أكرم الريس – باحث وكاتب
يشغل علم الآثار في لبنان موقعًا محوريًا في تاريخ تَشكُّل الدولة الحديثة وفي صياغة السرديات الثقافية والوطنية المرتبطة بالماضي. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، ومع تزايد الاهتمام الأوروبي بالمشرق، تحوّل لبنان إلى مساحة أساسية للبعثات الأثرية والدراسات التاريخية التي سعت إلى الكشف عن حضارات الساحل الفينيقي والمدن الكلاسيكية القديمة. وقد ارتبط هذا الاهتمام بدايةً بالمشاريع الاستشراقية الأوروبية وبالنفوذ الاستعماري، قبل أن يصبح بعد الاستقلال جزءًا من مشروع بناء الدولة اللبنانية الحديثة وتثبيت شرعيتها الثقافية والتاريخية. وفي هذا السياق، لم يكن علم الآثار مجرد نشاط أكاديمي أو تقني، بل أصبح أداة مرتبطة بإنتاج الهوية الوطنية، وبناء الذاكرة الجماعية، وتعزيز صورة لبنان بوصفه ملتقى الحضارات ووريثًا لتاريخ متعدّد الطبقات يمتد من الفينيقيين والرومان إلى العصور العربية والإسلامية والعثمانية.
أدت المديرية العامة للآثار، التي تطورت مؤسساتيًا خلال فترة الانتداب ثم بعد الاستقلال، دورًا مركزيًا في تنظيم الحفريات وإدارة المواقع والمتاحف وحماية التراث. ويبرز في هذا المسار اسم الأمير موريس شهاب (1904 – 1994)، الذي يُعدّ الشخصية المؤسِّسة لعلم الآثار الحديث في لبنان، إذ قاد المديرية العامة للآثار لعقودٍ طويلة وأسهم في ترسيخ مفهوم التراث الوطني بوصفه ملكًا عامًا يوحّد اللبنانيين ويتجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية. كما ارتبط اسمه بحماية المتحف الوطني ومجموعاته خلال الحرب الأهلية اللبنانية نتيجة وقوعه على خط التماس بين شطري بيروت، عبر إجراءات أصبحت رمزًا للدفاع عن الذاكرة الوطنية، من بينها تغليف التماثيل والإغلاق الإسمنتي لبعض القطع الأثرية الكبيرة لحمايتها من الرصاص والقذائف. وبعد انتهاء الحرب، أُطلقت عملية إعادة ترميم المتحف وتنظيم مجموعاته وجرد مقتنياته، بدعمٍ من الدولة اللبنانية ومنظمات دولية وخبراء لبنانيين وأجانب، وتم افتتاحه تدريجيًا ابتداءً من أواخر التسعينيات.
مسار غير متجانس
تاريخ الآثار في لبنان لم يكن مسارًا مستقرًا أو متجانسًا، بل تأثّر بصورةٍ عميقة بالتحوّلات السياسية والحروب والأزمات الاقتصادية والعمرانية. فالحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) وما تبعها من مراحل إعادة إعمار واسعة، خصوصًا في وسط بيروت، وضعت التراث الأثري أمام تحديات غير مسبوقة. فمن جهة، أتاحت أعمال الحفر والإنقاذ اكتشاف طبقات تاريخية مهمة للمدينة القديمة، ومن جهة أخرى أدت الضغوط العقارية والاستثمارية إلى تدمير أجزاء واسعة من النسيج الأثري أو التعامل معه بوصفه عائقًا أمام مشاريع التطوير العمراني. وهكذا أصبح علم الآثار في لبنان مرتبطًا بمفاهيم «الآثار الإنقاذية» (Rescue Archeology) و«إدارة التراث تحت الضغط» (Heritage Management Under Pressure)، وهي قضايا تشغل اليوم حيّزًا أساسيًا في النقاشات الأكاديمية حول التراث وحمايته في مناطق النزاع والدول ذات المؤسسات الهشّة.
