د. تراز منصور
في زمن الحروب والأزمات، لا تقتصر مهمة الكلمة على نقل الحدث، بل يمكن أن تتحوّل إلى أداة خطيرة تُؤجّج الانقسامات وتُهدّد الاستقرار الاجتماعي. فخطاب الكراهية الذي يُبثّ عبر بعض الوسائل الإعلامية ومنصّات التواصل الاجتماعي لم يعد مجرّد تعبير عن الرأي، بل بات عنصرًا قادرًا على إشعال الفتن وتأجيج المشاعر ونبذ الآخر. كذلك، فإنّ نشر الأخبار والمعلومات من دون الشعور بالمسؤولية الوطنية ومن دون مراعاة أصدائها وتداعياتها، قد ينعكس بصورة مباشرة على الواقع الأمني والاقتصادي والاجتماعي والصحي.
تشهد الساحة اللبنانية اليوم، ولا سيّما منابر الإعلام التقليدي ومنصات التواصل الاجتماعي، تصاعدًا لخطاب الكراهية وانتشارًا واسعًا للمعلومات المضلّلة، وحتى للمعلومات الصحيحة التي يجري توظيفها بطريقةٍ سلبية. ويغيب عن بال كثير من الإعلاميين أنّ الحرية الإعلامية ليست مطلقة، بل ترتبط بمسؤولية مهنية ووطنية، وأنّ الصحافي مطالب بالتحلّي بالموضوعية والوعي بخطورة نشر أي معلومة قد تمسّ السلم الأهلي أو الأمن أو الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
تُطرح اليوم أسئلة كثيرة حول مفهوم الحريات وحدودها، ودور الصحافي في ظل الأزمات والحروب: ما هي حدود الحرية الإعلامية وأين تبدأ المسؤولية المهنية؟ وما هي تداعيات الحريات الإعلامية غير المسؤولة في زمن الحروب والأزمات؟ هل تبني الحريات المجتمع أم تدمّره؟
أسئلة حملناها إلى مجموعة من الإعلاميين والأكاديميين.
بين الحق والمسؤولية
يوضح رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لصوت لبنان (الأشرفية) الأستاذ أسعد مارون أنّ الحريات، وفي مقدّمها حرية التعبير والإعلام، تُعدّ حقًّا أساسيًّا يضمنه الدستور، وتشكّل ركيزةً لأي نظامٍ ديمقراطي. إلّا أنّها ليست مطلقة، بل هي حرية مسؤولة تُمارَس ضمن حدودٍ واضحة، أبرزها عدم التعدّي على كرامة الأفراد، وعدم تهديد الأمن الوطني أو السلم الأهلي، إضافةً إلى عدم نشر معلومات مضلّلة أو غير موثّقة.
ويشير في هذا الإطار، إلى أنّ دور الصحافي يكمن في تحقيق التوازن بين حق المواطنين في المعرفة وواجب حماية المجتمع، معتبرًا أنّ الصحافي ليس مجرّد ناقل محايد للأخبار، بل هو أيضًا حارس للحقيقة، يتحقق من المعلومات، ويضعها في سياقها الصحيح، ويدرك تداعيات نشرها، خصوصًا في بيئةٍ هشّةٍ مثل لبنان.
ويضيف مارون أنّه في أوقات الأزمات، تتحوّل الكلمة إلى عامل تأثير مباشر، وقد تصبح أداةً للتصعيد بدلًا من أن تكون وسيلةً للتوعية. فالحريات الإعلامية غير المنضبطة قد تؤدي إلى تأجيج الانقسامات الطائفية والسياسية، وزعزعة الثقة بين المواطنين والدولة، ونشر الذعر أو الشائعات التي تؤثر على الاستقرار الاقتصادي (مثل التهافت على المصارف أو الأسواق)، فضلًا عن الإضرار بصورة لبنان في الخارج. وفي بلدٍ يقوم على توازناتٍ دقيقة، قد تتحوّل الكلمة غير المسؤولة إلى شرارةٍ لأزمة أكبر.
ويلفت إلى أنّ الحريات بحدّ ذاتها لا تبني المجتمعات ولا تدمّرها، فطريقة استخدامها هي التي تحدد النتيجة. وعندما تُمارَس بمسؤولية، تُسهم في بناء مجتمعٍ واعٍ، قادرٍ على المحاسبة والإصلاح. أمّا حين تُستخدم بشكلٍ فوضوي أو تحريضي، فإنّها تؤدي إلى التفكّك، ونشر الكراهية وهدم الثقة العامة.
