المعاون أول جيهان جبور
لكلّ طفلٍ صوتٌ يحمل أفكاره وأحلامه ومشاعره، ومن حقه أن يشعر بأنّ صوته مسموع، وأنّ رأيه يحظى بالاحترام، فالإصغاء إليه يشكّل أحد أهم الأسس التي تُبنى عليها ثقته بنفسه. وعندما يجد الطفل من يشجعه على التعبير عن أفكاره ومشاعره من دون خوف أو تردد، يصبح أكثر قدرة على التواصل، واتخاذ القرار، ومواجهة التحديات بثقة. وفي المقابل، قد يقوده التهميش المستمر إلى الانطواء، ويُضعف ثقته بقدراته وإمكاناته.
تؤكد الاختصاصية في علم النفس العيادي والمعالجة النفسية باسكال حوراني أنّ خوف الطفل من التعبير عن نفسه لا يولد معه، وإنّما يتشكل تدريجيًا من خلال تجارب يمر بها داخل الأسرة أو المدرسة أو محيطه الاجتماعي. فالترهيب أو العقاب وكثرة الانتقاد، والتركيز على الأخطاء والمقارنة بالآخرين، أو التعرّض للسخرية والتنمر، كلّها عوامل تُضعف شعور الطفل بالأمان، وتجعله يتردد في إبداء الرأي. كما أنّ وجود شخصية مسيطرة في الأسرة لا تتيح له فرصة المشاركة في اتخاذ القرارات أو التعبير عن احتياجاته، يضعف ثقته بنفسه ويشعره بأنّ رأيه غير مهم، فيفضّل الصمت على المشاركة. ومن الضروري أن يدرك الأهل أنّ الصمت المستمر لا يعني دائمًا أنّ الطفل هادئ بطبعه، بل قد يكون رسالة غير مباشرة بأنّه لا يشعر بالأمان الكافي للتعبير عن نفسه.
في السنوات الأولى
توضح حوراني أنّ الثقة بالنفس ليست صفة فطرية، وإنما تنمو تباعًا بدءًا من السنوات العمرية الأولى عبر التجارب اليومية والعلاقات التي يعيشها الطفل. فهو يبني صورته عن ذاته من طريقة التعامل معه من قبل والديه والمحيطين به. ولذلك، لا تكفي كلمات التشجيع ما لم تقترن بمواقف عملية تمنحه الشعور بالكفاءة والاستقلالية.
وتبدأ الثقة بالنفس عندما يشعر الطفل بأنّه محبوب ومقبول من دون شروط، وأنّ قيمته لا ترتبط بالنجاح أو التفوق فقط. كما تنمو عندما يُسمح له بالمحاولة حتى ولو أخطأ، وحين يُمنح فرصة اتخاذ قراراتٍ بسيطة تناسب عمره، مثل اختيار ملابسه، أو ترتيب ألعابه، أو المشاركة في بعض القرارات العائلية.
إلى ذلك، فإنّ الاحتفاء بإنجازاته مهما بدت بسيطة، يعزّز ثقته بقدراته، فيما تسهم المسؤوليات المناسبة لعمره في تنمية إحساسه بأنّه شخص كفوء ويمكن الاعتماد عليه. وفي المقابل، فإنّ الحماية الزائدة أو القيام بكل المهام نيابة عنه، قد تحرمه من خبرات النجاح، وبالتالي تحد من نمو ثقته بنفسه.
الأسرة… المدرسة الأولى
تؤكد حوراني أنّ الأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلّم فيها الطفل التعبير عن ذاته والتواصل مع الآخرين، وهي النموذج الذي يبني على أساسه علاقاته المستقبلية. فإذا شعر داخل أسرته بأن أفكاره تُحترم ومشاعره تُقدَّر، أصبح أكثر قدرة على التعبير عن نفسه بثقة داخل المدرسة والمجتمع.
ويبدأ ذلك بالاستماع الحقيقي إلى الطفل، لا بمجرد سماع كلماته. فالإنصات باهتمامٍ، والنظر إليه في أثناء الحديث، ومنحه الوقت الكافي لإكمال أفكاره من دون مقاطعة، كلها ممارسات تعزز شعوره بقيمته.
كما أنّ تشجيعه على الحديث عن يومه، وسؤاله عن مشاعره، ومساعدته على تسميتها والتعبير عنها، ينمّي لديه الذكاء العاطفي وهو عنصر أساسي في الصحة النفسية. ومن المهم أيضًا أن يتجنّب الأهل الاستخفاف بمشاعر الطفل أو إصدار الأحكام السريعة عليه، لأنّ الطفل الذي يشعر بأنّ مشاعره مقبولة يصبح أكثر قدرة على فهمها وتنظيمها والتعبير عنها بطريقة صحية.