وقد اكتسبت هذه القضايا أهمية متزايدة خلال العدوان الإسرائيلي في العامين 2024 و2026، بعدما تعرّضت مواقع تاريخية وأثرية في بعلبك والجنوب لخطر مباشر نتيجة الغارات والعمليات العسكرية. وقد أثارت التهديدات التي طالت مواقع قريبة من لائحة التراث العالمي مخاوف من تدمير المعالم والطبقات الأثرية الهشّة. وفي مواجهة هذه التحديات، منحت اليونسكو استنادًا إلى اتفاقية لاهاي وبالتعاون مع الدولة اللبنانية، «حماية معزّزة مؤقتة» لتشمل 34 موقعًا في العام 2024، ثم 39 موقعًا إضافيًا خلال العام الحالي، ليبلغ عدد المواقع اللبنانية المشمولة بالحماية المعززة 73 موقعًا.
وكانت قلاع جبل عامل الخمس، الشقيف (بوفور)، وتبنين (تورون)، وشقرا (دوبية)، ودير كيفا (قلعة مارون)، وشمع قد أُدرجت خلال الدورة الـ 48 للجنة التراث العالمي في بوسان في كوريا الجنوبية في 24 تموز الفائت على اللائحة التمهيدية للتراث العالمي وقائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، فيما تتمتع بالحماية المعززة منذ العام 2024، بما يتيح حشد الخبرات الفنية والمساعدات الدولية اللازمة لحفظها وصونها وإعادة تأهيلها. كما أُضيفت مدينة صور الأثرية، المدرجة على قائمة التراث العالمي منذ العام 1984 والمشمولة بالحماية المعززة منذ العام 2025، على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر. وجاءت هذه القرارات ثمرة جهود دبلوماسية ثقافية لبنانية مكثفة قادها وزير الثقافة غسان سلامة، وأسهمت في تعزيز موقع لبنان في منظومة حماية التراث الثقافي الدولي، ليصبح من الدول التي تضم أكبر عدد من المواقع المشمولة بالحماية المعززة. ووصف سلامة المسار الذي أفضى إلى إدراج قلاع جبل عامل على القائمة المذكورة بأنه «معركة بكل معنى الكلمة»، معتبرًا أنّ القرار يُشكل «سابقة قامت بها اليونسكو بوضع مواقع هي في معظمها تحت الاحتلال في لائحة طويلة للتراث العالمي»، ومؤكدًا أنّ الموقف اللبناني انطلق من رفض تكريس واقع الاحتلال القائم، والتشديد على ضرورة حمايتها في ظل الحرب واستمرار الاعتداءات التي تطالها.
وفي هذا الإطار، عزّز الجيش اللبناني في المرحلة الأخيرة دوره الميداني عبر تطوير وتنفيذ خطط استجابة سريعة لحماية المواقع والمتاحف، وإنشاء مركز لحماية الممتلكات الثقافية بالتنسيق مع المؤسسات الأثرية واللجنة اللبنانية للدرع الأزرق (Blue Shield Lebanon)، ما يعكس تطور الوعي بأهمية التراث كجزءٍ من الأمن الوطني والذاكرة الجماعية، والذي يتطلب تضافرًا وطنيًا يجمع بين الدولة والمجتمع والمؤسسات الأمنية والعسكرية والمنظمات الدولية.
حياة في مرايا علم الآثار
تُعد الدكتورة هيلين صادر من أبرز علماء الآثار في لبنان والشرق الأوسط، ومن الشخصيات الأكاديمية التي أسهمت بصورةٍ محورية في تطوير الدراسات الأثرية والبحث الميداني والتعليم الجامعي في مجال الآثار والشرق الأدنى القديم. وهي أستاذة علم الآثار في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث تولّت لاحقًا رئاسة قسم التاريخ والآثار لعدة سنوات. حصلت الدكتورة صادر على درجة الدكتوراه من جامعة توبنغن في ألمانيا في العام 1984، وتخصّصت في آثار المشرق القديم، ولا سيما العصر الحديدي، والتاريخ الفينيقي، والنقوش السامية الشمالية الغربية. وقد ارتبط اسمها بعددٍ من المشاريع الأثرية الأساسية في لبنان، حيث شاركت في إدارة وتنفيذ حفريات علمية في بيروت وتلّ البُراك على بعد حوالى 8 إلى 10 كيلومترات جنوبي مدينة صيدا، وأسهمت في الكشف عن معطيات جديدة حول الاقتصاد الفينيقي والحياة الاجتماعية والثقافية في الساحل اللبناني القديم.