وعن دور منصّات التواصل الاجتماعي في زمن الأزمات، يوضح أنّها أصبحت لاعبًا أساسيًا في تشكيل الرأي العام. ومن حسناتها: سرعة نقل المعلومات، كسر الاحتكار الإعلامي التقليدي، ومنح مساحة للأصوات المهمّشة، فضلًا عن إسهامها في التوعية والحشد الإيجابي. في المقابل، تحمل هذه المنصات مخاطر جمّة، أبرزها انتشار الأخبار الكاذبة بسرعةٍ كبيرة، وغياب المساءلة المهنية، وتضخيم خطاب الكراهية والتحريض، إضافةً إلى التأثير في الرأي العام عبر حملات منظمة أو مضلّلة.
وحسب رأيه، تتضاعف خطورة هذه الظاهرة في لبنان بسبب التركيبة الطائفية والسياسية المعقّدة، وضعف مؤسسات الدولة في ضبط الإعلام الرقمي، فضلًا عن التداخل القائم بين الإعلام والسياسة، وهشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي. لذلك، فإنّ أي خطاب إعلامي غير مسؤول قد تكون كلفته مضاعفة، وقد يهدّد الاستقرار بشكلٍ مباشر. لكنه يشير في المقابل إلى أنّ هذه المشكلة لا تقتصر على لبنان، بل تمتدّ عالميًا، غير أنّها تُواجه عبر تشريعات تُنظّم المحتوى الرقمي، ومنصات متخصّصة في التحقّق من المعلومات (Fact-checking)، إلى جانب وعي إعلامي متزايد لدى الجمهور ومساءلة قانونية للمخالفين.
ومع ذلك، ما زالت معركة التوازن بين الحرية والمسؤولية قائمة حتى في الدول المتقدمة، خصوصًا مع تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ويختم مارون بالتأكيد أنّ لبنان اليوم بحاجةٍ إلى إعلام حرّ، لكن يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعلامٍ مسؤول. فالكلمة لم تعد مجرد رأي، بل باتت فعلًا قد يبني وطنًا أو يدمّره.
للإعلامي دور محوري خلال الحروب
يرى المدير الأسبق لكلية الإعلام الفرع الثاني في الجامعة اللبنانية، الدكتور هاني صافي، أنّ الحرية هي أن يتخذ الإنسان قراراته من دون أي ضغوط خارجية، وأن يكون قادرًا على التمييز بين الخطأ والصواب. وينطبق هذا المبدأ على مختلف المجالات، بما فيها الإعلام. لذا تقع على عاتق الإعلامي مسؤولية التمييز بين الخبر الذي يؤذي والآخر الذي يبني، قبل النشر، بعيدًا عن الضغوطات المالية أو الإدارية، التي من شأنها عرقلة مسار الحرية والحدّ منها.
وهو يعتبر أنّ للإعلامي دورًا محوريًا ومسؤوليةً كبيرةً خلال الحروب والأزمات، لأنّ المعلومة بإمكانها التخريب والتدمير خصوصًا حين تكون النفوس متأجّجة، وعمليات التحريض ناشطة، والشائعات منتشرة. ومن هنا، ضرورة الامتناع عن نشر أي معلومة، حتى لو كانت صحيحة، إذا كان من شأنها الإساءة إلى السلم الأهلي أو التسبّب بتداعيات اقتصادية. وهو يميّز بين السبق الصحفي الهادف المنقّى من أي شوائب قد تُسيء إلى أمن المجتمع، وبين ممارسات إعلامية غير منضبطة، مثل نشر صور عنيفة أو معلومات تمسّ معنويات العسكريين أو تسيء إلى السلم الأهلي.
الخطاب الاستفزازي على الشاشات
ويشير صافي إلى أنّ الإعلام التقليدي في لبنان يسيطر إلى حدٍّ كبير على محتوى الخبر، سواء عبر الرقابة الذاتية للصحافي، أو من خلال رقابة المؤسسة الإعلامية، لافتًا إلى أنّ لهذه المؤسـسات علاقات ومرجعيات تُسهم في ضبط المحتوى الإعلامي وعدم تفلّت الأخبار. لكن وعلى الرغم من ذلك، نشهد التفلّت الخطابي في «البرامج الحوارية» ولا سيما عبر محطات التلفزة، إذ يتعمّد البعض إلى جمع الأضداد في حلقة واحدة بهدف رفع نسب المشاهدين، وبالتالي الحصول على حصّة وازنة من الإعلانات، ما ينعكس إساءةً للمجتمع من خلال الكلمات النابية والأخبار المغلوطة والخطاب الاستفزازي الذي يؤجج المشاعر والتحريض.
