د. ألكسندر أبي يونس – باحث وأستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية

مع حلول العام 2026، طوت المؤسّسة العسكرية اللبنانية قرنًا كاملًا على محطة تأسيسية فارقة في تاريخها. ففي العام 1926، أبصرت ”القناصة اللبنانية“ النور كأول تشكيل عسكري يتألّف بكامله من عناصر لبنانية، لتضع بذلك اللبنة الأولى لما أصبح لاحقًا عماد سلاح المشاة في الجيش اللبناني.
وعلى الرغم من ارتباطها بجيش المشرق الفرنسي من حيث التسليح والعتاد ونطاق المهام، إلّا أن هذه الفرقة شكّلت النواة الأولى للسيادة العسكرية. فما هي الظروف السياسية والعسكرية والتشريعية التي رافقت ولادة القناصة اللبنانية؟ وكيف صُمّمت هيكليتها؟ وممّن تألّفت كتائبها التي أرست قواعد الجندية اللبنانية الحديثة؟
لم تكن سرايا «القناصة اللبنانية» التي أُنشئت في العام 1926 نسيجًا مقطوعًا عن التشكيلات العسكرية السابقة في البلاد، إذ سبقتها تجربة «سرية القناصة اللبنانية المختلطة». إلّا أن تحوّلًا جوهريًا طرأ خلال العام المذكور تمثّل في حصرية الهوية؛ إذ اقتصر انتساب عناصرها كليًّا على المواطنين اللبنانيين، من دون أي اختلاط مع عناصر من بقيّة مناطق الانتداب الفرنسي.

القناصة اللبنانية المختلطة: النواة والأزمة
في الثاني من آذار 1923، أصدر حاكم لبنان الكبير، الجنرال ترابو (Georges Trabaud)، القرار رقم 1124 القاضي بإنشاء «طابور الصيّادة اللبنانية المختلط». تشكّل هذا الطابور في بدايته من أربع فصائل سيّارة تابعة للجندرمة اللبنانية، بلغ مجموع عناصرها مئة عنصر، فيما وُزّعت قيادته الإدارية بين بيت الدين للكتيبة الأولى، وبعلبك للكتيبة الثانية. أمّا نواته القيادية، فتألّفت من عشرة عناصر، أربعة منهم فرنسيون هم نقيب وملازم أول ومعاون ورقيب؛ وستة لبنانيون موزّعون بالتساوي ما بين ملازم أول وملازم ثانٍ ومرشّح ضابط بمعدل عنصرين لكلّ رتبة.
ومنذ لحظة تأسيسه، حظي هذا التشكيل بخصوصيةٍ استثنائية ميّزته عن باقي القوّات الرسمية، إذ وُضعت إمرته حصرًا تحت تصرّف حاكم لبنان الكبير بموجب القرار 2178، ومُـنع استخدامه لسدّ الفراغ في مخافر الجندرمة، رغم تبعيته التنظيمية لها. كما أفردت له الموازنة العامة للعام 1923 بابًا خاصًا (الباب 15) بميزانية بلغت أربعين ألف ليرة سورية، مفصولة تمامًا عن موازنة الداخلية والأمن العام.
غير أنّ غياب المهام الخاصة والتطابق في طبيعة الخدمة مع الجندرمة، دفعا السلطات الانتدابية إلى إلغاء التسمية بموجب القرار 2989 الصادر في 13 شباط 1925، لدمج مفرزاتها كليًا ضمن الجندرمة تفاديًا للالتباس.
لكن هذا الإلغاء لم يَدُم طويلًا؛ فسرعان ما فرضت التطورات السياسية والأمنية المتسارعة بين العامين 1925 و1926 (مع اندلاع الثورة السورية الكبرى) إعادة تقييم التجربة، إذ تراجعت السلطة الفرنسية عن قرارها وأعادت فتح باب التطوع بأسلوبٍ جديد. وهو ما عكسته صحيفة «البشير» في أواخر العام 1925 حين أعلنت: «بلغنا أنّ الجيوش الخاصة استأنفت قبول التطوع فيها، وأنّ طابور القناصة في الفياضية يستقبل المتطوعين من ذوي الكفاءات والتعليم، في اللغتين الفرنسية والعربية، والذين مارسوا وظائف كاتب أو طابع على الآلة الكاتبة أو مأمور تلفون أو راديو…». شكّل هذا التراجع الممهّد الحقيقي لولادة فرقة «القناصة اللبنانية» بحلّتها الوطنية الخالصة في العام 1926.