وتُعرف هيلين صادر بدمجها بين العمل الميداني والتحليل التاريخي والنقدي، إذ لم يقتصر دورها على التنقيب الأثري التقليدي، بل أسهمت أيضًا في تطوير مناهج البحث الأثري في لبنان وربطها بالاتجاهات العلمية الحديثة، مثل الدراسات الطبقية، ودراسة المشهد الثقافي والاقتصادي للحضارات الفينيقية. كما أدت دورًا مهمًا في تدريب أجيال من الباحثين والطلاب في الجامعة الأميركية في بيروت، وشاركت في مؤتمرات وندوات علمية عالمية، ونشرت دراسات وأبحاثًا متخصصة في علم الآثار والتاريخ القديم، بالإضافة إلى حماية التراث الثقافي خصوصًا خلال الأزمات والحروب.
في هذا الإطار، يُشكّل الحديث مع الدكتورة صادر شهادة أكاديمية وتاريخية على تطور علم الآثار اللبناني وعلى التحديات البنيوية التي واجهته. وهي تُقدّم قراءة تتجاوز السرد التقليدي للإنجازات الأثرية لتتناول الأسئلة الأعمق المرتبطة بعلاقة التراث بالدولة، وبإدارة التراث والسياسات الثقافية، وبالتعليم الجامعي، وبالسياحة، وبالترهُّل الإداري، وبالصراعات السياسية والعسكرية. كما يكشف عن التوتر المستمر بين حماية الذاكرة التاريخية ومتطلبات الاستثمار والتحديث، وعن هشاشة المؤسسات الثقافية في ظل الأزمات اللبنانية المتلاحقة. وبالتالي، فإننا لا نوثّق هنا فقط تاريخ قطاع ثقافي محدد، بل ثمة إضاءة أيضًا على كيفية إدارة الدولة اللبنانية لمفهوم التراث نفسه: هل يُنظر إلى الآثار بوصفها مادة للبحث والمعرفة والذاكرة الجماعية، أم كموردٍ سياحي واقتصادي، أم كساحةٍ للصراع على الهوية والسلطة؟ إنّ الأسئلة التي تطرحها صادر تتجاوز حدود علم الآثار، لتفتح نقاشًا أوسع حول معنى الثقافة العامة ودور المؤسسات ومستقبل الذاكرة التاريخية في لبنان والمنطقة.
علم الآثار كجزءٍ من مشروع بناء الدولة والهوية
نبدأ بالحديث عن دور الأمير موريس شهاب، الذي يُعدّ من أبرز مؤسسي علم الآثار اللبناني الحديث. فقد كان أول لبناني يدرس التاريخ والفن القديم في مدرسة اللوفر خلال الانتداب الفرنسي، ثم تولّى إدارة المديرية العامة للآثار بعد الاستقلال وبقي في مركزه منذ العام 1943 حتى منتصف الثمانينيات. وترى صادر أنّ إرثه يجمع بين الإيجابيات الكبيرة والسلبيات الكبيرة في آن معًا. فمن جهة كان له دور مركزي في تثبيت حضور الآثار في الوعي اللبناني، وربط الآثار بصورة الدولة الحديثة وبالهوية اللبنانية الناشئة، والحفاظ على عدد من المواقع الأثرية عبر الاستملاك، خصوصًا في صور وبعلبك، كما أنّه نجح في إقناع الدولة بأهمية حماية الأراضي الأثرية قبل التمدد العمراني.