مع ذلك، يرى الدكتور صافي أنّ وسائل الإعلام تلتزم في الغالب معايير الحرية المسؤولة وذلك نتيجة تلقّي طلاب كلية الإعلام أصول كتابة الخبر والتقيّد بالمعلومات وبالمصادر، فيما يعتبر أنّ المشكلة الأساسية تكمن في منصّات التواصل الاجتماعي، حيث لا رقيب ولا حسيب، ما يتيح لأيٍ كان نشر ما يشاء تحت شعار «حرية التعبير» وضمن ما يسمى بـ «الصحافة المواطنية»، وهو غير عالم بأصول الصحافة وقوانينها.
وفي سياقٍ مماثل، لفت إلى الضرر الكبير الذي يلحق بلبنان نتيجة الاستخدام غير المنضبط للحرية، وغياب المسؤولية والرقابة والضوابط القانونية، مشيرًا إلى دور الخوارزميات التي تعتمدها منصات التواصل الاجتماعي كمنصّة (X) مثلًا، لتنقية الأخبار وفق معايير المجتمعات الغربية المتقدمة، والتي تتعلق في معظم الأحيان بمعايير تسويقية تهدف إلى زيادة التفاعل والمشاهدات، وهي معايير لا تتناسب مع طبيعة مجتمعنا.
كما أشار إلى خطورة المجموعات على تطبيق «واتساب»، في تعزيز التحريض وخطاب الكراهية ونشر الشائعات، فضلًا عن التحديات المتزايدة جراء استخدام الذكاء الاصطناعي لناحية تأجيج الخبر بواسطة فبركة الأخبار الكاذبة والصور والفيديوهات المزيّفة.
ضوابط الحرية الإعلامية
وفي مقاربة الحلول، يرى الدكتور صافي أنّ القانون والأخلاق والتربية تشكّل الإطار الضابط للحرية، مشيرًا إلى أهمية التشريعات القانونية في تنظيم الممارسة الإعلامية والحدّ من الانفلات. وقد دعا المشرّع والمثقفين والأكاديميين والإعلاميين إلى الضغط لإقرار قوانين حديثة تنظّم العمل الإعلامي، إلى جانب وضع مواثيق أخلاقية خاصة بمنصات التواصل الاجتماعي، شبيهة بتلك المتعلقة بالإعلام التقليدي، بما يتناسب مع خصوصية المجتمع اللبناني وتعقيداته، وبما يوازن بين الحرية والمسؤولية، حمايةً للمواطن والوطن.
كما يشدّد على ضرورة تعديل قانون الإعلام قبل إقراره، بما يواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة، مشيرًا إلى التعديلات المستمرة على قوانين الإعلام في مختلف دول العالم نتيجة التطور الكبير في الأدوات الرقمية المستخدمة في العمل الإعلامي.
ويختم مؤكدًا على دور التربية كعنصرٍ أساسيٍّ في الاستخدام المسؤول للحرية، لافتًا إلى أنّ ضعف الوعي التربوي قد يفضي إلى سوء توظيفها عبر مواقع التواصل، بما ينعكس بلبلةً اجتماعيةً وتراجعًا في الضوابط الأخلاقية. وهو يشدّد على أهمية التربية المدرسية في ترسيخ مفهوم الاستخدام المسؤول للحرية الإعلامية، وتوجيه الأجيال الناشئة نحو رفض التحريض وخطاب الكراهية، بغية إعداد أجيالٍ تُدرك أهمية المسؤولية في المحافظة على الركائز الوطنية، فتمارِس الرقابة الذاتية قبل نشر الكلمة أو التعليق على خبرٍ أو إعادة إرسال خبرٍ مزيّف، ليأتي لاحقًا دور القانون في الضبط والمساءلة.
إكسير الحياة
بدورها، تصف الإعلامية والأستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، الدكتورة إيفانا مارشليان، الحرية بأنّها «إكسير الحياة»، معتبرةً أنّ قيمتها الحقيقية لا يدركها إلّا من حُرم منها، كالسجين أو المنفي أو من يعيش تحت نظام يقمع حرية التفكير والتعبير.
