باسكال معوّض بو مارون
من الملاعب إلى مدرّجات الجماهير، دخلت كرة القدم السباق العالمي نحو اقتصاد أكثر استدامة. فمع تنامي الكلفة البيئية للبطولات الكبرى، من استهلاك الطاقة والمياه إلى النفايات وانبعاثات السفر، بدأت اللعبة الأكثر شعبية في العالم تتحوّل تدريجيًا إلى مساحة لتطبيق حلول ”الخضرنة“. ولم يعد الأمر مجرّد مبادرات بيئية هامشية، بل توجّهًا متكاملًا يعيد رسم طريقة بناء الملاعب وتشغيلها وتنظيم المباريات وتنقّل الجماهير، واضعًا الاستدامة في صلب مستقبل كرة القدم.
«خضرنة عالم الرياضة» Green Sports هي التوجّه العالمي نحو دمج الاستدامة البيئية في قطاع الرياضة، وهي تشكّل منظومة متكاملة تهدف إلى إدماج مبادئ الاستدامة البيئية في مختلف جوانب النشاط الرياضي، بدءًا من تصميم المنشآت وتشغيلها، مرورًا بإدارة النفايات والتنقّل، وصولًا إلى تصنيع المعدات وتنظيم البطولات الكبرى.
ملاعب ذكية
تبدأ هذه المنظومة بالمرافق والملاعب الذكية، عبر الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتشغيل الإنارة والشاشات، إلى جانب استخدام أنظمة الإضاءة الموفّرة للطاقة، وتقنيات الريّ الذكي التي تعتمد على مياه الأمطار والمياه الرمادية، بما يخفّض استهلاك المياه العذبة في ري الملاعب بنسبةٍ تصل إلى 40 بالمئة. كما تُعتمد تصاميم هندسية تعزّز التهوية الطبيعية وتحدّ من الحاجة إلى أنظمة التبريد.
وفي ما يتعلّق بأرضيات الملاعب، يتزايد استخدام العشب الهجين الذي يجمع بين العشب الطبيعي والألياف الاصطناعية، ما يطيل عمر أرضية الملعب ويقلّل الحاجة إلى المبيدات والأسمدة الكيميائية. كما ظهرت أنواع جديدة من العشب الصناعي تعتمد على ألياف نباتية ومواد قابلة للتحلّل الحيوي، وتخفّض الانبعاثات الكربونية خلال التصنيع بنحو 40 بالمئة، مقارنة بالعشب التقليدي، فضلًا عن قابليتها للتحلّل الكامل في نهاية دورة حياتها.
وتُعدّ إدارة النفايات أحد أهم محاور الخضرنة، من خلال حظر البلاستيك أحادي الاستخدام داخل الملاعب، وتوفير محطات متكاملة لفرز النفايات وإعادة تدويرها، وتحويل المخلّفات العضوية وبقايا الأطعمة إلى سماد طبيعي، إضافة إلى إعادة تدوير مخلّفات البناء واستخدام مواد قابلة لإعادة التدوير في المنشآت المؤقتة.
أما في مجال التنقّل، فتُشجّع الجماهير على استخدام وسائل النقل العام عبر دمج تذكرة المباراة مع تذكرة المواصلات، وتأمين مسارات آمنة ومواقف للدراجات الهوائية، وتطوير البنية التحتية لمحطات شحن السيارات الكهربائية حول الملاعب. كما يجري اعتماد التوزيع الإقليمي للمباريات وجدولتها جغرافيًا لتقليل مسافات سفر المنتخبات والمشجعين، مع تعزيز الاعتماد على القطارات والحافلات الكهربائية داخل المدن المستضيفة.
وتشمل الخضرنة أيضًا سلاسل التوريد والمشتريات، من خلال تصنيع الملابس والمعدات الرياضية باستخدام مواد معاد تدويرها، بما فيها البلاستيك المستخرج من المحيطات، إلى جانب التعاون مع مورّدين ورعاة يلتزمون معايير الاستدامة البيئية، والعمل على خفض الانبعاثات الناتجة عن شحن المعدات وتنقّل الفرق عبر جدولة أكثر كفاءة للمسابقات.
وخلال أيام المباريات، تُطبَّق مجموعة من الإجراءات المستدامة، مثل الاعتماد الكامل على التذاكر والكتيّبات الرقمية، وتقديم أغذية محلية وخيارات نباتية للحد من انبعاثات النقل، وإلغاء الأكواب البلاستيكية واستبدالها بأكواب قابلة لإعادة الاستخدام ضمن نظام استرداد مالي.
ركائز البطولات المستدامة
تكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في البطولات الكبرى، إذ تتسبّب أحداث مثل كأس العالم في انبعاث ما بين 3,8 و9 ملايين طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون (وزن كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة في الغلاف الجوي)، فيما تمثّل رحلات طيران الجماهير نحو 85 بالمئة من إجمالي الانبعاثات.
وللحد من هذه البصمة الكربونية، ترتكز استراتيجيات تنظيم البطولات المستدامة على أربع ركائز رئيسية؛ أوّلها استغلال البنية التحتية القائمة بدلًا من تشييد ملاعب جديدة، لما يوفّره ذلك من خفضٍ كبير في انبعاثات قطاع البناء، مع تحديث الملاعب القائمة وتأهيلها للحصول على شهادة LEED، وهو نظام عالمي لتقييم المباني المستدامة يقيس كفاءة استخدام الطاقة والمياه، وخفض انبعاثات الكربون، وتحسين البيئة الداخلية، ويمنح تصنيفات تشمل البلاتيني والذهبي والفضي والمعتمد.
وترتكز الثانية على تشغيل المنشآت الرياضية بالكامل بالطاقة المتجددة، مع تطبيق سياسة «صفر نفايات» عبر إعادة تدوير البلاستيك بالكامل وتحويل النفايات العضوية إلى سماد.
فيما تسعى الركيزة الثالثة للحد من الانبعاثات الناتجة عن تنقّل الجماهير، من خلال ربط تذاكر المباريات بوسائل النقل العام، واعتماد شبكات النقل الجماعي داخل المدن، إلى جانب إتاحة مساهمات مالية اختيارية للمشجعين عند شراء التذاكر لتمويل مشاريع تشجير تعوّض الانبعاثات الناتجة عن سفرهم.
وتتمثل الركيزة الرابعة في تنفيذ برامج صارمة للتعويض الكربوني، عبر الاستثمار في مشاريع التشجير وحماية الغابات لامتصاص الكميات المتبقّية من الكربون التي لا يمكن تجنّب انبعاثها، ولا سيما الناتجة عن النقل الجوي.
ولا تقتصر خضرنة الرياضة على حماية البيئة، بل تحقّق أيضًا فوائد اقتصادية واجتماعية، من أبرزها خفض استهلاك الوقود الأحفوري وتقليل تكاليف التشغيل على المدى الطويل بفضل الاستخدام الأكثر كفاءة للطاقة والمياه، إضافة إلى توظيف الشعبية الواسعة للرياضة في نشر الوعي البيئي وتشجيع الجماهير على تبنّي أنماط حياة أكثر استدامة.