لكن من جهة أخرى، تشير صادر إلى أنّ شهاب ركّز بصورة مفرطة على المدن الساحلية الكبرى المرتبطة بالسردية الفينيقية، مثل صور وصيدا وجبيل، متأثرًا بالنصوص التوراتية والكلاسيكية التي كانت تبحث عن أمجاد المدن الفينيقية القديمة. غير أنّ هذا التوجه لم يحقق النتائج المتوقعة، لأنّ هذه المدن بقيت مأهولة عبر العصور، ما جعل الطبقات الأثرية الأقدم مدفونة تحت المدن الحديثة أو مدمّرة بفعل البناء المتواصل. ولذلك، فإنّ الآثار الظاهرة اليوم في صور مثلًا تعود بمعظمها إلى العهدين الروماني والبيزنطي، بينما بقيت الآثار الفينيقية الحقيقية محدودة وصعبة الاكتشاف. كما أنّ هذا التوجه خلق نوعًا من الانتقائية في التعامل مع التراث، إذ جرى الاهتمام بمواقع معينة وإهمال مناطق أخرى داخلية أو ريفية قد لا تنسجم مع السردية السائدة.
هيمنة السياحة على العمل الأثري
تشير صادر إلى أنّ المديرية العامة للآثار كانت تابعة لوزارة السياحة لفترة طويلة، وهذا الأمر أثّر بشكل مباشر على طبيعة العمل الأثري وأولوياته، ما جعل الاهتمام مُنصبًّا على الآثار القادرة على جذب الزوار، لا على الدراسات العلمية العميقة أو المسوحات الأثرية الشاملة. وتشرح صادر أنّ علم الآثار اللبناني في تلك المرحلة كان يركّز على الكشف عن المعالم الضخمة المهيبة ذات القيمة السياحية والرمزية، أكثر من اهتمامه بالبحث العلمي الدقيق طويل الأمد، وبناء قواعد بيانات وطنية متكاملة، أو دراسة الطبقات الأثرية وتحليلها ودراسة الحياة اليومية والبنى الاجتماعية القديمة.
وتنتقد صادر هذا النموذج لأنّه حوّل الآثار إلى «واجهة سياحية» أكثر منها مشروعًا معرفيًا وثقافيًا. فبدلًا من الاستثمار في المسوحات الأثرية الشاملة، والتوثيق العلمي، والتدريب المهني، جرى التركيز على ترميم المعابد والمسارح والأعمدة الرومانية التي يسهل عرضها في الكتيّبات السياحية. وهذا ما جعل كثيرًا من المناطق الأثرية اللبنانية غير مدروسة بشكلٍ كافٍ حتى اليوم. وتؤكد أنّ غياب المسح الأثري المنهجي لكل الأراضي اللبنانية كان من أبرز نقاط الضعف، لأنّ المسح يسمح بتحديد المواقع الأثرية قبل تنفيذ مشاريع شق الطرق والبناء والزراعة، وبالتالي حماية التراث من التدمير العشوائي. ونتيجة لذلك، تعرّضت مواقع كثيرة للتدمير من دون توثيق، خصوصًا خلال موجات التوسع العمراني بعد الحرب الأهلية.
تطور علم الآثار ومنهجياته
ينتقل الحديث مع الدكتورة صادر ليُلقي الضوء على التحول المنهجي الذي شهده علم الآثار عالميًا، وكيف تأخّر لبنان نسبيًا في مواكبته. ففي بداياته، كان علم الآثار أقرب إلى دراسة الفنون القديمة أو البحث عن الكنوز والمعالم الضخمة، لكنه تحوّل لاحقًا إلى علم متعدد الاختصاصات يتقاطع مع الأنثروبولوجيا، والجيولوجيا، والعمارة، ودراسات الذاكرة والتراث، بالإضافة الى العلوم البيئية والتحليل الطبقي والتقنيات الحديثة ومنها تقنيات التوثيق الرقمي والاستشعار عن بعد، واختيار المواقع وفق أهميتها الاستراتيجية، بدلًا من الحفر العشوائي أو البحث فقط عن المباني الضخمة.