ظروف الإنشاء ودواعي القرار
في كانون الثاني 1926، قُدّم مشروع إنشاء سرايا «القناصة اللبنانية» إلى المجلس التمثيلي (النيابي) كضرورةٍ أمنية وسياسية عاجلة. وظاهريًا، سُوِّغ القرار استنادًا إلى المادة الثانية من صك الانتداب الفرنسي، التي تُجيز تشكيل «قوات محلية» عُرفت بـ«الميليس» (الميليشيا) لغرض حماية الأراضي وحفظ النظام. ولا يُجنَّد أفراد القوات المذكورة إلّا من أهل الأراضي المشار إليها. وبعد ذلك تصبح تلك القوات تابعة للسلطة المحلية، مع الاحتفاظ بما يجب أن يبقى للدولة المنتدبة من حق السلطة والمراقبة عليها إلى حين وضع «النظام الأساسي». غير أنّ الواقع يشي بأنّ السلطات الفرنسية استعجلت هذه الخطوة قبل إقرار الدستور اللبناني وتحديد الأطر السياسية للدولة، وذلك تحت وطأة خمسة عوامل ضاغطة:

  • إقرار الدستور اللبناني: الجمهورية اللبنانية
    شهد منتصف العام 1925 تصاعد المطالبات السياسية بوضع دستور للدولة اللبنانية. ومع تولّي المفوض السامي المدني هنري دو جوفنيل مهامه، صُوّت على الدستور في 23 أيار 1926، وتحوّل المجلس التمثيلي إلى مجلس نواب، وشُكّل مجلس الشيوخ، والتأم المجلسان في 26 أيار وانتخبا مدير العدلية الأستاذ شارل دباس أول رئيس للجمهورية اللبنانية، تلا ذلك تشكيل أوّل حكومة برئاسة أوغست أديب. وكان من الطبيعي أن يُرافق هذا التوسّع في السلطة السياسية الوطنية ترسيمٌ مماثلٌ لدور عسكري محلّي، لتكون «القناصة» النواة المسلّحة للكيان الوليد.
  • امتداد شرارة الثورة السورية الكبرى
    لم تعد ألسنة اللهب المشتعلة في جبل الدروز بعيدة عن الداخل اللبناني. ففي تشرين الثاني 1925، دخلت قوات الثورة حاصبيا وكوكبا ومرجعيون، وصولًا إلى حصار قلعة راشيا الاستراتيجية من أجل إسقاطها لتتمكن بعدها من التقدم إلى سهل البقاع، لاحتلال رياق وقطع خط الاتصال الحديدي بين دمشق وحلب من جهة، ودمشق وبيروت من جهة ثانية. وعلى الرغم من أنّ الثوار فشلوا في إسقاط قلعة راشيا، إلّا أنّ هذا الاختراق الميداني شكّل تهديدًا مباشرًا للوجود الفرنسي، وفرض الحاجة الماسّة لقوات مشاة خفيفة ومحليّة، تكون أكثر قدرةً على الحركة في الطبيعة الجبلية.
    وبموازاة ذلك، لم تكن الأحوال في البقاعَين الأوسط والشمالي، وفي منطقة الشوف اللبناني، أقل سخونةً من محور مرجعيون – حاصبيا. فقد كانت حركة المقاتلين المناهضين للانتداب الفرنسي في هذه المناطق، على مستوى من التسلّح، ومن العديد، ومن القدرة على الحركة، بحيث شكّلت خطرًا فعليًا ينال من هيبة الفرنسيين ووجودهم العسكري.
  • الاتّساع المتزايد للفلتان الأمني الداخلي