أخطاء تربوية
تشير حوراني إلى أنّ بعض الأهل يرتكبون أخطاءً تربوية عن غير قصد، لكنها تترك آثارًا عميقة في شخصية الطفل. ومن أكثر هذه الأخطاء شيوعًا السخرية من أفكاره أو الضحك على طريقة كلامه، أو الاستخفاف بمشاعره، أو مقاطعته قبل أن ينهي حديثه.
كما أنّ تكرار عبارات مثل «أنت لا تفهم» أو «اسكت» أو «الكبار يتحدثون»، يرسل للطفل رسالة مفادها أنّ رأيه لا قيمة له. وتضيف أنّ التركيز المستمر على الأخطاء اللغوية، أو تصحيح كل كلمة يقولها، قد يجعله يخشى الحديث خوفًا من الوقوع في الخطأ، فيما تؤدي المقارنة بالأطفال الآخرين إلى إضعاف تقديره لذاته وتقوده إلى الشعور بأنّه أقل كفاءة من غيره. وتكمن خطورة هذه السلوكيات في أنها لا تؤثر في قدرة الطفل على التعبير فحسب، بل يمكن أن تمتد آثارها إلى مرحلة المراهقة وحتى الرشد.
الاستماع الفعّال
تصف حوراني الاستماع الفعّال بأنه من أهم المهارات التربوية التي يحتاج إليها الوالدان، لأنّه يمنح الطفل شعورًا بالأمان والانتماء. فالاستماع لا يعني مجرد الصمت خلال حديثه، بل الإصغاء بهدف الفهم والتفاعل، وليس بهدف إصدار الأحكام أو تقديم الحلول بشكلٍ فوري. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التواصل البصري مع الطفل، وإتاحة الفرصة له لإكمال حديثه وإعادة صياغة ما قاله للتأكد من فهمه، إضافة إلى الاعتراف بمشاعره حتى لو لم يكن السلوك الذي قام به مقبولًا.
كما يُستحسن طرح أسئلة مفتوحة تشجعه على التفكير والتعبير، مثل «كيف شعرت عندما حدث ذلك؟» أو «ما الذي كنت تتمنى أن يحدث؟» فهذا النوع من الحوار يعزز ثقة الطفل بنفسه، ويشجعه على مشاركة أفكاره ومشكلاته مع والديه بدلًا من كبتها أو البحث عن مصادر أخرى للدعم.
الطفل الخجول
في ما يتعلّق بالطفل الخجول الذي يخشى المشاركة في المدرسة أو أمام الآخرين، توضح حوراني أنّ الخجل ليس اضطرابًا ولا عيبًا في الشخصية بل هو سمة طبيعية تختلف درجته من طفل إلى آخر. وتحذّر من إجبار الطفل الخجول على الحديث أمام الآخرين أو توبيخه بسبب خجله لأنّ ذلك قد يزيد من قلقه ويجعله أكثر انطواءً. وتنصح باعتماد أسلوب التدرج من خلال منحه فرصًا آمنة للتعبير داخل المنزل، ثمّ تشجيعه على المشاركة في مجموعات صغيرة قبل الانتقال إلى المواقف الأكبر. كما أنّ أنشطة لعب الأدوار تساعد على تدريبه على المواقف الاجتماعية بطريقة ممتعة، فيما التركيز على تشجيع محاولاته، بغض النظر عن النتيجة، يُعد من أفضل الوسائل لتعزيز ثقته.
وتؤكد أنّ الطفل الخجول يحتاج إلى الوقت والصبر أكثر من الضغط، فالهدف ليس أن يصبح اجتماعيًا بصورة مبالغ فيها، وإنما أن يشعر بالراحة والقدرة على التعبير عن نفسه عندما يرغب في ذلك.
