شفيق طاهر – كاتب وباحث

لا تقتصر مهمّات الجيوش على العمليات القتالية، بل تعتمد جاهزيتها اليومية على منظومة واسعة من المهام اللوجستية، تبدأ بإصلاح شاحنة أو طائرة أو نقل العديد، ولا تنتهي بجرد المستودعات وتأمين قطع الغيار وجدولة رحلات الإمداد. وفي هذه المجالات، يجد الذكاء الاصطناعي تطبيقات عملية تساعد على استمرار الخدمات، ورفع جاهزية المعدات، وتقليل الوقت والجهد والتكاليف.
تتوزع استخدامات الذكاء الاصطناعي في الجيوش بين أنظمة دخلت الخدمة وأخرى ما زالت في مراحل الاختبار والتقييم. غير أنّ القاسم المشترك بينها هو تحويل كميات كبيرة من البيانات إلى توصيات قابلة للاستخدام. أي آلية تحتاج إلى فحص؟ وأين توجد القطعة المطلوبة؟ وما الشحنة التي ينبغي إعطاؤها الأولوية؟ وبذلك ينتقل الذكاء الاصطناعي من مفهوم تقني مجرد إلى أداة مساعدة للعاملين في الصيانة والإمداد والتخطيط.

صيانة تتوقّع العطل قبل وقوعه
يُعدّ نظام «باندا» أحد الأمثلة على استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات الطائرات وسجلات صيانتها. وتقوم فكرته على البحث عن مؤشرات مبكرة قد تدل على تراجع أداء أحد أجزاء المحرك، قبل أن يتحول الخلل إلى عطل فعلي. فقد يبدو المحرك سليمًا نتيجة الفحص التقليدي، لكن تحليل بيانات الحرارة والاهتزاز والضغط وغيرها قد يكشف تغيّرات تستحق الانتباه.
وعندما يرصد النظام احتمال وجود مشكلة، يوجّه تنبيهًا إلى فريق الصيانة، ما يمنحه وقتًا لفحص الجزء المعني وتجهيز الأدوات وقطع الغيار والفني المناسب. وتزداد فائدة هذا التنبيه عندما يرتبط ببيانات المستودعات، فاكتشاف العطل لا يكفي وحده إذا كانت القطعة اللازمة غير متوافرة أو تحتاج إلى أسابيع للوصول.

وتقدّم أدوات الصيانة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، المعروفة باسم AIAM، مثالًا آخر على دعم الفنيين. إذ تتيح لهم البحث في الأدلة الفنية المعتمدة والوصول إلى إجراءات الفحص المناسبة باستخدام أجهزة إلكترونية محمولة، بدل التنقل اليدوي بين صفحات طويلة من المراجع المطبوعة. كما يمكن تحليل تقارير الإصلاح لاكتشاف الأعطال المتكررة، وتقدير ساعات العمل والموارد اللازمة لمعالجتها.
ومع ذلك، لا يلغي هذا الاستخدام خبرة الفني أو مسؤوليته، فالذكاء الاصطناعي يقدم تشخيصًا أو توصية، بينما يبقى القرار النهائي وتنفيذ الإصلاح خاضعَيْن للمراجعة البشرية ومعايير السلامة.

مستودعات أكثر دقة ومشتريات أقل مخاطرة
في مجال إدارة المستودعات، تجمع التجارب الحديثة بين المسح الليزري وبطاقات التتبّع الإلكترونية ومنصات الذكاء الاصطناعي لبناء نماذج ثلاثية الأبعاد للمخازن ومتابعة حركة المواد داخلها. وتهدف هذه التقنيات إلى معالجة مشكلة شائعة تتمثل في ضعف معرفة مواقع القطع، وما يترتب على ذلك من بحث يدوي وتأخّر في تجهيز الطلبات.
وتساعد البيانات المتدفقة إلى المنصة على مقارنة السجلات بالواقع، واكتشاف المواد الموجودة في أماكن غير مسجلة أو التي اختفت من مواقعها المتوقّعة. وقد تبدو قطعة ما غير متوافرة، فتبدأ إجراءات شراء جديدة، بينما تكون موجودة بالفعل في قسم آخر من المستودع. ومن شأن تحديد هذا الخلل أن يوفر الوقت والمال ويمنع تراكم المخزون غير الضروري.
كذلك يمكن للذكاء الاصطناعي في المجال اللوجستي لدى الجيوش، تحسين تخطيط المشتريات من خلال تحليل ساعات تشغيل الآليات، وتقدير حاجتها المقبلة إلى الإطارات والفلاتر وقطع الغيار. ثم تُقارَن هذه التقديرات بالكميات المتاحة وما هو موجود في الشحنات القادمة، بدل الاعتماد على جداول شهرية ثابتة لا تعكس دائمًا الاستخدام الفعلي.
وتمتد الفائدة إلى مراقبة المورّدين، إذ يمكن لبعض نماذج الذكاء الاصطناعي رصد مؤشرات الأصناف المقلّدة أو غير المطابقة، والكشف عن أسعار غير معتادة، بما يمنح موظفي المشتريات إشارات تساعدهم على التدقيق واتخاذ قرارات أكثر حذرًا.

تخطيط النقل وتخفيف الأعباء الإدارية
في مجال النقل الجوي، يختبر «تحدي النقل الجوي» قدرة الذكاء الاصطناعي على تنظيم حركة الإمدادات بين المطارات ضمن بيئة محاكاة، وليس بوصفه نظامًا تشغيليًا مستقلًا يدير الرحلات العسكرية الفعلية. وتراعي هذه المحاكاة حمولة الطائرات، ومواعيد التسليم، وقدرة المطارات على استقبال الرحلات، ثم تختبر قدرة النظام على إعادة جدولة المسارات والحمولات عند تغيّر الظروف.
فإذا تعذّر استخدام مسار بسبب الطقس أو عطل فني، يمكن للمنظومة مقارنة خيارات الانتظار أو تغيير الرحلة، وإعادة ترتيب الشحنات وفق درجة الأولوية. وقد تفيد هذه المقاربة في نقل المؤن وقطع الغيار والمستلزمات الطبية وحتى العديد، لكنّ المحاكاة لا تعني أنّ النظام أصبح قادرًا على إدارة العمليات الحقيقية من دون إشراف إنساني.
ويشمل الاستخدام غير القتالي أيضًا للذكاء الاصطناعي في الجيوش مراجعة العقود، وتفريغ الاجتماعات، وإعداد محاضرها، ومعالجة الوثائق. ويمكن لمنصات مثل «AI Flow» تبسيط هذه الأعمال وتقليل الجهد الإداري بشكلٍ كبير، شرط أن يراجع المختصون النتائج قبل اعتمادها، خصوصًا عندما تتعلق بعقود مالية أو شروط توريد.
في النهاية، تقاس قيمة الذكاء الاصطناعي في لوجستيات الجيوش بنتائج واضحة، أي تقليل زمن البحث والإصلاح، تحسين دقة المخزون، وترشيد المشتريات وتسليم الاحتياجات في مواعيدها. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلب بيانات موثوقة، وتدريبًا مناسبًا، وربطًا بالأنظمة القائمة، وخططًا بديلة عندما تنقطع شبكة الإنترنت. فالذكاء الاصطناعي لا يستبدل الإنسان، بل يعزز قدرته على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة، مع بقاء المسؤولية النهائية لدى العاملين القادرين على تقييم التوصيات والتحقق منها.