    شهدت البلاد نهاية العام 1925 ومطلع العام 1926 موجة غير مسبوقة من الفوضى الأمنية والسلب المسلّح. وتكشف الوثائق الرسمية حجم المأزق، إذ سجّلت العاصمة بيروت وحدها خلال أربعة أشهر فقط (حزيران – أيلول 1926) ما يزيد على 3935 حادثة أمنية، بينها 400 جريمة قتل وإطلاق نار، و710 حوادث سرقة وسلب، و41 حالة تعاطي أو اتّجار بالمخدرات، و2802 حجز حرية وخطف وقمار وتحقير وإهانة ونقل سلاح من دون إجازة، وسُكر ومخالفات بلدية. ولم تكن طرابلس وباقي المناطق من الجنوب إلى عكار بأحسن حالٍ، رغم فرض عقوبات حظر التجوال ليلًا ومكافآت مالية لمن يسهّل أمور قوى الأمن.
  • ترسيم الحدود اللبنانية
    تزامن العمل على تأسيس فرقة القناصة اللبنانية مع توقيع اتفاقية «حسن الجوار» بين فرنسا وبريطانيا في 2 شباط 1926 لتطبيق ترسيم الحدود اللبنانية – الفلسطينية وفق اتفاقية بوليه – نيوكومب (Paulet-Newcombe)، الموقّعة بين الجانبين في 7 آذار 1923. فرض هذا الوضع ضرورة تشديد الرقابة لمنع تسلّل الثوار وتهريب السلاح بين فلسطين ومصر وجبل الدروز عبر الأراضي اللبنانية وشرق الأردن، ما تطلّب الانتشار على خطوط التماس الجنوبية والشرقية، لا سيّما وأنّ الفارّين من وجه العدالة الفرنسية كانوا يلقون ترحيبًا في المنطقة الإنكليزية.
    وفي الوقت عينه، كانت اللجنة السورية الفلسطينية قد فرغت، في 19 أيار 1925، من تعيين الحدود نهائيًا بين سوريا وفلسطين، ووضعت العلامات اللازمة على امتدادها. هذا في الوقت الذي كانت فيه المحادثات الحدودية بين لبنان وسوريا مستمرّة طوال الأعوام 1924 و1925 و1926.
  • استنزاف الجبهة المغربية (حرب الريف) وسحب القوات
    كان اندلاع حرب الريف في المغرب سنة 1925 بقيادة عبد الكريم الخطابي بوجه الجيشين الفرنسي والإسباني العامل الحاسم في الميدان؛ إذ اضطرت باريس لسحب القسم الأكبر من قواتها البرية في سوريا ولبنان لإرسالها إلى المغرب، ولم يُبقِ الجنرال موريس ساراي في المشرق سوى نحو 4000 جندي فرنسي، ولتدارك هذا الفراغ العسكري الخطير ولتغطية الحدود، كان لا بد لفرنسا من إنشاء قوة محلية عالية التدريب تعوّض نقص العديد الأجنبي. كما اضطرت أيضًا إلى تكثيف حضورها العسكري في الطرف الجنوبي، أي في المثلث الحدودي اللبناني – الفلسطيني – السوري، عبر إفراغ غير منطقة لبنانية من الوجود العسكري الفرنسي. «فقد جيء بقواتٍ فرنسية من رياق إلى الحدود اللبنانية، في حدود الألف وخمسماية جندي، على طريق الباروك – بيت الدين إلى جزين… وسافرت فرقة ثانية بعد الأولى على طريق صيدا – النبطية، لمطاردة الثوار في مرجعيون وحاصبيا. وجاءت قوة من دمشق إلى القنيطرة لتقطع خط الرجعة على زيد الأطرش…».