بين الاحترام والتدليل
في السياق، تشير حوراني إلى أنّ بعض الأهالي يخلطون بين احترام الأطفال وتلبية جميع رغباتهم، موضحةً أنّ هناك فرقًا واضحًا بين الأمرين. فاحترام رأي الطفل يعني الإصغاء إليه، وتشجيعه على التعبير عن أفكاره، ومناقشته بهدوء، مع توضيح أسباب قبول طلباته أو رفضها. أما التدليل، فيعني غياب الحدود والاستجابة لكل رغباته من دون مراعاة للقواعد أو المصلحة التربوية. فالطفل يحتاج إلى أن يشعر بأنّ صوته مسموع، لكنّه يحتاج أيضًا إلى التعلّم أنّ الحياة لا تسير دائمًا وفق رغباته، وأنّ تقبّل الرفض وتأجيل الإشباع، واحترام القوانين، كلها مهارات أساسية في النضج النفسي والاجتماعي. وعندما يجتمع الاحترام مع الحدود الواضحة تنمو لدى الطفل شخصية متوازنة تجمع بين الثقة بالنفس واحترام الآخرين.
التنمّر يسرق صوت الطفل
لا تقتصر العوامل المؤثرة في ثقة الطفل بنفسه على أساليب التربية داخل الأسرة، بل تمتد أيضًا إلى التجارب التي يمر بها في محيطه الاجتماعي، وفي مقدمتها التنمر.
وتحذّر حوراني من أنّ التنمر قد يترك آثارًا نفسية عميقة، خصوصًا إذا استهدف طريقة كلام الطفل أو أسلوب تعبيره. وتؤكد أنّ أول ما يحتاج إليه الطفل هو الشعور بأنّ أسرته تتفهم ما مرّ به وتأخذ مشاعره على محمل الجد، من دون التقليل من أهمية الموقف أو مطالبته بتجاهله. وتنصح بالإصغاء إليه، وطمأنته وتشجيعه على وصف ما حدث وما شعر به، ومن ثمّ مساعدته على تعلّم أساليب مناسبة للرد على المواقف المشابهة بطريقة هادئة وواثقة. كما يجب العمل على تعزيز ثقته بنفسه من خلال التركيز على نقاط قوته وتشجيعه على الأنشطة التي ينجح فيها.
أمّا إذا كان التنمر يحدث داخل المدرسة بصورة متكررة، فمن الضروري التعاون مع إدارة المدرسة والمعلمين لإيقافه، لأنّ معالجة التنمر مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسة التربوية.
أنشطة تعزز الحوار والثقة
ترى حوراني أن الأنشطة التفاعلية من أكثر الوسائل فاعلية في تنمية مهارات التواصل لدى الأطفال، لأنّها تتيح لهم التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم في بيئة آمنة وخالية من الضغط.
ومن أبرز هذه الأنشطة: لعب الأدوار، والمسرح، وسرد القصص وقراءتها ومناقشتها، والرسم ثم الحديث عن الرسومات، إضافة إلى الألعاب الجماعية التي تعلّم الطفل التعاون والحوار واحترام الرأي الآخر.
كما تسهم الأنشطة الرياضية في تعزيز الثقة بالنفس من خلال تنمية الشعور بالإنجاز والانتماء إلى الفريق، فيما تساعد الموسيقى والغناء على التعبير عن المشاعر والتخفيف من التوتر. ويمكن أيضًا تخصيص وقت عائلي للحوار، أو استخدام بطاقات المشاعر وصندوق الأسئلة لتشجيع الطفل على الحديث بصورة تلقائية.
التقييم المختص
تختم حوراني بالإشارة إلى أنّه من الطبيعي أن يشعر الطفل بشيء من التوتر أو الخجل في المواقف الجديدة، كاليوم الأول في المدرسة، أو الوقوف أمام جمهور، أو مقابلة أشخاص لا يعرفهم، وغالبًا ما يتراجع هذا القلق مع التكرار واكتساب الخبرة.
أما إذا استمر الخوف لفترة طويلة، أو أصبح يمنعه من المشاركة داخل الصف، أو تكوين الصداقات، أو أثر على تحصيله الدراسي، أو ترافق مع أعراض جسدية متكررة، مثل آلام البطن أو الصداع أو القيء قبل الذهاب إلى المدرسة، فقد يكون ذلك مؤشرًا إلى اضطراب يحتاج إلى تقييم مختص.
كذلك، فإنّ امتناع الطفل عن الكلام في مواقف اجتماعية معينة، رغم تحدثه بصورة طبيعية داخل المنزل، قد يشير إلى الصمت الانتقائي وهو اضطراب يحتاج إلى تدخل مبكر. وتؤكد أن طلب الاستشارة النفسية في الوقت المناسب ليس مبالغة، بل خطوة وقائية تساعد الطفل على تجاوز الصعوبات قبل أن تنعكس سلبًا على نموه النفسي والاجتماعي وثقته بنفسه.