وتشير صادر إلى أنّ الحفريات القديمة في لبنان كانت في كثير من الأحيان تفتقر إلى التوثيق العلمي الدقيق، لأنّ الهدف كان استخراج القطع المهمة أو الكشف عن المباني الكبرى. أما علم الآثار الحديث، فهو يركّز على فهم المجتمع القديم بكامل تفاصيله: أنماط السكن، الغذاء، الاقتصاد، البيئة، العلاقات التجارية، وحتى الحياة اليومية للناس العاديين.
كما تؤكد أنّ قيمة الموقع الأثري لا تكمن فقط في «القطع الجميلة»، بل في الطبقات والسياقات التي تكشف كيفية تطور المجتمعات عبر الزمن. لذلك، تعتبر أنّ تدمير الطبقات الأثرية بسبب المشاريع العمرانية أو الحفريات غير المنهجية يشكّل خسارة معرفية لا يمكن تعويضها.
التعليم والتدريب والواقع المهني
وفي الإطار الأكاديمي، تشير صادر إلى أنّ تعليم الآثار في لبنان بدأ بشكلٍ محدود ومتأثر بالنموذج الفرنسي الذي ركّز على تاريخ الفن أكثر من التدريب المنهجي والعملي. فالجامعة اللبنانية أنشأت فرعًا للآثار منذ بداياتها، لكن التدريس كان أقرب إلى تاريخ الحضارات والفنون القديمة منه إلى التدريب على الحفريات والمنهجيات الحديثة.
تستعرض صادر تاريخ تدريس الآثار في لبنان، وتشير إلى أنّ الجامعة اللبنانية أدّت دورًا أساسيًا في هذا المجال، وأنّ عددًا من العاملين في المديرية العامة للآثار كانوا يدرّسون فيها، مثل كميل أسمر وحارث البستاني. وتعتبر أنّ ديمتري بارامكي كان أحد أبرز الشخصيات الأكاديمية في تطوير الاختصاص، وهو الذي أسّس قسم «التاريخ والآثار» في الجامعة الأميركية في بيروت، ونجح في استقطاب أساتذة وطلاب أجانب منذ خمسينيات القرن العشرين وستينياته.
كما تتحدث صادر عن ضعف برامج الآثار في الجامعات اللبنانية عامةً، وعن توقف بعض البرامج أو تجميدها، ما انعكس سلبًا على إعداد الكوادر الجديدة. وتشير إلى أنّ الأزمة لا تتعلق فقط بالمناهج، بل أيضًا بغياب الرؤية الوطنية لتطوير الاختصاص، وبضعف التمويل، وعدم وجود مسارات مهنية واضحة ومستقرة ومعزّزة بالتدريب المستمر للخريجين والعاملين الآثاريين. وترى أنّ الأزمة الأساسية تكمن في غياب مؤسسة رسمية قوية قادرة على استقطاب الكفاءات والحفاظ عليها. فالأجور زهيدة، والهيكل الإداري غير مُنظم، والتوظيف يتم أحيانًا بطرقٍ غير علمية وعشوائية، ما يدفع الكثير من الباحثين الجيدين إلى الهجرة أو الابتعاد عن القطاع. كما تنتقد ضعف فهم مؤسسات الدولة لطبيعة العمل الأثري، إذ لا توجد معرفة دقيقة بالتخصصات المطلوبة أو بآليات التوظيف المناسبة. وتوضح أنّ عددًا كبيرًا من الأثريين اللبنانيين اعتمدوا تاريخيًا على المنح الخارجية والبعثات الأجنبية، لأنّ الدولة لم تؤمّن تمويلًا مستقرًا للبحث العلمي.