أول تشكيل عسكري يكتسب مشروعية تشريعية لبنانية
في تشرين الأول 1925، أحالت السلطة التنفيذية مشروع قانون إنشاء فرقتي القناصة إلى المجلس التمثيلي (مجلس النواب). وتكشف مراجعة محاضر الجلسات عن دينامية سياسية لافتة ارتكزت على حقيقتين: أولًا، تعامل غالبية النواب مع هذا التشكيل بوصفه تدبيرًا أمنيًا مؤقتًا أمْلته ظروف الثورة السورية والتحديات الحدودية. وثانيًا، نال المشروع إجماعًا برلمانيًا شبه كامل، إذ حظي بموافقة غالبية الأعضاء، باستثناء امتناع النائبَين يوسف الخازن وصبحي حيدر، اللذين طلبا مهلة إضافية للدراسة مع إقرارهما بالمبدأ.
وقد شهدت القاعة سجالًا يعكس الحرص على الأمن؛ إذ رغب النائب أحمد الداعوق بالإسراع في الإقرار قائلًا إنّ «حفظ الأمن مطلوب من الحكومة فلنوافق وتتدبر هي التطبيق». أمّا النائب عمر بيهم، فرأى أنّ العديد المقترح غير كافٍ للغرض العسكري، ومارس ضغطًا أثمر في النهاية عن رفع عدد السرايا المقرّرة.
تُوّج قرار تأسيس القناصة اللبنانية وتحديد مفهومها العسكري بمباركةٍ برلمانية جعلت من القناصة أول تشكيل عسكري يكتسب مشروعية تشريعية لبنانية. ومع إقرار المجلس التمثيلي المشروع، أصدر حاكم لبنان الكبير الفرنسي ليون كايلا، القرار رقم 3502 بتاريخ 26/1/1926، نظّم بموجبه «كتائب من الصيادة اللبنانية». حدّدت فذلكة القرار والمادتان الأولى والثانية منه عقيدة هذه الفرقة بوضوحٍ، عبر إناطة مهام «الدفاع عن الأراضي الوطنية، صيانة الأمن، الحفاظ على الحدود وطرق المواصلات، والمشاركة عند الاقتضاء في الأعمال الحربية بالارتباط مع السلطة العسكرية».
ورسّم هذا القرار حدودًا فاصلة بين دور «الجندرمة» كقوى أمن داخلي، ودور «القناصة» كقوةٍ عسكرية هدفها حماية الحدود؛ وهو التمايز الذي كان غيابه سببًا في حلّ التجربة المختلطة سابقًا. غير أنّ هذا المفهوم المستحدث للجيش الوطني ظلّ غامضًا لدى بعض السياسيين، ما دفع رئيس الوزراء أوغست أديب، بعد عامٍ من التأسيس، إلى التصريح أمام النواب بوجود «سوء فهم وتداخل بين مهام الصيادة والجندرمة». ولحساسية ارتباط هذا الملف بسلطات الانتداب، اضطرّ أوغست أديب إلى طلب تحويل الجلسة إلى سرية لإيضاح الحدود الفاصلة بين المؤسّستين.

