د. إلهام نصر تابت
كيف الأحوال عندكم يا من تقيمون في قلب الخطر، وبين أنقاض قرى وبيوت وأعمار مهدورة؟
كيف الأحوال عندكم، يا من تتولّون حفظ الأمن في أرض تغلي قلقًا وغضبًا وهمومًا؟
كيف الأحوال عندكم، يا من تلاحقون عصابات الإجرام وتدهمون أوكارها؟
كيف الأحوال في بيوتكم على عتبة شتاء تتضاعف في أيامه مسؤولياتكم تجاه عائلاتكم، وتتضاعف صعوبات مهماتكم؟
تكثر الأسئلة التي ما زلنا نرددها منذ سنوات، وقد حمّلتكم أزماتها وحروبها ما يصعب احتماله.
أمّا الجواب فواحد للأسئلة كلها: إنّه ثباتكم رغم العواصف الهوجاء. ثباتكم في الولاء لمؤسستكم ووطنكم. ثباتكم في بذل الجهود الجبّارة وعدم تردّدكم في أداء المهمات المسندة إليكم. ثباتكم في التزام القيم والمبادئ التي تشكّل أساس مناقبيتكم. ثباتكم في الإيمان بأنّ وطنكم يستحق كل نقطة عرق من جباهكم وكل ما يسري في شرايينكم من دماء ووفاء. ذلك هو الثبات الأروع الذي يصنع تماسككم ويجعلكم تواجهون الواقع الصعب بالعمل والأمل.
هكذا عهدناكم، وهكذا تبقون. واضح أنّ ما في الأفق يحمل لكم المزيد من المهمات والمزيد من التعب. وواضح أنّه ليس لدى مواطنيكم أمل بالخلاص يتقدّم على الأمل بثباتكم في أداء واجبكم الوطني بمختلف وجوهه.
مواطنوكم في كل منطقة وحي وشارع يراهنون على وجودكم قربهم في كل محنة وظرف عصيب، يرون في بزّتكم وعد الأمان والاستقرار. هم يعبّرون عن ذلك بأشكالٍ متعددة، وأنتم تلمسونه كل يوم. تلمسونه، وتشعرون به، فتفيض نفوسكم عزمًا تقارعون به الصعوبات. وهذا ما دعا قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى القول خلال السباق الذي نظمه الجيش وجمع آلاف العسكريين والمدنيين تحت عنوان «سوا مكمّلين»: «نستمد قوّتنا من أبناء الوطن».
من أجل وطنكم تجاهدون وتصبرون. من أجل مواطنيكم، أهلكم، ومستقبل أولادكم، تصنعون من المشقّات حوافز، ومن التحديات قصص عنفوان وانتصارات.
في موازاة مهماتكم التي ما فتئت منذ سنوات تتّسع وتزداد تشعُّبًا وتعقيدًا، تواصلون السعي إلى تعزيز قدراتكم وخبراتكم، تواظبون على التمرّس واكتساب المزيد، لتنهضوا بمسؤولياتكم، فتؤدون واجبكم على أكمل وجه. وإذ تتشاركون التدريب مع وحدات من أقوى جيوش العالم وأفضلها تجهيزًا وتسليحًا، تثبتون في كل مرة جدارتكم واندفاعكم وقدرتكم على التفاعل مع التقنيات الحديثة بكفاءةٍ عالية. هذا ما كان واضحًا في تمرين «بيغاسوس سيدر 2026»، الذي اختتم منذ أيام، وفي العديد من التمارين والمناورات قبله، وسيكون واضحًا جليًا في الآتي من الأيام.
قيادتكم تقدّر جهودكم، تتابع أوضاعكم، وتسعى من دون توقّف إلى استنباط الحلول التي تخفف وطأة ما تتحمّلونه من أعباء. فرغم هول الأزمات التي عانت بسببها مؤسستكم الكثير، ظلت هذه المؤسسة بفعل تضافر جهود قيادتها مع جهودكم قادرة على الصمود. فظلت ضمانة للوطن، ومحل إجماع أبنائه وتقديرهم.
بالأمس، وُضع حجر الأساس لمشروع مساكن التعاضد التي يستفيد منها الرتباء والأفراد، وهو يشكّل خطوة عملية نحو تأمين السكن الملائم للعسكريين وعائلاتهم. لا تقتصر أهمية هذا المشروع على توفير وحدات سكنية، بل تتجاوز ذلك إلى ترسيخ قيم التضامن والتكافل، وتأكيد أهمية الوقوف إلى جانب مَن يكرّسون جهودهم لخدمة الوطن وحماية أمنه، بما يوفّر لهم ولأسرهم مقومات الاستقرار والحياة الكريمة.
إنّ قيم التضامن والتكافل هي من أبرز ما نحتاج إليه وسط الجنون الذي نشهده في لبنان والمنطقة. وهذه القيم التي تحتل مكانة عالية في الحياة العسكرية وفي المجتمع اللبناني، أدّت دورها المهم على صعيد كليهما، خصوصًا في ظل واقع مرير ما زال قائمًا منذ سنوات، وقد يزداد صعوبة ومرارة. من هنا نحن بحاجةٍ إلى مزيد من التضامن والتكافل بين اللبنانيين بمختلف فئاتهم، فالمواطنون مدعوون جميعًا إلى المحافظة على جيشهم عبر تقدير ثباته وتماسكه وجهوده.
العوافي يا جيشنا.
العوافي يا وطن.