ما بين الإهمال والحرب والإعمار
تشير صادر إلى أن بعض الحفريات كانت تكلّف مبالغ ضخمة جدًا من دون أن تنتج معرفة علمية حقيقية، بسبب ضعف التخطيط وسوء الإدارة. وتتحدث عن ضياع مواقع مهمة لهذا السبب أو نتيجة قرارات سياسية أو اقتصادية، وتقدّم مثالًا على ذلك موقع تل الناعمة، وهو موقع أثري مهم يمتد من العصر النيوليتي حتى العصر المملوكي، وتعرّض للإهمال والتدمير رغم قيمته العلمية الكبيرة. فقد اكتشفت أنّ الموقع أُزيل من لائحة التلال الأثرية لتسهيل بيعه واستثماره، رغم إدراك المختصين لأهميته العلمية، ما يشير إلى هشاشة حماية التراث في لبنان وخضوعه مرارًا للمصالح.
أما بعد انتهاء الحرب، فقد شهدت المديرية العامة للآثار والمتاحف مرحلة إعادة بناء وترميم، شملت إعادة افتتاح المتحف الوطني، ومحاولة جرد القطع الأثرية وتنظيمها بعد سنوات الدمار والفوضى. كما أُطلقت حفريات واسعة في وسط بيروت بالتعاون مع بعثات دولية استُدعيت عبر اليونسكو، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من آثار العاصمة خلال مشاريع إعادة الإعمار. وتُعدّ هذه المرحلة محورًا مركزيًا في تاريخ علم الآثار في لبنان، خصوصًا في ما يتعلق بوسط بيروت.
وترى صادر أنّ إعادة الإعمار شكّلت فرصة تاريخية لإعادة اكتشاف المدينة القديمة، لكنها تحوّلت في الوقت نفسه إلى مصدر دمار واسع للطبقات الأثرية بسبب سرعة التنفيذ والضغوط الاقتصادية. وتعتبر أنّ مشاريع البنية التحتية وإعادة الإعمار غالبًا ما سبقت الدراسات الأثرية وأدّت إلى تدمير أجزاء كبيرة من المدينة القديمة. وتلحظ أنّ الحفريات السريعة وغير الموثقة التي رافقت مشاريع الإعمار في بيروت بعد الحرب أصبحت مرتبطة بشركات الإعمار والمطوّرين العقاريين على حساب مرجعية الدولة وحماية التراث، مؤكدة أنّ الكثير من المواقع حُفرت بطريقةٍ سيئة ومن دون توثيق أو نشر علمي منهجي، ما أدى إلى ضياع جزء من الذاكرة التاريخية للبنان.
وفي السنوات الأخيرة، ومع تكرار الحروب والأزمات، عادت صادر لتُحذّر من الأخطار المتزايدة التي تهدّد المواقع الأثرية اللبنانية، سواء بفعل التدمير العمراني أو الاعتداءات الإسرائيلية، خصوصًا في الجنوب والبقاع حيث توجد مواقع كثيرة غير مدروسة أو غير منقّبة بعد. وتدعو إلى وضع خطة وطنية شاملة لحماية التراث، تقوم على تعاون الدولة اللبنانية مع المنظمات الدولية والجامعات والخبراء المحليين، بالتوازي مع تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التراث بوصفه جزءًا من الذاكرة الوطنية والتاريخ الإنساني المشترك، وبدوره الثقافي والاقتصادي. كما شدّدت على أهمية البناء على مبادرات الأونيسكو الأخيرة المتعلقة بالحماية المعزّزة للمواقع الثقافية اللبنانية إذ إنّ عدد المواقع المحمية لا يكفي، والعمل على توسيع نطاقها لتشمل جميع المواقع الأثرية الموثّقة، بما فيها تلك التي لم تُنقّب بعد، إضافة إلى المعالم التاريخية المُدرجة على لائحة الجرد العام. ويأتي ذلك رغم الفجوة بين النصوص القانونية وقدرتها الفعلية على الردع، إذ تبدو المؤسسات الدولية قادرة على توثيق الأضرار وإدانتها ودعم إعادة التأهيل أكثر من قدرتها على منع وقوعها.