التطوّع
حدّدت المواد الثالثة والرابعة والخامسة من القرار 3502، ملاكات سرية «القناصة اللبنانية» وشروط التطوع فيها. فالسرية تتألّف من 125 عنصرًا، ويضم ملاكها، «عدا الضباط وضباط الصف الفرنسيين الذين تضعهم القيادة قيد تصرّف لبنان الكبير»، ضابطين برتبة ملازم أول (أو ملازم ثانٍ)، وخمسة رتباء، أحدهم محاسب، وثمانية أفراد برتبة عريف.
أما عناصر الملاك من اللبنانيين، فيتم اختيارهم من الضباط وضباط الصف والعرفاء من متطوعي الجندرمة اللبنانية، ومن قدماء الضباط وضباط الصف في الجندرمة اللبنانية من الفرقة السورية، أو من جنود أفريقيا الشمالية، الذين كانوا ضباط صف في الجيش الفرنسي. ويجوز قبول كل منهم برتبته أو برتبةٍ أدنى منها.
وبالنسبة إلى مدّة التطوع الاختياري فتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، مع إمكان تجديدها لمدة شهر واحد إلى ثلاثة أشهر. وكان يحق للكولونيل مفتش كتيبة الجندرمة «أن يقيل أي متطوع في كل آنٍ بناءً على اقتراح قائد الكتيبة». ولا يحق للمسرّح أي تعويض إذا كانت الإقالة ناشئة عن اعتبارات تأديبية، أمّا غير هذه الحالة، فيمكن منحه تعويضًا قدره راتب عشرة أيام.
وتحدّد المادة الخامسة شروط قبول المتطوعين، وهي:

  • أن يكون عمره 18 سنة على الأقل.
  • ألّا يكون قد حُكم عليه بعقوبات شديدة في فرقته.
  • أن يقدّم جميع الضمانات الأدبية، وألّا يكون محكومًا عليه في مدّة حياته المدنية.
  • أن يكون حائزًا الأهلية الجسدية اللازمة عند التطوع، بشهادة طبيب معيّن لهذا الغرض.
    وتحدّد المادتان السابعة والتاسعة مالية القناصة ورواتبهم، التي كانت «متماثلة مع الرواتب ذاتها التي يتقاضاها جنود الجندرمة اللبنانية المتساوون معهم في الرتبة». أمّا المادة الثامنة، فتحدد ملابس القناصة اللبنانية، التي جاءت على غرار ملابس الجندرمة، «على أنّ شرائط السترة، والقلبق تكون خضراء قاتمة، وشارات القلبق والقبة هي رسم بوق صيد من فضة». وتختم المادة العاشرة خلاصة هذه الأحكام جميعًا بـ «أنّ جميع أحكام الأنظمة المعمول بها في الجندرمة اللبنانية، التي لا تخالف أحكام هذا القرار، تطبّق على الصيادة اللبنانية».
    وعلى مستوى الإقبال على التطوع في فرقة القناصة اللبنانية، فقد كان لافتًا وكثيفًا؛ إذ تجاوز عدد طالبي التطوع في الأيام الثلاثة الأولى الـ «500 متطوع، وأكثرهم من مهاجري الأرمن ومن الأهالي في جنوب لبنان من المسيحيين». وبالنسبة إلى الأرمن، فتجدر الإشارة إلى أنّ انخراطهم، كلبنانيين، في فرقة القناصة اللبنانية، جاء على قاعدة قانون الجنسية، الصادر في 19 /1 /1925، والذي أعطى الجنسية اللبنانية لكل من تثبت إقامته على الأراضي اللبنانية قبل 30 /8 /1924.
    وعليه، تمّ الانتهاء من تشكيل السرايا الست الأولى في غضون 45 يومًا؛ ففي 15/2/1926، تمّ إنشاء السرية الأولى، وفي 24 /2 /1926 تمّ إنشاء السرية الثانية، والسرية الثالثة في 14 /3 /1926، والسرية الرابعة في 17/3/1926، والسرية الخامسة في 24/3/1926، والسادسة في 31/3/1926.
    أمّا السريتان السابعة والثامنة، فبدأت فكرة إنشائهما في أواخر العام 1926، مع إعلان «حاكم لبنان الكبير أنّه ما برح يتلقى طلبات كثيرة للتطوع، وهو يلفت نظر الطالبين إلى أنّه أرسل إلى المجلس النيابي مشروع تأليف فصيلتين من الصيادة اللبنانية». وهكذا تم تشكيل السرية السابعة في العام 1927، في حين شُكّلت السرية الثامنة في الخامس عشر من نيسان 1929، من خلال الاقتطاع من باقي السرايا والتطويع.
    ومن نافل القول أنّ عزوفًا عن التطوع كان باديًا لدى فئات من اللبنانيين مع إطلاق الدعوة إلى إنشاء القناصة اللبنانية. فقد نظروا إليها بحذرٍ، وقد «عاد الخوف إلى قلوبهم»، لا سيّما مع المعارك العسكرية التي كانت تدور آنذاك بين القوات الفرنسية وقوات الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، في مناطق عديدة من سوريا، ما بين جبل العرب في جنوبها وغوطة دمشق في الوسط منها، وامتداد هذه الأحداث حتى مناطق واسعة من الجنوب الشرقي للبنان الكبير، مع سيطرة مقاتلي الثورة السورية على قرى عديدة في مناطق راشيا وحاصبيا ومرجعيون، فضلًا عن الحركات المسلّحة الموالية لها والمنتشرة في البقاع حتى الهرمل وجبل أكروم.
    وفي خطوة هدفت إلى تحسين صورة «القناصة اللبنانية» في أذهان اللبنانيين، بعد العديد من الإشكالات مع بعض اللبنانيين الحذرين من وجودها، حاولت سلطات الانتداب الفرنسي توزيع القناصة «حصصًا» على الطوائف اللبنانية انطلاقًا من سياستها التي طبّقتها على مجمل مناطق الانتداب، فراحت تعمل على تأليف فرقة «قناصة من الشيعة» و«فرقة أخرى من متطوّعة من الدروز». وجاء ذلك في وقتٍ كانت تدور فيه الإشاعات عن أنّ السلطة العسكرية الفرنسية قررت إلغاء فرق القناصة اللبنانية بناءً على طلب «حكّام لبنان العسكريين»، أو أنّها كانت في صدد إنشاء فرقة بديلة، فضلًا عن شائعاتٍ أخرى عن حالات فرار كثيرة يُقدم عليها كثيرون من أفراد القناصة مع أسلحتهم.

