اللصق الفعلي في المكان المحدد قانونًا بعلمه.
وفي مجال الدفوع الشكلية، كرّست القرارات استقلال المحكمة في البتّ بها بعد تمكين النيابة العامة من إبداء موقفها، من دون أن يشكّل عدم ورود مطالعتها سببًا لتعليق عمل المحكمة. كما ضبطت نطاق البطلان، فرفضت افتراضه أو ترتيبه على كل مخالفة، وميّزت بين صحة الإجراء وقيمته الثبوتية، وبين المسؤولية الشخصية للقائم به والآثار القانونية المترتبة عليه.
وأوجبت، في الوقت ذاته، أن يصدر القرار الفاصل في الدفوع صريحًا وواضحًا ومحدد المضمون، وفي التوقيت الإجرائي الصحيح، بما يصون حق الخصوم في الطعن ويتيح لمحكمة الاستئناف ممارسة رقابتها. وأخيرًا، أكّدت أنّ قوة القضية المقضية تتعلق بالواقعة المادية ذاتها، وتحول دون إعادة ملاحقة الشخص عنها تحت وصف قانوني مختلف أو أشد.
وبذلك، تجمع هذه الاجتهادات بين حماية حقوق الدفاع وضمان انتظام المحاكمة، من دون توسع غير مبرر في البطلان أو تعطيل لسير العدالة، وتقدّم إطارًا واضحًا لترتيب مراحل الاعتراض، وتطبيق أصول التبليغ، والفصل في الدفوع الشكلية أمام القضاء العسكري.