أزمة المؤسسات والإدارة الثقافية
وفي تقييمها للبنية الإدارية لقطاع الآثار، ترى صادر أنّ إنشاء وزارة الثقافة بعد الحرب كان خطوة جيدة من حيث المبدأ، لكنه فشل عمليًا بسبب غياب الميزانيات والأنظمة الفاعلة والتنفيذ الجدي. كما ترى أنّ الفصل غير المدروس بين مديرية الآثار ومديرية المتاحف خلق حالة من الفوضى الإدارية والتداخل في الصلاحيات وأضعف التنسيق المؤسسي. وتوضح أنّ النظام القديم رغم عيوبه، كان أكثر تماسكًا، إذ كان المدير العام مسؤولًا عن مختلف القطاعات، مع وجود رؤساء مصالح متخصصين للحفريات والمتاحف والترميم. أما التعديلات الجديدة، فقد أدت إلى تفكيك النظام من دون بناء بديل فعّال. كما تشير إلى عملية تغيّر الوزراء المستمرة عبر تعاقب الحكومات، وما يرافقها من انقطاع في السياسات والمشاريع، إذ تبدأ الخطط ثم تتوقف مع كل تغيير سياسي. بالنسبة إليها، هذا يعكس أزمة أعمق في الدولة اللبنانية، حيث تغيب الاستمرارية المؤسسية والتخطيط طويل الأمد.
وتنتقد صادر ما تسميه «القومية الفارغة»، أي استخدام الخطاب الوطني لتبرير الرداءة أو رفض النقد. فهي تؤكد أنّ حب الوطن الحقيقي يعني السعي إلى تقديم أفضل المعايير العلمية والإدارية، لا الاكتفاء بالشعارات والشكليات. وترى أنّ بعض المؤسسات اللبنانية وقعت في فخ اعتبار أي نقد بمثابة هجوم على الوطنية، بينما المطلوب فعليًا هو بناء مؤسسات محترفة وقادرة على المنافسة الدولية. كما تنتقد منطق التوظيف لمجرد التوظيف من دون تدريب وتأهيل وتطوير، معتبرة أنّ ذلك أضرّ بسمعة القطاع وأضعف كفاءته.
التراث والمستقبل
في سياق رؤيتها العميقة للواقع الأثري والثقافي في لبنان، تكشف صادر عن مجموعة من الإصلاحات البنيوية الضرورية للنهوض بقطاع الآثار وحماية التراث الوطني من التدهور والإهمال والتسييس. فالمشكلات التي تشير إليها لا تقتصر على نقص التمويل أو ضعف الإمكانات التقنية، بل تمتد إلى بنية المؤسسات نفسها، وآليات الإدارة، والعلاقة بين الثقافة والسياسة والاقتصاد والعمران. وفي بُعدٍ أوسع، تدعو رؤية صادر إلى الانتقال لفهم الآثار كموردٍ معرفي وثقافي حيّ يسهم في بناء المستقبل. فالتراث، في نظرها، ليس مجرد مسألة تقنية أو أدوات للعرض السياحي أو الرمزية الوطنية، بل هو وسيلة لفهم تطور المجتمع اللبناني وتعدديته وتعقيداته التاريخية. ومن هنا، فإنّ تطوير قطاع الآثار يصبح جزءًا من مشروع ثقافي أشمل يهدف إلى بناء دولة أكثر احترامًا للمعرفة والمؤسسات والذاكرة الجماعية، ويرتبط بمستقبل المجتمع نفسه وقدرته على المشاركة الفعالة في هذه العملية.
وفي خلاصة اللقاء مع صادر، يمكننا استخلاص عدد من المجالات الأساسية للمزيد من التفكير والسعي نحو التحسين والإصلاح، وذلك على النحو الآتي:
- إعادة بناء رؤية وطنية شاملة للتراث الثقافي، تتعامل مع الآثار بوصفها جزءًا من الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية، لا مجرد مورد سياحي أو عبء إداري. ومن هنا تبرز الحاجة إلى سياسة ثقافية جديدة تُوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على القيمة العلمية والتاريخية للمواقع الأثرية.