القيادة
يُسجّل في الحديث عن قيادة القناصة «حدثان» هما:

  • صدور مرسوم عن رئيس الجمهورية اللبنانية، يرسم تعيين القومندان ميريل رئيسًا لتشكيل القناصة اللبنانية، على أن يحمل لقب ليوتنان كولونيل في الجيش اللبناني، ويتقاضى مرتّبه من الخزينة اللبنانية. ويُعتبر هذا حدثًا في تاريخ المؤسسة العسكرية اللبنانية: أولًا، في كون شرعية التعيين صادرة عن سلطة وطنية لبنانية، بموجب مرسوم صادر عن رئيس الجمهورية اللبنانية. وثانيًا، في اعتبار القائد الفرنسي، بموجب المرسوم الآنف، ضابطًا في الجيش اللبناني. وثالثًا، في تحديد مصدر المرتّبات المتوجّبة بالخزينة اللبنانية.
  • سنة 1938 تولّى أول ضابط لبناني قيادة كتيبة في «القناصة اللبنانية»، بدلًا من قائدها الفرنسي القومندان بيجار. والكتيبة هي كتيبة القناصة المخيّمة في الجنوب، والضابط هو القومندان قيصر زهران يمّين، كونه أول لبناني يصل إلى رتبة القومندانية في منظمات القناصة اللبنانية.