وترى أنّ الحرية في المجال الإعلامي، كما في سائر المهن، ضرورة لأنّها المدى الحيوي والصحي الذي يطيب للفرد عمومًا وللإعلامي خصوصًا، أن ينعم به ليعمل ضمنه وعبر أدواته من دون أي قيود، إلّا ما يمليه عليه ضميره، بعيدًا عن المحسوبيات، فلا يكون مضطرًّا إلى التستّر على أي عمل شاذ من أي نوعٍ كان تحت وطأة القيود أو المصالح.
وفي ما يخصّ حرية الصحافي، تؤكد مارشليان ضرورة أن يدرك الصحافي، منذ بداية مسيرته المهنية، أنّ حرية التعبير ليست بلا حدود، فلا يمكنه نشر كل ما يتوصّل إليه، ولا سيّما في الملفات السياسية أو الأمنية، التي يمكن أن يشكّل نشرها تهديدًا لأمن المجتمع أو تماسكه. فالحرية، بحسب تعبيرها، لا تعني قول كل شيء، بل تعني امتلاك القدرة على اختيار التوقيت والأسلوب المناسبَين لطرح المعلومات ضمن المشهد العام. وإذ تؤكد أنّ احترام الصحافي للقانون يبقى ضرورة أساسية، ترى أنّه يجب ألّا يتحوّل إلى مجرد أداة مطيعة ومصدر انتفاع للسلطة، بل أن يحافظ على قدرته في إيصال أفكاره ومعلوماته بذكاءٍ ومهنية، من دون الوقوع في فخ الملاحقات القانونية.
وعن تداعيات الحريات الإعلامية غير المسؤولة خلال الحروب والأزمات، وخطورتها على السلم الأهلي والاقتصاد والمجتمع، توضح أنّ الحريات المسؤولة تشكّل عصب العمل الصحافي، أمّا الحريات غير المسؤولة، فيتوسّلها صحافيون متطرفون لا يتقبّلون الآراء المخالفة، مشيرة إلى أنّ هؤلاء يدافعون عن أفكارهم بأساليب هجومية تصل أحيانًا إلى الشتائم والتخوين بحق كل مَن يخالفهم الرأي. وهذا الواقع يتجلّى بوضوحٍ عبر منصّات التواصل الاجتماعي، حيث تحوّلت التعليقات المتبادلة إلى ساحة صدام مفتوحة، «فالكل يهاجم الكل»، على حدّ تعبيرها، حتى باتت هذه المنصات أشبه بساحات معارك افتراضية.
لكن رغم هذه الفوضى الإعلامية، ترى مارشليان أنّ القارئ الواعي سيتوقّف فقط عند الآراء الرصينة، التي تعيد التوازن للخلل القائم جراء التراشق الكلامي المتبادل.
غزو الحمقى!
وحول رأيها في حسنات منصات التواصل الاجتماعي ومخاطرها في زمن الأزمات، استحضرت مقولةً للصحافي الإيطالي إمبرتو إيكو وفيها: «إنّ أدوات مثل تويتر وفايسبوك منحت حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يثرثرون في الحانات من دون أن يتسبّبوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتمّ إسكاتهم فورًا، أمّا الآن، فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحملون جائزة نوبل… إنه غزو الحمقى».
في المقابل، رأت أنّ لهذه المنصّات جانبًا إيجابيًا يتمثّل في سرعة انتقال الأخبار، فضلًا عن إتاحة الاطلاع على آراء وتجارب متنوعة من مختلف الأطياف والهويات حول العالم.
وشدّدت أخيرًا على أنّ فوضى الحريات تسيء إلى الأوطان والأفراد، مشيرة إلى أنّ اللبنانيين يعيشون هذا الواقع يوميًا في ظلّ تنوّع حادّ وتباين في المواقف، إذ يعتبر كل فريق نفسه على حقّ دون سواه.
في الخلاصة، لا بدّ من أن ندرك أنّ الحرية الحقيقية لا تعني غياب الضوابط، بل تعني وجودها بوعيٍ ورضًى. الحرية المسؤولة هي التي تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، متى تَنشُر ومتى تتروّى. هي الميزان الدقيق بين حقّ الفرد في التعبير وواجبه تجاه مجتمعه. أمّا الفلتان الإعلامي، فهو ليس مجرّد ضوضاء عابرة، بل إنّه شرارة صغيرة قادرة على إحراق بنية مجتمع بأكمله.