- إجراء مسح أثري وطني شامل للأراضي اللبنانية باستخدام التقنيات الحديثة. فغياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة للمواقع الأثرية جعل الكثير منها عرضة للتدمير خلال مشاريع البناء وشق الطرق والتوسع العمراني. في هذا السياق، ترى صادر أنّ الحماية الفعلية للتراث تبدأ قبل الحفريات، أي من خلال التخطيط المسبق وتحديد المناطق الحساسة أثريًا قبل منح التراخيص العمرانية أو الاستثمارية.
- تعزيز استقلالية المديرية العامة للآثار وتحصينها إداريًا وقانونيًا من التدخلات السياسية والضغوط الاقتصادية والتعديلات نتيجة تغيّر الوزراء والسياسات، لضمان استمرارية العمل الثقافي. لذلك، يبدو من الضروري تطوير إطار قانوني وإداري أكثر استقرارًا، يسمح للمؤسسات الثقافية بالعمل وفق خطط طويلة الأمد بعيدًا عن التقلبات السياسية الآنية ضمن هيكلية مؤسساتية واضحة تعزز العلاقة بين المتاحف والآثار.
- تحديث القوانين المتعلقة بحماية الآثار والتراث العمراني، إذ إنّ الكثير من التشريعات الحالية يعود إلى عقود سابقة ولم يعد قادرًا على مواكبة التحولات العمرانية والاستثمارية الحديثة. فالقوانين القائمة غالبًا ما تعاني ضعف التنفيذ أو الثغرات التي تسمح بتجاوزها تحت ضغط المصالح العقارية والاقتصادية. ومن هنا تظهر أهمية تطوير تشريعات أكثر صرامة ووضوحًا، تتضمن آليات رقابة فعالة وإجراءات عقابية على التعديات والتدمير والإهمال.
- وضع معايير علمية واضحة للحفريات الإنقاذية، وإلزام الشركات والمشاريع الكبرى بتمويل الدراسات الأثرية المسبقة وحماية المكتشفات انطلاقًا من دروس التجربة اللبنانية بعد الحرب الأهلية.
- تبرز على المستويين الأكاديمي والمهني الحاجة إلى إعادة تطوير برامج تعليم الآثار في الجامعات اللبنانية وربطها بالتدريب الميداني والمنهجيات والتقنيات الحديثة. ويرافق ذلك تحسين ظروف العمل، وتأمين فرص تدريب مستمر، وخلق بيئة مهنية قادرة على استقطاب الكفاءات الشابة والحد من هجرتها إلى الخارج. فالتراث لا يمكن حمايته من دون وجود مؤسسات قوية وكوادر متخصصة ومستقرة.
- توسيع العلاقة بين المجتمع والتراث من خلال إشراك المجتمعات المحلية والمدارس والبلديات في حماية المواقع الأثرية ونشر الوعي الثقافي. فحماية التراث لا يمكن أن تبقى مسؤولية نخبة أكاديمية أو مؤسسة رسمية فقط، بل ينبغي أن تتحول إلى ثقافة عامة تعزز شعور المواطنين بالانتماء إلى تاريخ مشترك يتجاوز الانقسامات الطائفية والمناطقية والسياسية.
- إدماج حماية التراث ضمن سياسات إدارة الكوارث والنزاعات المسلحة، فالحفاظ على المواقع الأثرية هو جزء من الأمن الثقافي والذاكرة الجماعية، ويرتبط أيضًا بحماية معنى لبنان نفسه.
أخيرًا، تُشدد صادر على أنّ التراث الثقافي ليس ترفًا، بل هو جزء أساسي من الذاكرة الجماعية ومن بناء المواطنة. وعندما تُدمّر المواقع الأثرية أو تُدار المؤسسات الثقافية بطريقةٍ غير احترافية، فإنّ المجتمع يخسر جزءًا من تاريخه ومن قدرته على فهم نفسه.


