المواقع والتمركز
كانت مواقع «القناصة اللبنانية» تتحدّد على ضوء الأوضاع العسكرية القائمة داخل الأراضي اللبنانية وفي المناطق الحدودية. وعلى هذا، كانت المواقع التي شغلتها السرايا الست الأولى سنة 1926 تمتدّ على الحدود اللبنانية مع سوريا وفلسطين. فالمواقع التي شغلتها سريتا القناصة الأولى والثانية كانت تمتدّ على الحدود الشرقية للبنان، من الشمال حتى جهة راشيا، فيما كانت المواقع الأولى التي شغلتها السرية الثالثة تنقسم ما بين حدود لبنان الشمالية، أي من جهات طرابلس، ومناطق البقاع الغربي في جهة ينطا. أمّا سرية القناصة الرابعة، فشغلت مواقع في صيدا، نقطة انطلاق، حسب مقتضيات الظروف العسكرية، باتجاه منطقة الشوف أو باتجاه الحدود اللبنانية – الفلسطينية. وأخيرًا، كانت مواقع السرية السادسة في وادي فيسان ما بين الهرمل وجبل أكروم. وفي الداخل اللبناني، شكّلت منطقة الشوف مركز تجمّع لسرية القناصة الرابعة.
ولكن مواقع «القناصة اللبنانية» ما لبثت أن ارتسمت مطلع الثلاثينيات، مع تشكيل كتيبتي القناصة الأولى والثانية سنة 1930، في مواقع من الحدود الشرقية تمتدّ من مرجعيون حتى رأس الفاكهة، مرورًا بالخيام وحاصبيا وراشيا وعندقت وبعلبك، مع سرية واحدة في منطقة بعبدا، كما يتضح من الجدول رقم 1.
كتائب القناصة اللبنانية
إنشاؤها
التغيير الأساسي في تنظيم «القناصة اللبنانية» جاء في الأول من نيسان 1930، يوم انتظمت سراياها الثمانية في كتيبتين، بموجب مذكرتي الخدمة رقم 2040/1 ورقم 2041/1، الصادرتين عن القائد الأعلى لقوات المشرق بتاريخ 14/3/1930.
الكتيبة الأولى: وقد تمركزت في جنوب لبنان، حيث اتخذت مرجعيون مقرّ قيادة لأركانها، تحت قيادة المقدم (ROUXEL) وتوزّع عديد الأركان من ضابط فرنسي (عدد 2)، ومعاون ضابط لبناني (عدد 1)، وعريف (عدد 2)، وقناصة (عدد 8). وكانت تضم:

  • السرية الأولى: مقرّ قيادتها في حاصبيا، وآمرها الملازم (FERRE). وتوزّع عديدها كالآتي: ضابط فرنسي (1)، وضابط لبناني (1)، ورتباء فرنسيون (3)، ورتباء لبنانيون (5)، وعرفاء (9)، وقناصة (114)، والمجموع (133).
  • السرية الثانية: مقرّ قيادتها في راشيا، وآمرها الملازم الأول HUARD. وكانت تتشكّل كالآتي: ضابط فرنسي (1)، وضابط لبناني (1)، ورتباء فرنسيون (3)، ورتباء لبنانيون (5)، وعرفاء (8)، وقناصة (120)، والمجموع (138).
  • السرية الثالثة: مقرّ قيادتها في مرجعيون، وآمرها النقيب اللبناني قيصر زهران يمين. وتوزّع عديدها كالآتي: ضابط لبناني (2)، ورتباء لبنانيون (7)، ورتباء فرنسيون (3)، وعرفاء (8)، وقناصة (117)، والمجموع (137).
  • السرية الرابعة: مقرّ قيادتها في الخيام، وآمرها الملازم الأول (SALAGNAC). وقد توزّع عديدها كالآتي: ضابط فرنسي (1)، وضابط لبناني (1)، ورتباء فرنسيون (3)، ورتباء لبنانيون (5)، وعرفاء (9)، وقناصة (119)، والمجموع (138).
    الكتيبة الثانية: وقد اتخذت من بيروت مركزًا لأركانها، تحت قيادة المقدم DENIS. وكانت تضم:
  • السرية الخامسة: بإمرة الملازم الأول BERTHELEMY، ومركزها رأس بعلبك.
  • السرية السادسة: بإمرة الملازم الأول ALLEGRINI، وكانت في عندقت.
  • السرية السابعة: بإمرة الملازم الأول CAPDEBOSQ، ومركزها مدينة بعلبك.
  • السرية الثامنة: بإمرة الملازم الأول SICARD، ومركزها بعبدا.

أما كتيبة القناصة الثالثة، فقد تمّ إنشاؤها في 21/9/1939.

عديدها
عرفت الكتيبتان الأولى والثانية ثباتًا نسبيًا في عديدهما، إذ تراوح عديد الكتيبة الأولى ما بين 546 عنصرًا سنة 1930، و533 عنصرًا سنة 1939. وراوح عديد الكتيبة الثانية قريبًا من هذه الأرقام. وتبيّن الجداول أدناه تطوّر عديد القناصة بعد سنة من إنشاء كتائبها.

وقد ظلّ العديد على ما هو عليه تقريبًا، حتى نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، حيث أُنشئت كتيبة القناصة اللبنانية الثالثة بتاريخ 21/9/1939، فصار عديد القناصة اللبنانية في مطلع 1940 كما يبيّن الجدول رقم 4.
في الإحصاء الأخير، وتمهيدًا لتسليم الوحدات إلى السلطة الوطنية في لبنان، كان عديد القناصة اللبنانية في 6/7/1945 قد بلغ 1695، وفق ما يظهر في الجدول رقم 5.
تقود الجداول السابقة أعلاه، إلى تفصيل جديد، يتناول تناسب الضباط ما بين فرنسيين ولبنانيين، داخل كتائب القناصة اللبنانية. أو بتعبير أدق، يتناول وتيرة انتقال قيادة هذه الكتائب من إمرة الضباط الفرنسيين إلى إمرة وطنية، وهي تمكّننا من استخلاص الآتي:
ثمة خطّ تنازلي لأعداد الضباط الفرنسيين، مقارنةً مع تطوّر أعداد الضباط اللبنانيين. ففي الوقت الذي يشكّل فيه الضباط الفرنسيون العام 1931 ما نسبته 46% (31 ضابطًا فرنسيًا مقابل 67 ضابطًا لبنانيًا)، تتراجع هذه النسبة سنة 1936، أي بعد خمس سنوات، لتصبح 33% (33 ضابطًا فرنسيًا مقابل 100 ضابط لبناني)، ثم تتراجع إلى 13,7% سنة 1940 (27 ضابطًا فرنسيًا مقابل 196 ضابطًا لبنانيًا). لتختفي أعداد الضباط الفرنسيين من تشكيلات القناصة نهائيًا في العام 1945، فتصبح صافية 100% لمصلحة الضباط اللبنانيين (الجدول رقم 6).
بين قرار التأسيس العام 1926 واليوم، يكتمل قرنٌ كاملٌ من تاريخ المؤسسة العسكرية اللبنانية. مئة عام مرّت على تجربة «القناصة اللبنانية» التي خاضت اختبار الولادة في مرحلة شديدة التعقيد بين استحقاقات الدستور واضطرابات الحدود. ولقد أثبتت الأيام أن تلك الفرقة لم تكن مجرد تشكيل أمني مؤقّت، بل كانت الحجر الأساس الذي قام عليه سلاح المشاة، والشاهد الأول على ولادة الفكرة الوطنية للجيش، حين حفرت اسم «اللبنانية» على بندقيته قبل قرن من الزمن. ومع دخول هذه المئوية، تبقى ذكرى «القناصة» تذكيرًا دائمًا بأنّ عقيدة حماية الوطن وبناء المؤسّسات تبدأ دائمًا من خطوة تأسيسية شجاعة.

المراجع

  • قيادة الجيش اللبناني – مديرية التوجيه: تاريخ الجيش اللبناني، الجزء الأول 1920-1945، الطبعة الثانية، اليرزة، 2016.
  • أرشيف مجلة الجندي اللبناني.
  • الجريدة الرسمية: 1923، 1925، 1926.
  • محاضر مجلس النواب: 1925، 1926، 1927.
  • SHAT: (Service Historique des Armées de Terre) (Vinçenne), les journaux de marches des Chasseurs du Liban de 1927 à 1931, et 1936.
  • مصدر الصور: كتاب تاريخ الجيش اللبناني – الجزء الأول